تَشظّي الفنّ والّثقافة في عَصرِ الاستِهلاك السَّريع

في زَمن تتحوّل فيه كلّ تجربة إلى مُحتَوى، يبدو الفنّ كأنّه فَقَد قدرته على إنتاج مَعنى ثابت، قديمًا كان الناس يَجِدون في الفنّ رسالةً واضحة أو حقيقة معيّنة أو شعورًا مشتركًا يمكن الإمساك به، فاللوحة الفنّية كانت تُعبّر عن الروح والإيمان، والأغنية الوطنية تَمنح معنى الانتماء، بينما تَكشف الرواية الكلاسيكية موقفًا أخلاقيًا أو فلسفيًا معيّنًا، وكأنّ الفن كان قادرًا على كشف حقيقة ما عن الإنسان والعالَم.
أمّا اليوم فقد أصبح الفّن أكثر انفتاحًا على التأويل، وأَكثر تشظّيًا وسخرية من فكرة الحقيقة الواحدة، بل إن بَعض الأعمال لم تَعد تسعى أصلًا إلى تقديم رسالة واضحة، يعود ذلك إلى طبيعة العالَم المعاصر؛ عالمٌ سريع ومتغيّر، مليء بالصوَر المتناقِضَة والتّجارب العابِرة، حيث لم تَعُد هناك سرديّة واحدة يؤمِن بها الجميع، لذلك تبدّل شكْل الفنّ وتبدّلت وظيفته، فبعد أن كان يَسعى إلى التّعبير عن مَعنى ثابت أصبَح يَعتمد على الإحساس والانطباع والتجربة المؤقَّتة تاركًا للمتلقي مهمّة فهمِه بطريقته الخاصة، لم يَعُد الفن يَعِدُنا بحقيقة كامِلة، بل بومضات شُعور عابِرة وسَط ضجيج لا يتوقّف.
انعَكَسَ كلّ هذا التحوّل على الفنّ المعاصِر، حيث أصبحَت بعض الأعمال الفنيّة تُنتج لتكون قابلة للمشاركة والانتشار أكثَرَ من كونها تجربةً جماليّة عميقة، وبذلك تَحوّل الفنّ من تجربة تأمليّة تحتاج إلى التّفاعل البطيء مع المَعنى إلى مادة قابِلة للتّمرير السّريع والاستهلاك الفوري، فالأغنية تُختصر في مقطَع لا يتجاوَز خمس عشرة ثانية على تطبيق "تيك توك"، ويتحوّل الفيلم إلى مَشاهد قَصيرة متفرّقة، بينما يُختزل الكِتاب في اقتباسٍ قابل للنّشر والتّداول، وهكذا لم يَعُد الفنّ يُعاش ببطء كما في السّابق، بل أصبحَ مادة تُستَهلَك بسرعة ضِمن تدفّق متواصِل من الصوَر والمحتوى.
لا يَقتصر أثَر تشظّي المَعنى على الفنون التقليدية كالرواية أو الموسيقى، بل يمتدّ أيضًا إلى العمارة بوصفها أَحَد أَشكال التّعبير الثقافي، فإذا كانت المباني القديمة تَزخر بالتّفاصيل والزّخارف والألوان التي تَعكس هوية المجتمع وثقافته، فإن كثيرًا من الأبنية المعاصرة تتّجه نحو البَساطة الشديدة والأَشكال المتشابهة والخالية من الخصوصيّة، ويبدو أن العَمارة شأنُها شأن الفنون الأخرى أصبحَت أكثر خضوعًا لمتطلبات السّرعة والوظيفة والاستهلاك، وأقل اهتمامًا بسَرد قصّة المكان أو التّعبير عن ذاكرته الثقافية، وهكذا لم يَعد التغيّر مقتصرًا على طريقة إنتاج الفن وتلقيّه، بل امتدّ إلى الفضاء الذي نعيش فيه يوميًا، حتى أصبحت المُدن نفسها تعكس شيئًا من هذا التشظّي وفقدان المَعنى.
تجدر الإشارَة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تَقتل الفنّ، بل أعادَت تشكيله بما يتناسَب مع طبيعة هذا العصر، فأصبَح أكثرَ سرعة وأكثرَ اعتمادًا على الصورة والتّفاعل الفوري، وأقلّ صبرًا على العُمق والتأمّل، مِن هنا فإن التشظّي لم يَعد حاضرًا في المحتوى الفنيّ فقط، بل امتدّ أيضًا إلى طريقة تلقّيه وفهمه.
في الثقافة الرقميّة أصبحَ نجاح العمل الفني مرتبطًا بقدرته على جذب الانتباه السريع لا بقدرته على خلق مَعنى عميق أو تجربة طويلة الأثر، يتجلّى ذلك بوضوح في مقاطع "الريلز" القصيرة التي تقوم على الاختصار والسرعة من أجل ملاحقة الترندات والتكيّف مع طبيعة الاستهلاك السريع للمحتوى.
لا يَقتصر أَثَر الثقافة الرقميّة على تغيير شكلِ الفن فحسب، بل يمتدّ إلى الطريقة التي نتعامَل بها مع المعرفة والمَعنى، فمع التدفّق المستمرّ للمحتوى والصور والأخبار، أصبح الإنسان يَعيش في حالة دائمة من التشتّت، يَنتقل بسرعة من فكرة إلى أُخرى دون أن يمنَح نفسه الوقت الكافي للتأمّل أو التّساؤل أو النقد، وفي عالَم تُقاس فيه القيمة بعدَد المشاهَدات وسرعة الانتشار، تتراجَع المساحات المخصّصة للتّفكير العَميق والبحث عن الحقيقة.
مع هذا التّسارع، لم يَعد المتلقّي يملك الصبر الكافي للتعمّق في العمل الفني أو الثقافي، بل أصبح يميل إلى استهلاكه بصورة سريعة وعابرة، وهكذا تحوّل الاهتمام من محاولة فَهمِ المَعنى إلى ملاحَقة المحتوى الجديد باستمرار، الأمر الذي جعَل الوصول إلى حقيقة واضحة أو رؤية متماسِكة أكثر صعوبة، فالمشكلة لم تَعد في غياب المَعنى فقط بل في تشتّت الانتباه بين عدد هائل من المَعاني والصور المتنافسة.
ولقد جَعَل هذا التشظّي في المَعنى الإنسانَ المعاصِر- رغم اتصاله الدائم ومتابعته المستمرّة لكل ما يَحدث حوله- يَشعر بوحدةٍ وانفصالٍ عن ذاته، يعود ذلك إلى طبيعة هذا العصر السّريع الذي لم يَعد يَترك مساحةً حقيقيّة للتأمّل أو العيش ببطء، إذ أصبح الإنسان يَعيش عَبر الشاشة أكثر مما يَعيش داخل واقعه الحقيقي، لهذا يَنجَذب الإنسان المعاصر إلى فنّ مليء بالقلَق والفَراغ والنّهايات المَفتوحة، لأنّه يَرى فيه انعكاسًا لحالته الداخلية، فبعد أن كان الفن قديمًا يَسعى إلى تَقديم مَعنى أو حتى نوعٍ من اليقين، أصبَح اليوم يَعكِس التوتّر والحيرة وفقدان الاستقرار النفسي والفكري، كما فَقَد الإنسان قُدرَتَه على التوقّف والتأمّل الحقيقيّ بسبب التدفّق المستمّر للصّور والمشاعِر والمعلومات، فأصبح ينتقل بسرعة من فكرة إلى أخرى، ومن شعور إلى آخر، في حالة دائمة من الاستهلاك والتشتّت، وحتى المشاعر نفسها تحولّت إلى مَشاعر قصيرة ومتقطّعة لا تُعاش بعُمق كما في السابق.
أمّا في المجتمَع الفلسطيني وما يَحمِلُه من خصوصيّة، لا يبدو أنّ تشظّي المَعنى قادر على مَحو كلّ أشكال الانتماء والذاكرة، فما زالت بعض الممارَسات الثقافيّة تُقاوم منطق السّرعة والاستهلاك، من ارتداء الثوب الفلسطيني إلى الأغاني التراثيّة ومواسم الزيتون والدبكة والأكلات الشعبية التي ما زالت تَجمع الناس حولَ تجربة مشتَرَكَة، وربّما تكمُن أهميّة هذه التّفاصيل في أنّها لا تُلغي تشظّي المَعنى الذي يميّز عصرنا، لكنّها تذكّرنا بأنّ الإنسان لا يتوقّف عن البحْث عمّا يمنحُه شعورًا بالاستمرارية والانتماء. بين عالَم سريع يَدفع نحو التشتّت وذاكرة جماعيّة تحاول التمسّك بما تَبقى، وفي ظلّ هذا النقاش يستمر السّؤال مفتوحًا حول قدرَة الفن والثقافة على الحفاظ على المَعنى في زمن يتغيّر باستمرار.
أفنان ناصرالدين
صحافية فلسطينية، خريجة صحافة وإعلام من جامعة بير زيت.



