عُمان: "مَضيقُ" هُرمز و"مُتَّسَعُ" الحقّ الفلسطينيّ

في وقتٍ تتسارَع فيه التطوّرات الإقليمية، وتُختبر فيه توازنات المنطقة الأمنية والاقتصادية، تَبرز سلطنة عُمان كلاعبٍ استراتيجي لا يكتفي بدور الوسيط التقليديّ، بل يَطرح رؤية أمنيّة شاملة تتجاوَز سياسات "الاحتواء". 

وفي قلب هذا المشهد، تتقاطَع التصريحات الرسمية العُمانية مع قراءة نخبوية ممتدّة لأكثر من عقدين، تؤكّد أن استقرار الخليج ليس شأنًا تقنيًا بحريًا فحسب، بل هو استحقاقٌ يرتبط جوهريًا بعدالة القضية الفلسطينية، التي تظلّ، في الوجدان العُماني حكومةً وشعبًا، بوصلةً لا تنحرف.

استراتيجية عُمان: أمن الخليج لا يمرّ عَبر تل أبيب

في مقالٍ تحليليّ لافت نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، أرسى وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، قواعد اشتباك سياسي جديدة. فمع تأكيده على ضرورة التوصّل لتسوية طويلة الأمد لمضيق هرمز، أشار البوسعيدي إلى أن "أخطر التهديدات للأمن الخليجي لا تنبع من الدّاخل، بل من قرارات تُتّخذ خارج المنطقة، وتحديدًا من تل أبيب".

تضعُ هذه القراءة مسقط في مواجهة مباشرة مع التوجّهات التي حاولت تهميش القضية الفلسطينية لصالح تحالفات أمنية مع إسرائيل، مؤكدة أن النظام الأمني الذي اعتمد على "الحماية الخارجية" منذ عام 1979 هو نظام هشّ، وأن البديل هو نظام أمني إقليمي يضمّ دول مجلس التعاون، وإيران، والعراق.

هذه الرؤية الرسميّة يزكيها وائل غطاس، المدير التنفيذي لشركة "التحالف الخليجي الألماني" بوصفه شخصية خبرت كواليس الإدارة والدبلوماسية العُمانية على مدى 23 عامًا. يؤكد غطاس أن الموقف العُماني تجاه فلسطين ليس مجرد تعاطف عاطفي، بل هو "مبدأ سياسي صَلب"، مشددًا على أنه: "لا يمكن لأيّ ازدهار اقتصادي أن يتحقّق أو يتجاوز استحقاق الدولة الفلسطينية. عُمان حكومةً وشعبًا ترى في الحقّ الفلسطيني الممرّ الإلزامي لأيّ أمن إقليمي مستدام".

كواليس الوساطة وجذور الوفاء الصّامت

في سياق تفسيره الدورَ التاريخي لعُمان، يشير غطاس إلى أن دبلوماسية الوساطة الهادئة لم تكن يومًا انحيازًا لطرف على حساب آخر، بل كانت دائمًا أداة لخدمة الحقّ الفلسطيني. ويكشف غطاس في حديثه لـ "سين 48" عن كواليس سياسية حاسمة قائلًا:

"إن دور عُمان في تقريب وجهات النظر لم يكن يومًا خارج الإطار الفلسطيني. وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى مسقط عام 2018 لم تكن إلا استجابةً لطلب مباشر وتنسيق عالي المستوى مع الرئيس محمود عباس، حيث سَعَت السلطنة من خلال هذه القناة الخلفيّة بطلب فلسطيني إلى دفع عجلة المفاوضات، ومحاولة إحراز أيّ تقدم ملموس يحقّق الحقوق المشروعة بناءً على الرؤية الفلسطينية الرسمية".

ويضيف غطاس، أنّ هذا الالتزام العُماني يتجاوز أروقة السياسة ليصل إلى عمق الممارسة الإنسانية، حيث تَحرص السلطنة على ممارسة فعلها الداعم بصمتٍ تام، بعيدًا عن صخب المزايَدات. فمسقط خصّصت أكبر وأوسع مساحة أرض في العاصمة لبناء سفارة دولة فلسطين دون ترويج إعلامي.

سفارة فلسطين في عُمان

يروي غطاس كيف صدرت الأوامر السلطانية بنقل وجلب العديد من جرحى الحرب الفلسطينيين وعائلاتهم لتلقي العلاج، وتوفير رعاية طبية من الدرجة الأولى لهم في المستشفيات العُمانية، مع توجيهات صارمة لوسائل الإعلام الرسمية بعدم التّصوير أو المتاجرة بآلام المصابين، التزامًا بالقاعدة العُمانية الثابتة: "العطاء الإنساني يفقد قيمته الأخلاقية إذا تحوّل إلى استعراض إعلامي".

ويستذكر غطاس تجربته الميدانية ودوره المباشر في هذا الملف قائلًا: "لم يكن الدعم مجرّد قرار سياسي فوقي، بل كنّا نعيش تفاصيله يوميًا. من واقع عملي وتنسيقي المستمر في برلين، تولّيت شخصيًا -بالتنسيق مع كبرى المستشفيات الألمانية والاتحادات الطبية العربية هناك- الإشراف على برامج متخصصة لاستقدام أطباء وجراحين من غزة وفلسطين لتدريبهم على أحدث التقنيات الطبية المعقّدة، ونقلِ هذه الخبرات إلى الداخل. لقد رأيت كيف كان الطبيب الفلسطيني، على الرغم من ضعف الإمكانيات والحصار، يُبهر الطواقم الألمانية بكفاءته وصموده الأسطوري، وكنّا في الدبلوماسية العُمانية نعمل كخليّة نحل لتسهيل هذه البعثات الطبية والتدريبية بعيدًا عن الأضواء، لإيماننا بأن بناء الإنسان وتأهيل الكادر الطبي الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من مقوّمات الصمود والدولة المستقلة".

يُرجع غطاس هذا النهج إلى جذر تاريخي وإنساني ارتبط بوعي النخبة السياسية، مستحضرًا أن الوزراء والمسؤولين العُمانيين الذين صنعوا تاريخ البلاد الحديث تعلّموا اللغة العربية على يد معلمين فلسطينيين أوفياء، مثل المعلم "حرب حرب" من مدينة الخليل، مما زرع بذور الوفاء لفلسطين في عُمق الوعي السياسي المبكّر. ويعلّق غطاس في إفادته: "الشعب العُماني من الطفل إلى الشيخ يعشق فلسطين، والوزراء دائمًا ما يسألون في نقاشاتهم عن وحدة الصفّ الفلسطيني، كي يكون الفلسطينيون أكثر قوة في الدفاع عن حقوقهم".

دار الأوبرا والدبلوماسية النسائية: قوّة مسقط الناعمة

لا يمكن فَهم التأثير العُماني في المحافل الدولية دون التعرّف إلى أدوات القوة الناعمة التي صقلتها السلطنة. ينقل غطاس من واقع تجربته الطويلة في العاصمة الألمانية برلين:

"حين نتحدّث عن عُمان في المحافل الدولية، وتحديدًا في برلين، حيث قضيت سنوات من العمل الدبلوماسي، لا يمكننا اختزال الحضور العُماني في السياسة الجامدة. أنا شخصيًا أرى في دار الأوبرا السلطانيّة بمسقط أكثر من مجرّد صرح معماري، إنها مؤسَّسة دبلوماسية متكاملة، وجسر حقيقي للحوار مع النخب الغربية، تُعزف فيها رسائل السلام والتّعايش، وهي اللغة التي تَجد صدى كبيرًا لدى العقل الأوروبي".

الأوبرا السلطانية في مسقط

ولا يقف الأمر عند الثقافة، بل يمتدّ إلى جَوهر الإدارة السياسية، حيث تبرز الدبلوماسية النسائية العُمانية كأحد أكثر النماذج تقدميّة في المنطقة. ويضيف غطاس مؤكدًا على هذا البُعد المؤسّسي: "الدبلوماسية النسائية العُمانية التي عايشتها في برلين -حيث تعاقبت ثلاث سفيرات عُمانيات على تمثيل السلطنة– لم تكن يومًا مجرّد واجهة، بل كانت إدارة فاعلة للملّفات الأكثر حساسيّة. لقد شَهدتُ كيف استطاعت المرأة العُمانية كسر القوالب النمطية الإقليمية لتصبح صوتًا مسموعًا ومؤثرًا في مراكز صنع القرار الأوروبي. التشكيلة الحكومية في عُمان، وبما تضمه من حضور نسائي قيادي، تتفوّق في كفاءتها وتمثيلها الواقعي على العديد من الحكومات في أوروبا التي لا تزال تتحدّث عن التمكين نظريًا".

مع سفيره سلطنة عُمان في ألمانيا ميثاء بنت سيف بنت ماجد المحروقية

معركة الرواية في الغرب: الأرشيف كفعل مقاوم

وفي ما يتعلّق بمركز ثقل الرواية التاريخية، وتحديدًا في ألمانيا، يَرصد غطاس فجوة متزايدة وغير مسبوقة بين الموقف الرسمي الألماني، الذي يظل أسيرًا لإرثه التاريخي وتوجّهاته الداعمة للسياسات الإسرائيلية، وبين تيار شعبي وشبابي غربي صاعد بدأ يدرِك حقيقة الرواية الفلسطينية بفعل أدوات التّوثيق البديلة وشبكات التواصل، مما يضع السرديّة الإسرائيلية التقليدية في مأزق أخلاقي متزايد.

يقابل هذا التحوّل الغربي، وعي متّقد يمتلكه الجيل الجديد في الخليج – وبالأخص في السعودية، وقطر، والكويت، وعُمان – جيل يحمل القضية بوعي سياسي ومعرفي، ويرفض التجاوز عن حقوق الفلسطينيين، حتى في ظلّ ضغوط التطبيع الاقتصادي التي تحاول فرض أمر واقع جديد، حيث تظلّ المواقف العُمانية صامدة في وجه هذه الضغوط، معتبرةً أنّ السيادة على القرار الوطني تبدأ من نصرة الحقوق التاريخية للشعوب.

ويشدّد غطاس على أن المواجهة لم تَعد عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل هي "معركة رواية وحماية ذاكرة"، داعيًا إلى تبني جيل الشباب لمشروع "الأرشيف الرقمي الفلسطيني الموحَّد" كفعل مقاومة معرفي وتكنولوجي يحمي الهوية الفلسطينية من الإبادة الثقافية والتهميش.

خاتمة

إنّ دعوة البوسعيدي لإعادة تقييم العلاقات مع الشركاء الدوليين بما يتوافق مع "الواقع الاستراتيجي الجديد"، تؤكّد أن التجربة العُمانية ترى في الدبلوماسية الهادئة مكامن قوّة تفرض حضورها عندما تستند إلى مبادئ ثابتة. ومع تحوّل وعي الأجيال الشابة في المنطقة وخارجها، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصليّة: إمّا الانتقال إلى نظام أمني إقليمي حقيقي يحترم الحقوق التاريخية، أو البقاء في دوامة "الاحتواء" التي أثبتت الحرب أنها لم تجلب سوى المزيد من الاضطراب. إنّ التاريخ لا يكتبُه الأقوياء عسكريًا فحسب، بل يكتبه أولئك الذين يتمسّكون بالحّق، ويجعلونه حاضرًا في وجدان أجيال لم تنسَ ولن تَنسى.

نجمة حجازي

صحفية استقصائية.

رأيك يهمنا