مُخْرَجات الانتخابات الإِسرائيليّة محكومَة بالمُدْخَلات العسكريّة

تتّجه الخارطة السياسية الإسرائيلية نحو انتخابات مرتقَبة لدورة الكنيست السادسة والعشرين، في ظلّ أجواء ومتغيرات تختلف جذريًا عن الظروف التي أحاطت بالدورات السابقة، إذ إن تنوّع البرامج الانتخابية، وحركة اندماج الأحزاب وائتلافها جاءت هذه المرّة متأثرة بشكل مباشر بتداعيات أحداث السابع من أكتوبر2023، وما تلاها من إجراءات وتطورات عسكرية وسياسية أعادت رسمَ المشهد في المنطقة.
في تقديري، فإن أيّ قراءة فلسطينية مسبَقة لنتائج انتخابات الكنيست المرتقَبة، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ما آلت إليه الأوضاع من وقائع على الأرض، وما رسّخته إسرائيل من مفاهيم جديدة، عَبر تبنيها خيار القوة ومزيد من القوة العسكرية المفرِطة، في سبيل تحقيق غايات لا تقتصر على توفير بيئة أمنية ملائمة للسكان الإسرائيليين على الأراضي الفلسطينية فحسب، وإنما تحقيقَ امتيازات وغايات سياسية تعزز أركان وجود إسرائيل.
أيًا كانت إفرازات نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فإن ما شهدته وتشهدُه المنطقة، وما عَصَف بالدول العربية المحيطة بإسرائيل من ثورات قادت إلى رحيل أنظمة وتهديد مصير أخرى، وتحرّك قوى إقليمية إسلامية كتركيا لرسم خطوط نفوذها في المنطقة، يجعل من الصّعب التكهن بأن إسرائيل يمكن أن تتخلّى عن نهج القوة العسكرية، على الأقل في المدى القريب.
أجواء متناقضة
تأتي هذه الدورة الانتخابية أيضًا في ظلّ أجواء شديدة التناقض والتعقيد، فمن جهة تَضرب إسرائيل في عمق إيران وسوريا وتستبيح الأجواء العربية، إلّا أنها لا تزال، من جهة أخرى، تحافظ على علاقات تطبيع مع دول عربية، فيما تواصل في الوقت ذاته إبادة شعب، والبحث عن سبل ترحيله ونزع شرعيّة وجوده، ودفع الأمم المتحدة إلى التخلّي عن دورها المنوط بها تجاهه.
مع ذلك دعونا نتساءَل: هل يمكن أن تفرز الانتخابات الإسرائيلية المرتقَبة قيادة جديدة يمكنُها لملمة المكاسب العسكرية، وإعادة ترميم وجه إسرائيل المشوّه في العالم بفعل ما اقترفته من جرائم ضد الإنسانية في غزة وغيرها؟ أَم أنها ستكون مدعاةً للاستمرار في النهج العسكري ذاته الذي لازم الحكومة اليمينية المتطرّفة الحالية؟ أَم أن السلوك الإسرائيلي الحالي سيتحوّل إلى أنموذج عملي صالح للمحاكاة من أيّ تشكيل حكومي مرتقَب، خصوصًا أن حكومة نتنياهو لم تغلق أيًا من جبهات القتال إلى اللحظة؟
لكي أقف على إجابات هذه الأسئلة وما شابهها، لا يمكنني -بوصفي فلسطينيًا مشرّدًا مع نحو مليونين آخرين، لنقيم في خيام ممزقة على أقل من ثلث مساحة قطاع غزة للسنة الثالثة- أن أَغفل عن برامج الأحزاب الإسرائيلية الجديدة المتشكّلة وتصريحات ممثليها، القائمة في مجملها على المزاودة على أفعال حكومة اليمين الإجرامية التي لم يسبق لأيّ من الحكومات الإسرائيلية قاطبةً الإتيان بمثل ما اقترفت بحقّ الشعب الفلسطيني.
قراءة قاصرة
أعتقد أن التسليم بقراءة خريطة الانتخابات الإسرائيلية، عبرَ ما سيفرزه الصندوق الانتخابي أو هوية الحزب الفائز، دون النظر إلى البيئة الإقليمية والأمنية المحيطة، تبقى قراءة قاصرة يشوبها جانب من التّسطيح، خصوصًا على مسار القضية الفلسطينية، وتحديدًا على مستقبل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
فشطبُ غزة من الوجود، وتمزيق أواصر الضفة الغربية تمهيدًا لمخطط الضم الفعلي، واحتلال أراضٍ عربية في العُمقين السوري واللبناني، واستباحة الأجواء العربية، كلّها إنجازات عسكرية لم يسبق لأيّ من الحكومات الإسرائيلية قاطبةً أن أتت بمثلها أو ببعضٍ منها.
وعليه، فإن أيّ إفراز انتخابي جديد أيًا كانت صورته لا يمكنه أن يبتعد كثيرًا عن نتاج السلوك الإسرائيلي العسكري القائم على القتل والتشريد والتهجير واحتلال مزيد من الأراضي، مستفيدًا في تحقيق ذلك من عجزِ المجتمع الدولي في كبح جماحه على الأقلّ في غزة وسوريا ولبنان.
تحشيد وتعبئة
كما أنه كيف يمكن توقُّع أن يركن أيّ تشكيل حكومي مرتقَب إلى البحث عن حلول سلمية أو سياسية، في ظلّ حالة التحشيد والتعبئة التي أعقبت السابع من أكتوبر، ودفعت المجتمع الإسرائيلي نحو الإيغال في التطرّف ليصب في أحضان الفكر الديني الصهيوني، ويقلّص من هامش الفروقات في توجهات الناخبين الإسرائيليين العامة، إلى حدّ لم يعد الأمر يتعلق بقرار رفض الناخب الإسرائيلي المشروع اليمينيَ، بقدر بحثه عن أولويات وطرق تنفيذه؟
خلاصة القول: إن حالة التنافس بين المعسكرات المتحالفة على مقاعد الكنيست المقبلة، وصعود معسكر ما على حساب معسكر آخر، لن تكون سببًا كافيًا في تغيّر السلوك الإسرائيلي على الأرض، لأنّ المؤسستين العسكرية والأمنية لا تزالان تحتاجان إلى الكثير من الوقت من أجل العمل على إغلاق جبهات الحرب، حتى ولو جيء بحكومة تتطلّع إلى الخروج بمسارات سياسية بعيدةً عن دويّ المدافع.

أحمد موسى إبراهيم أبو فياض
صحافي وباحث وأكاديمي مختص في الشأن الإسرائيلي، مقيم في قطاع غزة.



