تَغييبُ الفَلَسطينيين في الإِِعلامِ الإسرائيليّ كَأَداة لِصِناعَة الحَقيقَة

في النّقاشات حول "ما بَعد الحقيقة"، غالبًا ما يُختزل الخطَر في الأخبار الكاذبة، والمعلومات المضلِّلة، والخطاب الشعبويّ الذي يَطمس الحدود بين الحقيقة والزّيف. لكنّ هذا الفَهم، رغم أهميّته، يبقى ناقصًا؛ فليست كلّ عملية تَضليل بحاجة إلى كذبة صريحة. أحيانًا، يَكفي تغييبُ جزء أساسيّ من الصورة، حذفُ صَوت، أو إقصاءُ رواية، أو انتزاعُ حَدَثٍ من سياقه، كي تتشكّل أمام الجمهور حقيقةٌ مشوَّهة تبدو لوهلة كاملةً ومقنِعة. هكذا يصبح التّغييب أداة تضليل فعّالة؛ ليس لأنه يُخفي الحقيقة بالكامل، بل لأنّه يُعيد تشكيلها. يَعرض وقائع صحيحة جزئيًا، لكنّه يسلبُها سياقَها، ويحدّد مسبقًا من يملك حقّ تفسيرها.
بَرَزَ لي هذا الأمرُ بوضوح من خلال عَمَلي في جمعيّة سيكوي-أفق - مؤسَّسة أهلية غير ربحية تَعمل على تعزيز المساواة والشّراكة من خلال التأثير بأدوات مباشرة وغير مباشرة على سياسات المؤسَّسات الحكوميّة والجماهيريّة، بما في ذلك المؤسَّسات الإعلامية، وتحديدًا من خلال مراجَعة دراسات "مؤشّر التّمثيل" الذي تقوم عليه الجمعية منذ عام 2016 بالتعاون مع موقِع "العين السابعة"، ويتابع ويحلّل أَنماط تمثيل المواطنين الفلسطينيين في الإعلام الإسرائيلي.
على مَدى سنوات، انشغَل النّقاش العام غالبًا بسؤال التّمثيل الكمّي: كَم عدد المتحدّثين العرب، مِن ضيوف وخبراء ومحلّلين، في البرامج والنّشرات الإخبارية؟ لكنّ المشكلَة أَعمَق من ذلك بكثير. فهي لا َتقتصر على كون الفلسطينيين، الذين يُشكّلون نحو 20% من السكان، ممثَّلون بنسبة متدنيّة جدًا في الإعلام العبري؛ بل تتعلّق أيضًا بأنّ تغييبهم بات جزءًا مِن آلية إنتاج الحقيقة نفسها. حين يُغيَّب الفلسطيني عن المنصّات الإعلامية لا تَختَفي القصّة، بل تُروى بدونه، وهُنا تَكمن الخطورة.
وِفق معَطيات "مؤشّر التّمثيل"، تراوحَت نسبة التّمثيل العربي في الإعلام العبري بين 2.5% و3.7% من مجمَل الضيوف المتحدّثين في البرامج الإخبارية المركزية بين عامي 2016 و-2023. أمّا في العامين الأخيرين، منذ بدء حرب الإبادة على غزة، فشهِدنا تراجعًا ملحوظًا: خلال عام 2024 لم تتجاوَز نسبة حضور الفلسطينيين 1.4%، وفي عام 2025 انخفضت إلى أقلّ من 1%. تُظهِر هذه المعطَيات أن التّمثيل العربي لطالما كان متدنيًا جدًا، لكنّ الحرب دفعَت هذا التّهميش إلى مستوى جديد، حيث انكمش الحيّز المُتاح الضئيل أصلًا للأصوات الفلسطينية، في لحظة كان يفتَرَض فيها أن يُصبح حضورها أكثر إلحاحًا وضَرورة.
لم يَحدُث هذا التّراجع في فراغ، بل جاء ضِمن مناخ سياسي أوسَعَ مارسَت فيه مؤسَّسات الدولة قمعًا غير مسبوق لحرية تّعبير الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. مِن ضِمن ما شهدناه: اعتقالات وملاحَقات، إجراءات تأديبية في أماكن العمل والجامعات، وفصلٌ وتهديد لكثيرين عبّروا عن مواقف مخالِفة للسردية السائدة، أو أبدوا تعاطفًا إنسانيًا طبيعيًا مع أبناء شعبهم في غزة.
في مثلِ هذا المناخ، يصبح تَغييب الفلسطينيين عن الإعلام جزءًا من منظومةٍ أوسَع لإعادة رسمِ حدود الخطاب المسموح: مَن يستطيع الكلام، وماذا يمكِن قوله، وأيّ رواية تُعتبر شرعية أصلًا؟ التّغييب الإعلامي وقَمع حرية التّعبير ليسا مسارَين مُنفصلين، بل وجهين للبنيَة نفسها: الأول يحدّد مَن يَظهَر، والثاني يحدّد ماذا يمكن أن يقول إذا ظَهَر أصلًا.
لنأخُذ مثالًا من التّغطية الإعلامية للحرب على غزة، وخاصة النّقاشات المتعلّقة بالمساعَدات الإنسانية. حَضَرَت في هذه التّغطيات الحكومة، والجيش، والمراسلون العسكريون، والخبراء الأمنيّون، والمحلّلون السياسيّون. جرى الحَديث عن الضغوط الدولية، وإدخال المساعَدات، والحسابات السياسية والعسكرية. ظاهريًا، بَدَت الصورة مكتملَة، لكنّ شيئًا جوهريًا كان مُغيَّبًا: الصوت الفلسطيني؛ ليس فقط صَوت الفلسطينيين في غزة، بل أيضًا صوت الفلسطينيين في الداخل، المطّلعين على الصّورة الأشمل والقادرين على تقديم قراءَة مختلِفة للسيّاق السياسي والإنساني والأخلاقي لما يجري. ففي مراجَعة لتغطيَة الإعلام العبري لقضيّة إعادة المساعدات الإنسانية إلى غزة في شهر آذار من عام 2025، غابَ المواطنون الفلسطينيون في الداخل تمامًا عن التّغطية.
لكنّ التّغييب لا يَحدث فقط عبر الإقصاء الكامل للصّوت الفلسطيني. أحيانًا يُمنح الفلسطيني مساحةً للكلام، بينما يُغيَّب السّياق البنيوي الذي يفسّر تجربته. ظَهر ذلك بوضوح في تَغطية سُقوط صاروخ على طمرة خلال المواجهَة مع إيران في حزيران 2025. صَحيح أنّ نحو 62% من المتحدّثين في التّغطية كانوا عربًا، لكن التّغطية أخفَقَت إلى حدّ كبير في تناول القضية البنيوية الأهم للمجتمع الفلسطيني في الحرب: فجوات الحِماية والتّحصين والجاهزيّة للطوارئ في البلدات العربية. بكلمات أُخرى، لَم يكُن التّغييب هنا تغييبًا للصوت بقدر ما كان تغييبًا للمَعنى. حَضَر الفلسطيني، لكن غاب السّياق الذي يُفسّر تجربته.
يتكرّر الأمر نفسه في تَغطية الجريمة المستشريَة في المجتمع العربي. في كثير من الأحيان، تُعرض الجَريمة باعتبارها مشكلة داخليّة تَخصّ المجتمع العربي وحده، وكأنّها نشأَت بمعزِل عن سياسات الشرطة وفشَلها، وعن عُقود من التّهميش البنيوي، وعن سياسات الإفقار والإقصاء.
ظهر ذلك مثلًا في تَغطية المظاهَرة ضدّ الجريمة التي أُقيمت في أواخر تشرين الثاني من العام الجاري في تل أبيب. وفق تحليل أُجري ضمن "مؤشّر التّمثيل"، أشار 92% من المتحدّثين العرب إلى تقاعس الشّرطة وفشَلها، مقابل 43% فقط من المتحدّثين غير العرب. ليست هذه الفجوة تفصيلًا هامشيًا، بل تَكشف صراعًا على تفسير الواقع نفسه: هل تُقدَّم الجريمة كظاهرة "داخليّة" تخصّ المجتمع العربي، أَم كنتيجة مباشرة لسياسات الإهمال والتّقاعس الرّسمي؟ هنا أيضًا لا يدور الأمر حول الوقائع بحدّ ذاتها، بل حَول من يملك حقّ تفسيرها، وأيّ تَفسير يُصبِحُ الروايةَ السائدة، وهكذا لا يُنتج الإعلام كذبة مباشرة، بل يُنتج حقيقة منقوصَة.
لا يَقتصر أَثَر هذا الّتغييب على الفلسطينيين وحدهم. فهو من جَهة يُساهم في تكميم أفواه المواطنين الفلسطينيين ويمسّ بحقّهم في التّعبير والمشارَكة في تشكيل الخطاب العام. لكن الضّرَر لا يتوقّف هنا؛ إذ إن إعلامًا إقصائيًا كهذا يقوّض كذلك قدرة المجتمَع بأكمله، بما يشمَل المواطنين اليهود، على الحصول على صورة أكثر اكتمالًا ووضوحًا للواقع، وخَوض نقاشٍ سياسي وديمقراطي حقيقيّ وغني. وتَزداد خطورة ذلك في الفترات الحسّاسة سياسيًا، كالحروب أو الانتخابات، حين يصبح للإعلام دور حاسم في تشكيل الرأي العام والتّأثير على القرارات السياسيّة.
في نهاية المَطاف، ما بَعد الحقيقة لا يَعني دائمًا عالمًا تختفي فيه الحقائق. أحيانًا يكون عالمًا تَبقى فيه الحقائق موجودة، لكنّها موزَّعة بشكل غير متساوٍ، ومُفَلتَرة عَبر علاقات القوّة، ومَن يملك سلطة تحديد من يتكلّم - يملك أيضًا سلطة تحديد ما يَبدو حقيقة.
لذلك، ربّما لم يَعُد السّؤال الأهم اليوم: هل ما نسمعُه صحيح أم كَذب، بل مَن الذي جرى تغييب صَوته لصناعة الحقيقة المنعكِسَة أَمامنا؟




