إسرائيل التي تُنتجها الصناديق وتَدفع ثمنَها الجغرافيا الفلسطينيّة

حين تُسقط ورقةً في صندوق اقتراعٍ إسرائيلي، فإنك لا تضع صوتًا في مُغلّف فقط، بل تعيد إنتاج عقد اجتماعي وسياسي أُسّس ابتداءً على تهميشك واستعمارك.
في المشهد الانتخابي الإسرائيلي، يبدو الصندوق كأداة ديمقراطية صُمّمت لتبديل الواجهات، بينما تبقى البنية الجوهريّة ثابتة لا تتزعزع: منظومةُ تفوّق قومي واستعمار استيطاني تمتدّ مخالبها لتطال كل فلسطيني، سواء أكان مواطنًا يحمل الهوية الزرقاء، أم مقدسيًّا يعيش في فراغ المكان والسّياسة، أم ابنًا للضفة والقطاع ترسم صواريخ وطائرات وقرارات حكومات إسرائيل تفاصيل يومه وغده. إنّ السّؤال لم يَعد يقتصر على "من سيفوز بالحكم؟"، بل يمتد ليطرح التساؤل الأعمق والأثقل: ما هو الثّقل السّياسي للمشاركة في نظام يُعيد تدوير قمعك بآليات ديمقراطيّة شكليّة؟
فلسطينيو الداخل: معضلة التمثيل والمشاركة في نظام يرفضك
بالنسبة للفلسطينيين في الداخل، تشكّل الانتخابات الإسرائيلية "فخًا بنيويًّا" دائمًا ومعضلة لا تُبسَّط حلولها. من جهة، تبرز الرغبة الطبيعيّة في استخدام حقّ التصويت بوصفه أداة دفاعيّة، أو بوصفه محاولة ضئيلة للتأثير على الظروف المعيشية واليومية وحماية الحيّز العام من تغوّل الفاشيّة الصّاعدة وحماية الحقوق المدنيّة الأساسيّة، ومن جهة أخرى، تصطدم هذه الرغبة بحائط منع التصنيف الإسرائيلي، أي أن تكون إسرائيليًا أكثر أو أقل أو غير إسرائيلي، والجدران المؤسّساتيّة الأبرتهاديّة؛ فمهما بلغت نسبة المشاركة، تظل الأحزاب الصهيونية بكل أطيافها متفقة على الخطوط الحمراء الاستراتيجيّة: يهودية الدولة، والاستيطان المطلق، والهيمنة الأمنيّة. هكذا يتحوّل الصّندوق بالنسبة للفلسطيني في الدّاخل إلى أداة تُستخدم أحياناً لـ "شرعنة" النّظام أمام العالم، وكأنه يمنح "شهادة حسن سلوك" لديمقراطية عرجاء، بينما تشرّع الكنيست نفسها قوانين الاقتلاع والتمييز والفصل العنصري الممنهج (مثل قانون القومية، وقوانين مصادرة الأراضي، إلخ).
التحدّي هنا ليس فقط في عدد المقاعد التمثيليّة، بل في قدرة الفلسطيني على إعادة تعريف "المواطَنة" وصياغة مشروعه السّياسي خارج حدود السّقف الذي ترسمه له المؤسسة الإسرائيليّة حصرًا، بالتالي يبقى سؤال المشاركة السّياسيّة للفلسطيني في الدّاخل محطّ نقاش دائم حول شكله وأدائه، خصوصًا أنّ هذا مرهون بقواعد اللعبة السياسيّة الإسرائيليّة، وقد يكون من الإخفاق الكبير أنّ الفعل السّياسي خارج هذه القواعد لا يحمل حتى الآن استراتيجيّة دفاعيّة قادرة على المواجهة. وبالتالي يجب أن يبقى سؤال المشاركة حاضرًا دائمًا في مسار تقييم الأدوات النّضاليّة وجدواها أمام إسرائيل، ببنيتها وسياساتها، إلى حين نضوج مسار نضالي قادر على التخلّي المؤسّساتيّ.
ما وراء الجدار: الضفة وغزة والقدس وسلطة الصندوق بلا صوت
إذا كان فلسطينيو الداخل يواجهون معضلة "حقّ التصويت بلا سيادة حقيقية"، فإن أهل القدس والضفة الغربية وغزة يعيشون المفارقة الأكثر قسوة: تأثير كلّي ومطلَق بلا أي صوت أو قدرة على الاختيار. في قطاع غزة، لا تفرز صناديق الاقتراع الإسرائيلية حكومة تدير شؤون السكان المدنيين فقط، بل تفرز مجالس حربية، وخطط دمار شامل أو حصار خانق، وأوامر عسكرية تحدّد من ينام حيًّا ومن يستيقظ شهيدًا فيما يُسمى "اليوم التالي".
إنّ النّاخب الإسرائيلي في تل أبيب أو في مستوطنات الضفة يقرّر بصوته مصير طفل في غزة لم يره قطّ، ولا يعنيه إن كان هذا الطفل يملك حقه في الهواء والحياة أم لا. وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة، تعيد الانتخابات الإسرائيليّة هندسة المشهد الاستيطاني وابتلاع الجغرافيا؛ فالتنافس الانتخابي غالبًا ما يُحسم على أساس مزايدات علنيّة: "من يقضم مساحات أكبر من الأرض؟" و"من يمنح صلاحيات أوسع للمستوطنين لإرهاب القرى؟".
إن حكومة اليمين وما يُصطلح على تسميته بـ"اليسار الصهيوني" يختلفان في التفاصيل الإدارية، لكنهما يتفقان تمامًا على استدامة الاحتلال وتوسيع مشاريعه. هنا، تصبح الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة حدثاً قدريًّا، تماماً كالزلزال أو العاصفة؛ لا طاقة لك على ردّها، وكل ما يمكنك فعله هو تلقّي الضربات أو محاولة التمترس دفاعًا عن الوجود.
الجمهور الإسرائيلي نحو اليمين: هل هو تغيير في الحكومة أم انزياح في الجوهر؟
حين نلتفت لنقرأ ذهنيّة الجمهور الإسرائيلي الذي يتوجّه إلى الصناديق، نرى تحوّلات عميقة لا تبشّر بـ"تغيير حكومي حقيقي" بقدر ما تؤكّد تعميق الانزياح نحو الفاشية والأيديولوجيا الدينية القومية المتطرّفة. لم تعد النقاشات الانتخابية تدور حول السّلام أو التّسوية أو حتى إدارة الصّراع بالطّرق التقليديّة، بل تدور حول: من هو الأجدر بإدارة الهيمنة المطلقة؟ ومن يملك الخطاب الأكثر تشدّدًا ضد الوجود الفلسطيني بأسره؟ إنّ الصّندوق الإسرائيلي يفرز انعكاسًا دقيقًا لجمهور يعاني من عمى أخلاقي وسياسي مستحكم، جمهور يختار العزل والحصار والإبادة، ثم يذهب للتصويت وكأنه يمارس طقسًا ديمقراطيًّا نقيًّا، متجاهلًا أنّ ديمقراطيّته المزعومة تستقيم فوق أنقاض شعب آخر ومحنة إنسانيّة متواصلة.
في النهاية، تكشف الانتخابات الإسرائيليّة عن عورات المنظومة الاستعماريّة بأكملها. تدور المعركة اليوم بين يمين ويمين وأيّهما سيحكم إسرائيل المقبلة بالمفهوم الإجرائي والسّياسي والسّيادي؛ فالخطاب الذي أسّسه المعسكر اليميني سيصبح هو المركزي في السياسة الإسرائيليّة، وسيضطر بعض من يعد نفسه معارضةً، من أجل توسيع قاعدته الشّعبيّة، إلى تبني هذا الخطاب المتركز حول الأمن والضّم وتصفية حقوق الشعب الفلسطيني.
هذه الانتخابات لا تعني تداولًا حقيقيًّا للسّلطة، بل تبديلًا للأدوات في مشروع استعماري واحد يستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني معًا.
وسواء أكان ذلك من داخل الخط الأخضر أم خارجه، وفي مخيّمات اللّجوء والشّتات، يظلّ السّؤال معلّقًا ومُلِحًّا: كيف يمكن مواجهة نظام يستمد شرعيّته يوميًا من صناديق اقتراعٍ تحوّل أصوات مواطنيه إلى رصاص وقرارات تهجير في صدورنا؟ إن قراءة الصندوق الإسرائيلي يجب ألا تظل حبيسة الأرقام والمقاعد واستطلاعات الرّأي رغم أهميّتها، بل يجب أن تتحوّل إلى أداة نقديّة لفهم طبيعة هذا الوحش السّياسي الذي يهدّد المنطقة، ولإعادة بناء استراتيجيات المواجهة الفلسطينية الجامعة التي تدرك تماماً أن الخلاص الحقيقي لا يَخرج فقط من الصناديق، بل من صلابة الإرادة الفلسطينيّة وعمق وعيها التاريخي ومشروعها السّياسي.

نيفين أبو رحمون
محاضرة وكاتبة وسياسيّة فلسطينيّة.



