الانتخابات الإسرائيليّة ومَأْزَق الولايات المتّحدة الاستراتيجيّ في الشّرق الأوسَط

يبدو كأنّ الانتخابات الإسرائيلية قد استحوذَت على اهتمام المجتمع الدولي ككلّ؛ فمن أوروبا وصولًا إلى دول الخليج، لكلّ دولة باعٌ في نتائجها المحتملة والمرتقَبة.

فعلى سبيل المثال، أثار قرار الحكومة البريطانية في أيلول/ سبتمبر فرضَ عقوبات اقتصادية على المستوطنات ومنتجاتها[1] نقاشًا حادًا في بريطانيا، بين من ادّعى أن هذه العقوبات ستستفز الناخب الإسرائيلي وتدفعه للتصويت لنتنياهو، ومن رأى أن هدفَها إرسال رسالة مفادها أن سياسات اليمين ستجلب لإسرائيل العقوبات والقَطيعة مع العالم الغربي. دول الخليج دخلت أيضًا على خطّ الانتخابات مع الكشف الصحافي في "هآرتس" عن تلقّي نتنياهو تحذيرًا من الإمارات بشأن هجوم وشيك من قطاع غزة، ما جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي يدّعي أنّ جهات فلسطينية، وأخرى محسوبةً على اليسار الإسرائيلي، تختلق ادّعاءات بهدف إسقاطه من الحكم.[2]

​لكن يبقى اهتمام الولايات المتحدة بالحملة الانتخابية الإسرائيلية استثنائيًا نظرًا لطبيعة العلاقة بين البلدين، لا سيما في السنوات الثلاث الأخيرة مع انطلاق حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، الحرب التي حظيت بدعم إدارة ترامب الجمهورية، كما حظيت قبلها بدعم إدارة بايدن الديمقراطية.

​ربطت الولايات المتحدة مكانتها في الشرق الأوسط بإسرائيل وسياساتها، ذلك من خلال دعمها السياسات الإسرائيلية الوحشية في غزة ولبنان، ثم بالحرب المشتركة على إيران. لو نجحت إسرائيل في مسعاها الاستراتيجي لتغيير الواقع في الشرق الأوسط لكسبت أمريكا الرّهان، لكنّ فشلَ إسرائيل في إنهاء حكم حماس في غزة، وإيجاد بديل لحزب الله في جنوب لبنان قد عقّد وضعَ الولايات المتحدة الاستراتيجي في المنطقة. كما أن الفشل الكبير في إيران وضعَ مكانة الولايات المتحدة في المنطقة في مأزق لم تشهده في تاريخها الحديث.

​لذلك، يعتقد مراقبون كثيرون في الولايات المتحدة أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تكون "مصيريّة" لمستقبل المشروع الأمريكي في المنطقة. فخسارة نتنياهو الحكم يمكِن أن تفتح أمام الولايات المتحدة نافذة فرص جديدة لإصلاح سياساتها أمام إيران من جهة، وتوسعة اتفاقيات أبراهام من جهة ثانية.

على الرغم من أن الرئيس ترامب يبدو داعمًا لنتنياهو ويتحدّث عنه بشكل إيجابيّ أمام الإعلام، فإنه رفض حتى هذه اللحظة دعمه كما فعل مع حليفه المقرّب الآخر، رئيس وزراء المجر الأسبق فيكتور أوربان. وعلى الرغم من العلاقة التاريخية بين نتنياهو والحزب الجمهوري، حيث يُلقب في أروقة الحزب بـ "السيناتور الجمهوري من القدس"، فقد أَبَت وسائل الإعلام المحسوبة على الجمهوريين دعم نتنياهو بشكل صريح.

​السبب في ذلك هو أن المراهنة الجمهورية على نتنياهو لم تُفد الحزب في الفترة الأخيرة؛ فالحرب على إيران، التي طالب بها نتنياهو منذ عشرات السنوات، أثّرت سلبًا على مكانة ترامب والحزب الجمهوري في الرأي العام الأمريكي. أضرّت المعارضة الكبيرة للحرب، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود الناتج عنها، بشعبية ترامب وحظوظ الجمهوريين في الفوز بالانتخابات النصفيّة المقرَّرة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام. تتوقّع بعض الاستطلاعات فوزًا كبيرًا للمعارضة الديمقراطية في مجلس الشيوخ الذي كان يُعتبر مضمونًا للجمهوريين قبل بدء الحرب على إيران، لذلك يأمل جمهوريون كثيرون رؤية حكومة مختلفة في إسرائيل تتبنّى سياسات تخدم مصلحة الحزب الجمهوري وإدارة الرئيس ترامب.

​ يتابع الحزب الديمقراطي أيضًا الانتخابات الإسرائيلية بترقّب كبير. فعلى الرغم من التحوّل في موقف الرأي العام لأنصار الحزب الديمقراطي، الذين أصبحوا داعمين للفلسطينيين، تبقى نخبة الحزب داعمة لإسرائيل بقوة. زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريس، وزعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر، هما من أكبر الحاصلين على الدعم المالي من اللوبيات الداعمة لإسرائيل،[3] لذلك فهما معنيّان بالحفاظ على دعم إسرائيل التقليدي داخل الحزب.

​تعتقد قيادة الحزب الديمقراطي أن إزاحة نتنياهو عن الحكم هي الطريقة الوحيدة التي ستسمح لهم بالحفاظ على العلاقة الإسرائيلية-الأمريكية؛ فإذا جاء وجهٌ جديد لرئاسة الوزراء، سيتمكنون من المحاجَجة بأن إسرائيل تتّجه نحو مسلك جديد، وأنه من المهم الحفاظ عليها.

كانت قيادة الحزب الديمقراطي قد دعت نتنياهو علنًا للتنحّي في العام 2024 للحفاظ على دعم الرأي العام الأمريكي لإسرائيل.[4] في المقابل، يدّعي منتقدو هذا التوجه داخل الحزب أن المشكلة مع إسرائيل ليست شخصية، بل تتعلّق بسياساتها العدوانية التي تطوّرت إلى نهج إبادي في السنوات الأخيرة، لذلك يعتقد هذا التيار أنه حتى لو خسر نتنياهو منصبه، لن يتمكّن الحزب من إعادة العلاقة التاريخية بين الديمقراطيين وإسرائيل إلا إذا غيّرت الأخيرة نهجها بشكل راديكالي.

​بالإضافة إلى الأحزاب الأمريكية، هناك أيضًا نقاش داخل المجتمع اليهودي الأمريكي حول الانتخابات الإسرائيلية. ليس سرًا أن غالبية منظمات المجتمع المدني اليهودية في الولايات المتحدة محسوبة على التيار الليبرالي-اليساري، وهي تَعمل جاهدة على دعم الحملات الانتخابية المعارضة لنتنياهو لأنها تعتبر هذه الانتخابات مصيرية لطبيعة علاقتها مع إسرائيل في المستقبل.

​الهوة بين المجتمع اليهودي الأمريكي -لا سيما الجيل الشاب- وإسرائيل آخذة بالاتساع. تعزو النخب اليهودية هذه الهوّة إلى جرائم إسرائيل في قطاع غزة، بالإضافة إلى التحولات الثقافية في إسرائيل وصعود فكرٍ قومي ديني أرثوذكسي فيها، بعكس الثقافة اليهودية السائدة في الولايات المتحدة ذات البعد الليبرالي والديني الإصلاحي. هناك خشية في أوساط القيادة اليهودية الأمريكية من أن عودة اليمين الإسرائيلي للحُكم ستعجّل بـ "الطلاق" النهائي بين أكبر جاليتين يهوديتين في العالم.

​يؤكّد الاهتمام الإعلامي والسياسي الأمريكي بالانتخابات الإسرائيلية ما يعرفه أيّ مراقب عن العلاقة بين البلدين: لإسرائيل مكانة خاصة في الحياة السياسية الأمريكية. لقد وَضَعَت المصالح الإمبريالية الأمريكية من جهة، والدور الكبير للوبيات اليهودية والإنجيلية من جهة ثانية، إسرائيل في مكانة خاصة في واشنطن. لكن التحولات الاستراتيجية في السنوات الأخيرة بدأت تغيّر طبيعة هذه العلاقة، وهناك شبهُ إجماع اليوم في واشنطن على أن إسرائيل لن تستمر في التمتّع بهذه المكانة الخاصة. أفضل ما يمكن أن تتأمّله إسرائيل هو تأجيل الانقلاب الأمريكي على سياساتها الشرق أوسطية التقليدية، وقد تُعجل نتائج الانتخابات الإسرائيلية القريبة، وتحديدًا عودة تحالف اليمين بقيادة نتنياهو للحكم من فكّ الارتباط بين الولايات المتحدة وإسرائيل.


الإحالات:

[1] https://spectator.com/article/revealed-ed-miliband-ignored-mi6s-warnings-over-israel-sanctions/

[2] https://www.i24news.tv/he/news/international/middle-east/artc-ee615c38

[3] https://www.opensecrets.org/industries/summary?cycle=All&ind=Q05&mem=Y&recipdetail=H

[4] https://www.cbsnews.com/news/nancy-pelosi-says-benjamin-netanyahu-should-resign/

د. ثائر أبو راس

باحث في منتدى التفكير الإقليمي.

رأيك يهمنا