العنف الخفيّ في حياة النساء السودانيات في زمن الحرب

منذ اندلاع الحرب في السودان في نيسان/ أبريل 2023، امتدت آثارها إلى تفاصيل يومية لا تتصدر الأخبار، لكنها تُعيد تشكيل حياة النساء وفرصهن وقدرتهن على الاختيار. من الفاشر ومدن دارفور إلى الخرطوم والجزيرة وكردفان وجبال النوبة وسائر أنحاء السودان، لم تكن النساء على هامش الحرب، بل كنّ في قلب تداعياتها اليومية، يدفعن ثمن قتال لم يخترنه.
فماذا يحدث للمرأة بعد أن تنجو؟ وهل تنتهي معاناتها بمجرد وصولها إلى مكان يُفترض أنه آمن؟
فالنساء العاملات، من معلمات وطبيبات ومهندسات وبائعات شاي، اللواتي بنين مهنهنّ على مدار سنوات، يفقدن عملهن وبيوتهن ومدنهن، وقد تجد إحداهن نفسها تبحث عن أي مصدر دخل لإعالة أسرتها. ليس في العمل البسيط ما ينتقص من قَدر أحد؛ المأساة أن تفقد المرأة حق اختيار مسار حياتها، وقد تجد فتاة فقدت والديها نفسها مسؤولةً عن إخوتها الصغار، بينما تحتاج هي أيضًا إلى الرعاية والتعليم والحماية.
هذه ليست هوامش للحرب. هذه هي الحرب بعد أن تغادرها الكاميرات، لم تفرّق الحرب الأسر جغرافيًا فحسب؛ بل فككت علاقاتٍ وأنهت زيجات ودمرت عائلات، وتركت نساء مع أطفالهن دون معيل ثابت، وتراجعت مساندة الأسرة الممتدة والجيران، بينما بقي ما يُنتظر من المرأة كما هو، رغم تضاؤل الموارد والفرص أمامها.
وحتى بعد النزوح، قد تواجه الأسرة الإخلاء من مأواها، أو تتفرق بين مناطق ودول؛ أمٌ بعيدةٌ عن أطفالها، وزوجان فَصلت بينهما الحدود، ومع فقدان الاستقرار، تظل المرأة مطالبة بالحفاظ على تماسك الأسرة، وإن كانت تحتاج إلى من يساندها.
في ظل تضرر المرافق الصحية، قد تتراجع أولوية احتياجات النساء والفتيات الصحية والإنجابية أمام الغذاء والمأوى. فقد تضطر فتاة لاستخدام مواد غير ملائمة بدلًا من الفوط الصحية، بما يهدد صحتها وكرامتها. وقد تلد امرأة دون قابلة، أو تعجز ناجية من العنف الجنسي عن الحصول على علاج عاجل، ليست المشكلة نقص الخدمات وحده، بل أيضًا في غياب بعض احتياجات النساء عن أولويات من يحددون ما يُعد ضروريًا للنجاة.
من أقسى صور العنف الممتد ما تواجهه الناجيات من الاغتصاب؛ فالجريمة لا تنتهي عند ابتعاد المعتدي، قد تواجه الناجية حملًا ناتجًا عن الاغتصاب أو آثارًا صحية ونفسية، وتخشى الإفصاح خوفًا من الوصمة. وقد يواجه بعض الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب الرفض أو الأذى بسبب جريمة لم يرتكبوها. وهكذا تُعاقب الناجية اجتماعيًا أحيانًا، ويصبح الصمت وسيلة لتجنب أذى جديد بدلًا من الحصول على الحماية والإنصاف.
بالنسبة لبعض النساء، يرتبط الخوف من العودة بالهوية والانتماء أيضًا، ففي ظل الانقسامات التي عمّقتها الحرب، قد يعرّض الانتماء الإثني أو الجهوي المرأة للاستهداف أو الاشتباه، فتُجبر على المفاضلة بين نزوح قاسٍ وعودة تخشى فيها على سلامتها، وهكذا يُقيَّد حقها في اختيار مكان عيشها.
لكن العنف الخفي لا يَظهر فيما تعيشه النساء وحده، بل أحيانًا في ما لا يجدن فرصة لروايته.
وأنا أكتب هذا المقال، طلبت من أخواتي مساعدتي في التفكير فيما لا نتحدّث عنه بما يكفي في حياة النساء السودانيات. أخبرنني أن مشاغل الحياة وهمومها لا تترك لهن حتى صفاء الذهن لكتابة سطر واحد.
جعلتني إجابتهن أفكر: ربما لا تغيب بعض قصص النساء لأنها غير مهمة، بل لأن صاحباتها مشغولات بالنجاة إلى درجة لا يملكن معها الوقت لروايتها، فالنجاة تستهلك الوقت أيضًا.
لا تظهر في الأخبار ساعات تدبير الطعام والسكن والعلاج، ولا الفرص التي تتخلّى عنها امرأة لرعاية طفل أو مريض، وقد يصبح تنازل الأم أو الأخت الكبرى عن حصتها من الطعام أمرًا مألوفًا.
هذا العمل الرعائي غير المدفوع ليس عنفًا في ذاته؛ فالرعاية تعبير عن المحبة والتضامن. لكنه يتحول إلى استنزاف حين يُفرض على المرأة وحدها، ويُتوقع منها التضحية بصحتها ومستقبلها دون حق في الرفض أو تقاسم المسؤولية، وقد تعيل الأسرة وتتحمّل مسؤولية احتياجاتها اليومية دون سلطة مماثلة في اتخاذ القرار أو التصرف في الموارد.
الفقر لا يسلب المرأة دخلها فقط؛ بل يضيّق خياراتها، فتقبل أحيانًا عملًا غير آمن، أو تبقى في علاقة مؤذية لغياب البدائل، وقد يُقدَّم زواج فتاة صغيرة بوصفه حماية من الفقر. ويُنتظر من المرأة أيضًا تأجيل حزنها وخوفها لتساند الآخرين. ثم نمنحها وصفًا جميلًا: «صامدة» لكن متى يصبح الصمود واجبًا لا يترك لها حق التعب؟
في المجال العام، تعمل سودانيات في الإغاثة والتوثيق والدفاع عن الحقوق، لكنهن لا يُشركن بالقدر نفسه في قرارات المساعدات والعودة والسلام. وفي الفضاء الرقمي، قد يتحول الهاتف الذي يصل المرأة بأسرتها وعملها إلى مصدر خوف بسبب التشهير والتهديد وانتهاك الخصوصية، فيصبح الصمت أحيانًا وسيلة للحماية.
هذه التجارب ليست متطابقة، لكن بينها سؤالًا مشتركًا: كم بقي لكل امرأة سودانية من حق اختيار شكل حياتها؟
لم تخلق الحرب اللامساواة من العدم؛ بل عمّقت اختلالات سابقة في توزيع السلطة والمسؤوليات، وسط صراعات على الموارد والمصالح داخل السودان وخارجه. ومع استمرارها، قد تبدو الأعباء المفروضة على النساء مجرد ظروف حرب، لا اختلالًا يستحق المساءلة، وقد يأتي العنف الخفي في صورة حماية تسلب المرأة قرارها، أو تضحية لا تُطلب من غيرها، أو صمت يحميها من الوصمة.
لا تكفي المساعدات العاجلة ما دامت النساء بعيدات عن القرارات التي تحدد مصيرهن. فالحماية تشمل الرعاية الصحية والإنجابية والتعليم والعمل، وحماية الناجيات وأطفالهن ومحاسبة المعتدين، وإشراك النساء والمنظمات المعنية بحقوقهن بصورة فعلية في تحديد الأولويات، وهذه مسؤولية الدولة والمجتمع والجهات الدولية، لا عبء إضافي على النساء.
لا يكفي الاحتفاء بصمود النساء السودانيات وتركهن يواجهن تبعات الحرب وحدهن، فالنجاة الحقيقية ليست مجرد البقاء، بل استعادة الأمان والاختيار والكرامة.
ليس السؤال كيف استطاعت النساء السودانيات تحمل كل هذا، بل لماذا يُطلب منهن تحمله أصلًا، ومن الذي أَعفى نفسه من المسؤولية اعتمادًا على قُدرتهن على الاستمرار؟

أسمهان آدم أحمد
مدافعة سودانية عن حقوق الإنسان تقيم في أوغندا. عضو في مجموعة خبراء منظمة الحماية الدولية (Protection International)، ومدرّبة معتمدة في الاستعداد للأزمات (Crisis Readiness) من منظمة Vital Voices.



