العربي في الإعلام الإسرائيلي: حضور "الصّوت" وغياب صاحبه!

كيف صوّرت ثلاثة مواقع إسرائيلية الفاعل السياسي العربي في انتخابات الكنيست؟

في موسم الانتخابات الإسرائيلية، يحضر "الصوت العربي" في حسابات المقاعد والتحالفات، والجدل حول أهلية القوائم العربية والمرشحين العرب لخوض الانتخابات. لكن حضور الصوت لا يعني دائمًا حضورَ صاحبه: كيف تُعرض الأحزاب العربية ومرشحوها؟ ومَن يتحدث باسم الناخب العربي عندما تصبح مشاركته موضوعًا للنقاش الإعلامي؟

رصد هذا التقرير حتى 28 أيلول 2026، 70 مادة صحافية تناولت الفاعل السياسي العربي في انتخابات الكنيست: 35 مادة من واينيت، و35 مادة موزعة بين يسرائيل هيوم وهآرتس. تمتد فترة الرصد من أول تموز حتى نهاية أيلول. ويقارن التقرير نمط التغطية من خلال نموذجين: الجدل حول ترشح جعفر فرح عن الجبهة، وطلبات شطب قوائم ومرشحين عرب.

بحسب تصنيف الرصد الأولي، حملت نحو نصف المواد نبرة سلبية أو اشتملت على شحن أو تحريض أو تعبيرات استعلائية. ولا يعني ذلك أن هذه الأوصاف تنطبق جميعها على كل مادة مصنفة ضمن هذا النصف، فلكل وصفٍ مظهر مختلف، ونقل تصريح تحريضي على لسان سياسي يختلف عن تبنّيه في عنوان أو مقال رأي.

جعفر فرح: ثلاث زوايا لأزمة واحدة

من تقرير في موقع هآرتس

تابع "واينيت" قضية جعفر فرح بمواكبة تطوراتها الإخبارية. ففي 29 آب، تناول قرار مؤسسات الجبهة والحزب الشيوعي عدم التوصية، في تلك المرحلة، بإبعاده عن القائمة، وأورد نفي فرح للادعاءات بحقه. وربط التقرير القضية بالانتقادات الموجهة إلى ضعف تمثيل النساء في المواقع المتقدمة من القائمة المشتركة[1]. في 4 أيلول، نقل الموقع إعلان الجبهة انسحاب فرح، وأورد قول جمعيتين نسويتين إنهما تلقتا ست شهادات، كما عرض موقف الحزب وردّ فرح. الادعاءات هنا منسوبة إلى الجهات التي قدمتها؛ فرح ينفيها ويطالب بإجراء منصف لفحصها[2].

في هآرتس، تابعت مواد صحافية القضية من داخل مؤسسات الجبهة أيضًا. ونشرت الصحيفة مضمون ما قالت لجنة الفحص التي شكّلها الحزب وتلقته من سبع شهادات[3]. ويختلف هذا الرقم عن الست الواردة في بيان الجمعيتين الذي نقله واينيت؛ فلكل رقم جهته ومادته وتاريخ نشره، ولا يجوز تقديمهما كأنهما نتيجة تحقّق واحد.

علاوة على ذلك، اعتبرت هآرتس في تغطيتها أن ما كشفته لعب دورًا في إعادة القضية إلى الواجهة والضغط باتجاه حسم ترشح فرح.[4] غير أن تزامن النشر والقرار، أو نسب لصحيفة أثرًا لتحقيقها، لا يثبت وحده أنها كانت السبب الوحيد في القرار الحزبي، فقد سبقه عمل الجمعيات النسوية، ولجنة الحزب، وضغط ناشطين وأعضاء فيه. وفي تحليل نشره جاكي خوري في 6 أيلول، تحوّل السؤال من مصير فرح الفردي إلى طريقة اتخاذ القرار، وصمتِ بعض قيادات الجبهة، وأثر الأزمة على ثقة النساء والجمهور بالمؤسسة الحزبية. ووصفَ خوري احتجاج مؤيدين لفرح في شفاعمرو، ولاحظ أن إعلان الحزب انسحابه لم يكن، وقت كتابة تحليله، مصحوبًا بإعلان رسمي موقّع منه.

أما في يسرائيل هيوم، فقدّم جلال بنّا في مقال رأي نشر في 13 أيلول قراءة تعارض طريقة تعامل الجبهة مع فرح. وصف ما جرى في عنوانه بأنه "محاكمة ميدانية بولشفية"،[5] ورأى أن فرح حُرم من إجراء منصف، وانتقد إبعاده عن القائمة مع استمرار الحديث عن دوره في الحملة الانتخابية. وذهب إلى القول إن خصومًا داخل الحزب استغلوا القضية لتصفيته سياسيًا. هذا اتهام يطرحه كاتب المقال، لا يثبته نشره ولا يُنسب تلقائيًا إلى كل تغطية الصحيفة.

تكشف المقارنة ثلاثة مستويات من المعالجة: متابعة الخبر في واينيت، وفحص عمل المؤسسة وآثار الأزمة في هآرتس، والاعتراض على القرار في مقال رأي نشرته يسرائيل هيوم. وهي مواد نُشرت في مراحل مختلفة، فلا تُقارن كما لو كانت ثلاثة أخبار عن اللحظة ذاتها.

الشّطب: الحق السياسي في ميزان القانون والمقاعد

من تقرير في موقع هآرتس

في النموذج الثاني، انتقل الجدل من طريقة تعامل حزب مع أحد مرشحيه إلى حق القوائم والمرشحين العرب في خوض الانتخابات. وشملت طلبات الشطب التي رصدها التقرير سامي أبو شحادة وقوائم ومرشحين آخرين. وبحثت المقارنة كيف عُرضت الاتهامات، وأين ظهرت ردود المعنيين، وما المساحة التي مُنحت للسياق القانوني والنتائج الانتخابية المحتملة.

في واينيت، تابعت مواد الرصد طلبات الشطب ومواقف الأحزاب وقرارات لجنة الانتخابات والمسار المتوقّع أمام المحكمة العليا. وأبرز أحد الأخبار تأييد رئيس اللجنة، القاضي نؤام سولبرغ، شطب أبو شحادة[6]، إلى جانب نتيجة التصويت التي أوردها تقرير آخر: 30 مؤيدًا مقابل أربعة معارضين[7]. إن وضع اسم قاضٍ بارز، ونتيجة تصويت واسعة في مقدمة الخبر، قد يعزز إحساس القارئ بقوة القرار المؤسسي؛ لكن ذلك تحليل لطريقة العرض، وليس إثباتًا بأن الموقع تبنّى الشطب، أو أن القرار القضائي النهائي صدر. ونقل الموقع أيضًا اعتراض أبو شحادة ومواقف مختلفة بشأن الطلبات.

وأظهر الرصد مسارًا آخر للشراكة السياسية المشروطة في مواد تتناول علاقة الأحزاب العربية بمعسكرات تشكيل الحكومة. فمثلًا، وضعت مادة مطالب يوآف سغالوفيتش في اتصالاته مع منصور عباس الشراكة في إطار شروط وترتيبات سياسية وأمنية[8]. كما أن الجدل الذي أعقب لقاءات غادي آيزنكوت مع ممثلين عرب -واضطراره إلى نفي التعهد بإشراك "الموحدة"[9] في حكومة- يكشف كيف يتحول الاعتماد على حزب عربي إلى مادة دفاع ونفي في المنافسة بين الأحزاب الاسرائيلية. هذا توصيف لطبيعة الجدل الذي نقلته المواد، وليس اتهامًا للمحرر بأنه يتبنى كل ما ورد فيها.


من تقرير في موقع واينيت 16.9.2026

في يسرائيل هيوم، رصد التقرير أخبارًا وتحليلات ومقالات رأي تناولت الشطب من زوايا متباينة. عرضت مواد مطالب الشطب ومواقف مؤيديها ومعارضيها، وحللت مواد أخرى ما قد يترتب على إبعاد مرشح من تغيير في ترتيب القوائم العربية وحسابات الائتلافات. واستخدمت مقالات رأي لغة أشد في مهاجمة مرشحين عرب أو في نقد احتمال إلغاء المحكمة العليا قرارات الشطب. هنا أيضًا، يختلف الخبر الذي ينقل طلب حزب عن التحليل الذي يحسب أثره، وعن الكاتب الذي يدعو إلى موقف سياسي منه.

أما في هآرتس، فأبرزت مواد الرصد اعتراضات قانونية وحقوقية على الشطب، وانتقد بعض كتّابها مواقف أحزاب معارضة اسرائيلية أيدت شطب مرشحين عرب أو لم تعارضه. لكن الدفاع عن حق المواطن العربي في التمثيل لا يجيب وحده عن سؤال غياب الناخب نفسه وعدم تمكينه من شرح أولوياته الانتخابية، إذ اقتصرت التغطية إلى حدّ بعيد على متحدثين رئيسيين وقادة أحزاب وقانونيين ومعلقين.

تكشف هذه المعالجات ثلاثة أسئلة متداخلة: هل تتوافر أسباب قانونية للشطب؟ كيف يؤثر القرار المحتمل في ميزان القوى؟ ومَن يُسمح له بأن يكون شريكًا سياسيًا مقبولًا؟ لا تتطابق إجابات المواقع الثلاثة، لكن حضور الجدل حول القيادات والكتل والإجراءات يطغى على حضور رواية الناخب العربي لتجربته اليومية في المواد التي فحصها التقرير.

الناخب العربي: بين الإحصاء والاستماع

لا تعني مساءلة التغطية أن أزمات الأحزاب أو طلبات الشطب لا تستحق النشر. إنها قضايا تمس حقوقًا وأشخاصًا ومؤسسات. لكن قراءة المواد السبعين تطرح سؤالًا عن اتجاه الاهتمام: حين يتكرر ذكر "الصوت العربي"، هل يُسأل الناخب عمّا يريد من الانتخابات، أم يُستدعى صوته أساسًا بوصفه عاملًا في صراع الأحزاب؟

أظهر الرصد حضورًا واسعًا للمرشحين والقيادات والجدل القانوني وحسابات التحالفات، مقابل حضور محدود لشهادات ناخبين عرب عن الجريمة والسكن والخدمات أو عن دوافع المشاركة والمقاطعة. هذه خلاصة للعينة التي فحصها التقرير، لا حكم على كل ما نشرته المواقع الثلاثة أو الإعلام الإسرائيلي عمومًا.

الغياب أقدم من الانتخابات

في تفكيكه نتائجَ التقرير، يرى الباحث والمحلل السياسي أنطون شلحت أن تغييب قضايا الناخب العربي المدنية ليس وليد اللحظة الانتخابية: "هذا التركيز يعمق تغييب قضايا الناخب العربي اليومية ذات الطابع المدني، شبه الغائبة أساسًا حتى بدون معركة انتخابات، عن اهتمام معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية... وهذا الغياب متأصل في نهج الإعلام الإسرائيلي من منطلق تبنيه سياسة التمييز العنصري الإسرائيلية الرسمية ضد العربي لمجرد كونه كذلك، وباعتباره مواطنًا من درجة أدنى كثيرًا في دولة تعرف نفسها بأنها لليهود فقط".

وعن استغلال ملفات شطب القوائم والمرشحين، يضيف شلحت: "مثل هذا الاستغلال واضح وضوح الشمس. ونزع الشرعية عن مشاركة العرب في العملية السياسية هو نهج عابر لجميع الأحزاب، والدليل هو إجماع كل الأحزاب على شطب ترشيح رئيس حزب التجمع سامي أبو شحادة... هذه الجذور ضاربة في عمق السياسة الإسرائيلية وتتفاقم أكثر فأكثر، ما يعكس التحولات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي".

وحول الفوارق بين وسائل الإعلام العبرية وحقيقة الإعلام الليبرالي، يؤكد شلحت: "قد يكون ثمة فرق بين الإعلام اليميني والليبرالي، لكنه ليس فرقًا جوهريًا بحيث يمكن التعويل كثيرًا على الإعلام الليبرالي. ما يفسر عدم وجود هذا الفرق الجوهري هو خضوع الإعلام الإسرائيلي عمومًا للخطاب الأمني، الذي تعمّق أكثر فأكثر بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما ترتب عليه من حرب مستمرة".

في خلاصة نظرته لطبيعة تعاطي الإعلام الإسرائيلي مع المواطن العربي، يجزم الباحث أنطون شلحت: "أغلب الإعلام الإسرائيلي يتعامل مع العربي كعدو أو كطابور خامس. طبعًا ثمة استثناء لكنه ليس من الصنف الذي يزلزل القاعدة وإن كان يستأنف عليها...".

رغم هذا المشهد الإعلامي الشاحن، يرى شلحت أن الاستجابة المفترضة لا تكمن في العزوف، بل في الإصرار على التواجد السياسي: "هذا السلوك يجب أن يحفز على المشاركة في الانتخابات لتعزيز التمثيل العربي في الكنيست، والذي يضمن إسماع صوتنا وطرح مطالبنا اليومية والقومية... كما أن مقاطعة الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها بل وسيلة، ودعاة المقاطعة لا يطرحون غاية بديلة. مجرّد هذا التحدي يحتم علينا كعرب أن نشارك لتعزيز تمثيلنا السياسي ونضالنا الشعبي".

خاتمة

لا تقدم المواقع الثلاثة صورة واحدة للفاعل السياسي العربي. فقضية جعفر فرح كشفت فروقًا بين تغطية التطورات، ومساءلة الحزب عن إدارة أزمته، والاعتراض في مقال رأي على القرار الذي مسّ ترشح فرح. وفي ملف الشطب، تراوحت المعالجة بين نقل الاتهامات والردود، وشرح المسار القانوني، والدفاع عن حق المشاركة، وحساب أثر الإبعاد في تشكيل الكتل السياسية.

لكن اختلاف المواقف لا يحسم سؤالًا آخر كشفه الرصد: كم مساحة تُمنح للناخب العربي نفسه خارج لحظات الأزمة؟ ففي موسم الانتخابات، يُحصى صوته ضمن حسابات الحكم والمعارضة، لكن مطالبه اليومية ودوافعه إلى الاقتراع أو المقاطعة تكاد تغيب عن المواد التي فحصها التقرير.


الإحالات:

[1] تقرير في موقع واينيت 29.8.2026

[2] تقرير في موقع واينيت 4.9.2026

[3] تقرير هارتس،31.8.2026

[4] تقرير هارتس 7.9.2026

[5] مقال جلال بنا، يسرائيل هيوم

[6] تقرير واينيت، 23.9.2026

[7] تقرير واينيت، 25.9.2026

[8] تقرير واينيت 31.7.2026

[9] تقرير واينيت 16.9.2026

الصور المرفقة هي لقطات شاشة من المواقع الإخبارية التي شملها الرصد، وأُدرجت لأغراض التوثيق ضمن هذا التقرير.

نجمة حجازي

صحفية استقصائية ومحررة شريكة في منصة "سين48".

رأيك يهمنا