الأقلية الفلسطينية الأصلانية في الداخل.. بين المواطَنة "الانتخابية" المحجَّمة ومَخْرَج التّمكين المجتمعي

إعادة طرح السؤال السياسي في اللحظات المفصليّة المتناسلة
في كلّ مرحلة مفصلية يعيشها شعبنا، وفي كلّ موسم انتخابيّ، يبرز التكاتف والتفكير السياسي غير التقليدي بصفته الضرورة الأشد إلحاحًا لمواجهة انسداد الأفق السياسي، بعيدًا عن اختزال المعركة في شعارات تبسيطية شخصية من قبيل "إسقاط هذا أو ذاك". واليوم، تتضاعف خطورة المرحلة وتتعمّق أزمتها على نحو غير مسبوق؛ حيث نعيش واقع الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة، وإرهاب المستوطنين المنظم المحمي والمدعّم مؤسّسيًا في الضفة الغربية والقدس، واستفحال آفة الإجرام والعنف المنظَّم في الداخل الفلسطيني برعايةٍ من سياسات رسمية تتعامى وتغضّ البصر. مع هذا التحوّل الجذري في حدّة الأخطار، تظلّ الحاجة إلى قراءة سياسية بنيوية وشاملة أكثر راهنية وإلزامًا من أي وقت مضى.
تَفرض علينا الانتخابات الإسرائيلية اليوم الإجابة عن سؤال جوهريّ لا يتعلّق فقط بـ "من سيفوز في الانتخابات؟"، بل بالبحث الأعمق: "كيف" و"هل" و"ما مدى" تأثير من سيجلس على سدّة الحكم في "إسرائيل" التي ستخرج من صندوق الاقتراع؟ وما هو التأثير على الواقع السياسيّ والإنسانيّ الذي ستكرّسه نتائجها على ملايين الفلسطينيين، سواء من يملكون حقّ التصويت منهم أو الخاضعين بالقوّة لقرارات سلطة لا يملكون خيار التأثير في تشكيلها؟
الديمقراطية الإثنية والتهميش البنيوي للأقلية الأصلانيّة
لتفكيك المشهد السياسي، لا بد من العودة إلى الجذور البنيوية للعلاقة بين الدولة والأقلية العربية الفلسطينية بوصفها "أقلية أصلانيّة". فمنذ عام 1948 وفرض الحكم العسكري، تأسست هذه العلاقة على قاعدة "التهميش البنيوي" الذي يحرم المواطنين العرب من التجسيد الكامل لحقوقهم الجمعية القومية والمدنية. تتجلّى هذه الصيغة فيما يصفه عالم الاجتماع الإسرائيلي سامي سموحة بـ "الديمقراطية الإثنية"، حيث تُسخّر مؤسسات الدولة لتغليب المكوّن اليهودي وحِفظ سيادته الإثنية.
في هذا السياق، يتّضح الفارق الحاسم بين مفهومين للفصل والتعدّدية: مفهوم "التعدّدية التجريبية" (Empirical Pluralism) الذي يمارسه النظام الإسرائيلي، عبر إبقاء المؤسسات التعليمية والاجتماعية منفصلة، لإعادة إنتاج التباين والتمييز وتضييق الموارد على الأقلية، و"التعدّدية المعيارية" (Normative Pluralism) الذي يمنح الأفراد والمجموعات حق الاختيار الحرّ والمساوي بين الاندماج أو التمايز دون دفع ثمن سياسي أو اجتماعي.
في ظلّ غياب التعدّدية المعيارية، وفي ظلّ عدم الاعتراف بالحقوق الجمعية للفلسطينيين عمومًا، يصبح الرهان على تغيير طبيعة الدولة من داخل اللعبة البرلمانية رهانًا يصطدم بسقف "يهودية الدولة"، المانع لأيّ مساواة جوهرية.
وهْم "أَهوَن الشرّين" وخديعة البديل الصهيوني "المعتدل"
تثبت التجارب المتعاقبة أنه عند اشتداد الأزمات البنيوية، لا نجد حزبًا صهيونيًا خارج نطاق الجنوح نحو الفاشية أو ممارسة الضبط والحسم العسكري. فعندما يصطدم تعريف الدولة نفسَها بأنها "يهودية وديمقراطية" بالمعضلة الديموغرافية والسياسية، ترجّح القوى الصهيونية كافة كفّة "يهودية الدولة" وتضحي بالهامش الديمقراطي. من هنا، فإن الرهان على دعم أطراف صهيونية بدعوى تشكيل حكومة "أكثر اعتدالًا" أو بناء "سدّ ضدّ الفاشية" هو برأيي طرح معطوب مبدئيًا وفشله مجرّب.
بل إن الشراكة البرلمانية تنطوي على مفارقة مركبة: فتعاظُم القوة الانتخابية العربية، عندما يُطرح كخطر ديموغرافي أو سياسي، غالبًا ما يتحوّل إلى عامل جذب يذلّل الفروقات بين الأطراف الصهيونية المتنافسة، ليعمل بمثابة "الصمغ" الذي يحشدها على الرغم من تناقضاتها وصراعاتها ضدّ من يعتبرونه "عدوًا خارجيًّا". وبذلك، فإن توهّم أن زيادة مقاعد الكتل الممثلة لفلسطينيي الداخل -حتى وإن اقتطعت من حصّة الكتل الصهيونية- تؤدي تلقائيًا إلى تحجيم العنصرية، قد ينتج عكسه تمامًا.
"أيزنكوت" بوصفه بديلًا: الوجه ذاته بمساحيق تجميل
عند فحص السيناريو البديل المطروح في الاستطلاعات الإسرائيلية، والمتمثّل في احتمال سقوط الحكومة الحالية وتشكيل حكومة برئاسة أقطاب ما يُسمى "المركز-يسار" مثل غادي أيزنكوت، تتضح سريعًا حدود التغيير الواقعي. فمن الناحية الميدانية والسياسية، فإن أيزنكوت - صاحب "عقيدة الضاحية" القائمة على الاستخدام المفرط للقوة وتدمير البنى التحتية لخلق الردع - يتبنى الثوابت الأمنية ذاتها القائمة على رفض الدولة الفلسطينية المستقلة، والتمسّك بالكتل الاستيطانية والسيطرة العسكرية.
لكن الخطر الأكبر لأيزنكوت بصفته بديلًا يكمن في البعد الدبلوماسي العالمي: فبينما أدّت فاشية الحكومة الحالية ووحشيتها إلى تعرية السردية الاستعمارية وتجريد حلفاء إسرائيل من الحجج، فإن وصول حكومة "معتدلة ظاهريًّا" يمنح العواصم الغربية والمجتمع الدولي مخرجًا مريحًا لإعادة تسويق إسرائيل بوصفها ديمقراطية معتدلة أو "الفيلا في الغابة"- المصطلح الذي صكّه إيهود باراك رئيس حكومتها السابق، ما يهدّد بإهدار المكسب التاريخي الكبير رغم كل الألم، المتمثّل في كشف الحقيقة أمام شعوب العالم، وتثبيت واقع شعب يواجه الإبادة والمحو.
مأزق المشاركة البرلمانية: بين درء المفاسد والتّمكين المجتمعي
يضعنا هذا الواقع أمام معضلة وجودية وسياسية حقيقية بشأن جدوى المشاركة في "لعبة مبيوعة مسبقًا" تُستغل لشرعنة ديمقراطية الكيان الإثني. مع ذلك، يَبرز البعد الإنساني والوطني لدرء المفاسد؛ فإذا كان وجود نواب عرب قادرين على تخفيف ذرّة ألم عن أسيرة أمنية في السجون، أو أمّ أو طفل فلسطيني، أو رفع الصوت ضد سياسات الإبادة، وهجمات المستوطنين في الضفة، وعمليات الهدم وآفة الإجرام المستفحلة في الداخل، فإن هذا الوجود يكتسب مشروعيته الإجرائية من قدرته المباشرة على تحسين ظروف الناس وخدمتهم والسعي لتوفير الحماية لهم، عدا عن الدور التمثيليّ، محليّا، وفلسطينيًّا وعالميًّا.
لكن المَخرج الحقيقي من هذه المعضلة يكمن في إعادة تعريف وظيفة الانتخابات: يجب ألا تكون الانتخابات المحرك الأساسي، ولا يجب أن تصوّر بوصفها عصًا سحريّة، بل يجب أن تكون -برأيي- موسمًا للتسييس، ورفع الوعي وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة. يجب أن يتحوّل الحصول على المقاعد إلى تحصيل حاصل لخطة عمل عامة يقع في مركزها "التّمكين المجتمعي"، وتقوية البنية التحتية الاجتماعية، وبناء المؤسسات الأهلية المفتوحة، وهو ما يتطلّب العمل الميداني التراكمي بين الناس طوال أيام السنة.
الفاعلية الوطنية لا الموسمية الانتخابية
في النهاية، لن تفرز الصناديق الإسرائيلية حلًّا عادلًا للفلسطينيين، ولن تغيّر موازين القوى البنيوية بذاتها، لكن ما يمكن أن يُحدث فارقًا، تحوّل الفعل السياسي من مجرّد صفقة موسمية تدور حول الكراسي إلى استراتيجية صمود وتمكين شاملة.
وسواء كنّا داخل البرلمان كصوت صارخ في وجه الفاشية وشوكة في حلق الوحش، أو خارجه في خنادق العمل المجتمعي والمؤسسي، فإن التكاتف والتمسّك بالإنسان والأرض والهوية، هما الحصن الأخير لإفشال مخططات التصفية، ولضمان أن يظلّ أبناؤنا وبناتنا بخير في وطنهم.

هويدا نمر- زعاترة
فلسطينية من مدينة الناصرة، تنشط في مجالات إبداعية متعددة تشمل: الموسيقى (الغناء، كتابة الأغاني، والتلحين)، الفنون البصرية (الرسم)، بالإضافة إلى الكتابة الشعرية، الأدبية، والبحثية.



