سيكولوجيا الانتخابات: كيف نختلف دون أن نَخسَر بعضنا؟

في السابع والعشرين من أكتوبر، سيدخل الناس إلى صناديق الاقتراع فرادى. خلف الستار، سيضع كل واحد منهم ورقة تعبّر، بدرجة أو بأخرى، عن قناعاته ومخاوفه وآماله، وعن الطريقة التي يتخيّل بها المستقبل.

لن تستغرق العملية سوى دقائق.

لكن الانتخابات لا تَختبرنا فقط في اللحظة التي نقف فيها خلف الستار. فالاختبار النفسي والأخلاقي يبدأ قبل ذلك بكثير؛ في الطريقة التي نصغي بها إلى المختلِف، واللغة التي نستخدمها حين نتحدث عنه، وقدرتنا على احتمال رأي لا يشبه رأينا. ويستمر الاختبار بعد إعلان النتائج، حين نعود جميعًا إلى المجتمع نفسه، ونكتشف أن الذين اختلفنا معهم لم يختفوا، وأن علينا أن نواصل العيش معًا.

ماذا يحدث لنا عندما نكتشف أن شخصًا نحبه اختار غير ما اخترنا؟ ماذا نشعر حين يؤيّد صديق نحترمه موقفًا نراه خاطئًا؟ وهل نستطيع أن نقول لإنسان أمامنا: أعتقد أنك مخطئ، وربما أعارض موقفك بشدّة، لكنني لا أحتاج إلى إهانتك أو تخوينك أو التشكيك في نواياك كي أثبت أنني على حق؟

قد يبدو هذا سؤالًا عن السياسة، لكنه في جوهره سؤال عن النفس البشرية:

ما مدى قدرتنا على احتمال وجود عقل آخر لا يشبه عقلنا؟

نحب أن نعتقد أن آراءنا السياسية هي حصيلة عقلانية خالصة؛ نقرأ المعلومات، ونزنها، ثم نصل إلى موقف. لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من ذلك. فنحن لا ندخل النقاش السياسي بعقول مجرّدة؛ نحمل معنا تاريخنا، وهوياتنا، وتجاربنا، ومخاوفنا، وانتماءاتنا، والقيم التي تربّينا عليها، والجماعات التي نشعر أننا جزء منها.

لهذا قد يحدث تحول نفسي بالغ الأهمية: تتحوّل القناعة السياسية من رأي أملكه إلى جزء مما أكونه.

حين يحدث ذلك، قد لا أعود أسمع نقدك لموقفي بوصفه نقدًا لفكرة أتبناها، بل أشعر به كأنه نقد لي أنا. عندها يتحول الحوار تدريجيًا من محاولة لفهم الأفكار إلى دفاع عن الذات والهوية والانتماء.

ولا نعود نسأل فقط:

هل ما يقوله الآخر صحيح؟

بل نبدأ، أحيانًا من دون أن نشعر، بسؤال مختلف:

ما نوع الإنسان الذي يمكن أن يقول شيئًا كهذا؟

هنا تصبح المسافة قصيرة بين الاختلاف والتصنيف، وبين التصنيف والإقصاء. يصبح المختلف "جاهلًا"، ثم "مضلَّلًا"، وربما "خائنًا" أو "كافرًا". وفي لحظة ما، نتوقف عن مناقشة الفكرة ونبدأ بمحاكمة صاحبها.

هذه إحدى أخطر صور الاستقطاب: أن يختفي الإنسان خلف موقفه السياسي، فلا نعود نراه شخصًا كاملًا له قصة وتجارب ومخاوف وتناقضات، بل ممثلًا لجماعة نرفضها.

والنفس البشرية تساعدنا أحيانًا على هذا الاختزال أكثر مما نتصور.

فنحن أكثر استعدادًا لملاحظة ما يؤكّد قناعاتنا، وقد نفحص ما يناقضها بصرامة أكبر. وقد نجد تفسيرًا متسامحًا لخطأ يصدر عن "واحد منا"، ثم نفسّر السلوك نفسه بقسوة حين يصدر عن "واحد منهم".

ليس لأننا بالضرورة منافقون، بل لأن الانتماء قد يغيّر أحيانًا الطريقة التي نَرى بها الأشياء.

فالإنسان يحتاج إلى جماعة يشعر داخلها بأنه ينتمي إليها. والسياسة تستطيع أن تمنح هذا الشعور بقوة؛ تمنحنا "نحن". والمشكلة ليست في وجود "نحن"، بل في اللحظة التي نحتاج فيها إلى صناعة "هم" كي نحافظ عليها.

عندما لا أعود قادرًا على الشعور بقيمة جماعتي إلا عبر التقليل من قيمة جماعتك، يصبح الاختلاف تهديدًا للهوية بدلًا من أن يكون جزءًا طبيعيًا من الحياة المشتركة.

وهنا يمكن لعلم النفس أن يقدّم لنا مفهومًا بالغ الأهمية: المنتلة  (Mentalization)

تشير المنتلة إلى قدرتنا على النظر إلى سلوكنا وسلوك الآخرين من خلال الحالات الذهنية الكامنة وراءه؛ أي أن نتساءل عمّا قد يشعر به الآخر، وما الذي يفكر فيه، وما الذي يخشاه أو يريده، وما التجارب التي ربما أسهمت في تشكيل موقفه. وهي تتطلب أيضًا أن ندرك أن العالم الداخلي للآخر لا يمكن أن يكون مكشوفًا لنا بالكامل، وأن ما نفترضه عن أفكاره ونواياه يظل محاولة للفهم، قد تصيب وقد تخطئ.

هذه القدرة تصبح أكثر صعوبة عندما نكون غاضبين أو خائفين، أو حين نشعر بأن هويتنا أو قناعاتنا مهددة.

في لحظات الاستقطاب، تضيق مساحة الفضول.

بدلًا من أن أسأل:

ما الذي جعله يفكر بهذه الطريقة؟

أقول بثقة:

أنا أعرف لماذا يفكر هكذا.

هنا تبدأ المنتلة بالتراجع؛ نتوقف عن محاولة فهم عقل الآخر، ونستبدل فضولنا تجاهه بيقين حوله. وبدلًا من أن نحاول فهم دوافعه، قد ننسب إليه الدافع الأسوأ، وبدلًا من أن نرى إنسانًا معقدًا له تاريخ وتجارب ومخاوف ودوافع متعدّدة، نختزله في تصنيف جاهز:

يمين. يسار. قومي. إسلامي. علماني. محافظ. ليبرالي.

وتختفي الشخصية خلف الملصق.

لكن المنتلة تدعونا إلى فعل معاكس تمامًا: أن نُبقي في أذهاننا احتمال وجود شيء لا نعرفه عن الآخر، وأن نحتفظ بمساحة من الفضول تجاه عالمه الداخلي، حتى ونحن نختلف معه.

أن أحاول فهم العالم من موقعك لا يعني أن أوافقك.

وأن أسأل كيف وصلت إلى موقفك لا يعني أن أتنازل عن موقفي.

وقد أفهمك جيدًا، ثم أظل أعتقد أنك مخطئ.

لكن هناك فرقٌ جوهريٌ بين أن أختلف مع إنسان حاولت فهمه، وأن أختلف مع صورة صنعتها عنه.

أن أفهمك لا يعني أن أتبنّاك، بل يعني أنني أرفض اختزالك.

هنا، ربما، يلتقي النفسي بالأخلاقي.

فتقبّل الآخر لا يعني أن جميع الآراء صحيحة، ولا أن كل المواقف متساوية في الأدلة أو النتائج أو الاعتبارات الأخلاقية. هناك أفكار تستحق النقد، وأخرى قد نرفضها بوضوح وشدة. واحترام الإنسان لا يلزمنا باحترام كلّ فكرة يحملها.

لكنه يضع أمامنا حدًا أخلاقيًا آخر:

أن نرفض الفكرة دون أن نسلب صاحبها إنسانيته.

هذه القدرة ليست ضعفًا في القناعة، بل ربما تكون دليلًا على نضجها.

فالنضج النفسي لا يعني أن يصبح العالم رماديًا بلا مواقف، وإنما أن نستطيع احتمال تعقيده؛ أن يكون الإنسان الذي أمامي شخصًا أحترمه، مع ذلك يحمل موقفًا أرفضه. وأن أكون أنا نفسي صاحب قيم وقناعات راسخة، مع ذلك أحتفظ بإمكانية أن أكون مخطئًا في شيء منها.

هنا يظهر سؤال ربما يكون أكثر إزعاجًا من كلّ الأسئلة السابقة:

ماذا لو كنت أنا مخطئًا في جزء مما أعتقد؟

ليس المطلوب أن نشكّ في كلّ شيء، بل أن نترك في داخلنا نافذة صغيرة للمراجعة.

فاليقين الكامل مريح نفسيًا. يمنحنا عالمًا واضحًا: نحن نعرف، وهم لا يعرفون؛ نحن الأخيار، وهم المشكلة. لكنه، في الوقت نفسه، قد يغلق باب الحوار.

عندما أدخل النقاش وأنا مقتنع مسبقًا بأن الآخر لا يملك شيئًا يمكن أن يعلّمني إياه، فأنا لم أدخل حوارًا أصلًا.

دخلت لأنتصر.

ولعل هذا هو أحد التحديات الأخلاقية الكبرى في موسم الانتخابات:

هل نريد أن نفهم، أم نريد فقط أن ننتصر؟

فاللغة التي نستخدمها في هذه الفترة ليست أمرًا هامشيًا. حين نكرّر التخوين والإهانة ونزع الشرعية، لا نصف خصومنا فقط؛ نحن ندرّب أنفسنا تدريجيًا على طريقة معينة في رؤيتهم.

والإنسان الذي نعتاد ألّا نراه كاملًا، يصبح من الأسهل علينا ألّا نصغي إليه.

لذلك، ليس المطلوب أن نتخلّص من الاختلاف. فهذا غير ممكن، وربما ليس مرغوبًا أصلًا. المجتمعات الحية تختلف حول المصالح والقيم والأولويات والمستقبل.

السؤال الحقيقي هو:

كيف نختلف دون أن يتحوّل الاختلاف إلى إلغاء؟

في السابع والعشرين من أكتوبر ستختلف الأوراق التي نضعها في الصندوق.

لكن في الثامن والعشرين منه سنعود إلى الشوارع نفسها، وأماكن العمل نفسها، والمدارس والمستشفيات والمقاهي والبيوت نفسها.

وسنحتاج إلى بعضنا مرة أخرى.

لذلك ربما لا يكون السؤال الوحيد الذي تستحقه الانتخابات:

لمن سنصوّت؟

هناك سؤال نفسي وأخلاقي لا يقل أهمية:

من سنصبح ونحن نختلف حول ذلك؟

فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى أناس أحرار في اختيار من يمثلهم، بل إلى مجتمع قادر على احتمال أن يستخدم الآخر حريته بطريقة مختلفة.

وربما يكون أحد أعمق أشكال النضج الإنساني أن أستطيع، وسط خلاف حاد، أن أقول:

ما زلت أعتقد أنك مخطئ، لكنني ما زلت أراك.

أراك إنسانًا قبل أن أراك موقفًا.

وأدرك أن فهمي لك لا يلزمني بالموافقة عليك، مثلما أن اختلافي معك لا يمنحني الحقّ في إلغائك.

فالانتخابات ستنتهي، وستُرفع اللافتات، وستُعلن النتائج.

لكن الطريقة التي نكون قد تعلمنا بها أن نرى بعضنا قد تبقى معنا طويلًا.

ربما يكون التحدّي الأكبر في أي انتخابات ألّا نخسر، ونحن ندافع عن أفكارنا، قدرتنا على رؤية الإنسان خلف الفكرة.

عبد الله حاتم ريّان

أخصائي نفسي تربوي. حاصل على درجة الماجستير في علم النفس التربوي والنمائي. يشغل منصب مدير وحدة علاجية للأطفال على طيف التوحد، ومؤسس عيادة نوى للتشخيص والإرشاد والعلاج النفسي.

رأيك يهمنا