الدّامون الّتي لا تَغيب: عَن لاجِئَيْن يَعيشانِ النّكبَة نَفسَها بِطَريقَتَين!

قراءَة مقارنة في شَهادتين مِن قَريَة واحِدة

تُشكّل النكبة الفلسطينية وما تبِعها من تَهجير ولجوء سِلسِلَة متواصِلة من الأحداث التي لم تنتهِ يومًا. فَهيَ لَم تكن واقِعَة عابِرة حدثَت عام 1948 ثم طُويَت، بل مسارًا مستمرًا تتجدّد آثاره عَبرَ الأجيال. ولم تَقتصر تداعياتها على من اضّطروا لمغادرة وطنهم إلى الشّتات، بل امتدّت أيضًا إلى أولئك الذين بقوا في بلادهم، سواء في قُراهم الأصليّة أو كمهجّرين داخل وطنهم، بعدَ أن أُجبروا على تركِ بيوتهم والانتقال قسرًا إلى مناطق أخرى إثر تدمير قراهم أو السيطرة عليها.

كما تَشمل هذه التجربة مَن لجأوا إلى دوَل مختلفة واستقرّوا فيها، حيث واجَهوا قسوَة اللجوء وتحدّياته، ومَن عايشوا التّهجير المتكرّر، داخل الوطن وخارجه. ولعلّ مِن أبرز الأمثلة على ذلك المهجّرون في قطاع غزة، الذين تعرّضوا لموجات نزوح متجدّدة، وكذلك الفلسطينيون في سوريا الذين دفَعَتهم الحرب إلى الهجرة مرّة أخرى نحو بلدان متعدّدة، في دورَة لجوء جديدة تُجسّد استمرار النكبة بأشكال مختلفة.

 بهذا المَعنى، تبدو النكبة حدثًا مفتوحًا، لا يَنتمي إلى الماضي فحسب، بل يتجدّد في الحاضر، ويُعيد تشكيل حياة الفلسطينيين أينما وُجدوا.

في هذا السّياق، تتقاطَع قصّتان لرَجُلين من قريةٍ واحدة، تَفصِل بينهما أربعة وعشرين عامًا، لكنّهما يعيشان النكبة بطريقتين مختلفتين اختلافًا عميقًا. قريتُهُما هي الدامون، كانت تُطلّ على بحر عكا، ثم صارت ذكرى تَسكُن القلوب. الأول حسين اللوباني؛ وُلد في العام 1939 في الدامون وعاش طفولته على ترابِها قبل أن يُقتلع منها. والثاني عثمان أبو جاد؛ ولد في العام 1964 بمخيم نهر البارد في لبنان، ولم يَرَ الدامون قَطّ، لكنّه يحملها في اسمه ونبضِه.

ضمن هذا الإطار، تَبرز أهميّة المقارَنة بينَ جيلين: جيل عايش التّهجير بشكل مباشِر، كما تمثّله شهادة حسين اللوباني، الذي هُجّر من قريته الدامون عام 1948 وهو طفل، وجيلٌ وُلد في اللجوء، كما تُجسّده تجربة عثمان أبو الجاد، المولود في لبنان لأُسرة هُجّرت من القرية ذاتها. تكشِف هذه المقارَنَة عن تحوّلات عَميقة في مَعنى الوطن، وطبيعة المعاناة، وأشكال الوعي والتمسُّك بالهويّة.

وَجهان للذّاكرة.. قريةٌ واحدة

وُلد حسين اللوباني في الدامون في العام 1939، وكان في التاسعَة حين هبّت ريح النكبة فاقتلَعَت جُذور طفولته. لم يُكمل من التعليم في قريته سوى الصف الثالث الابتدائي، ثم حُمِل على ظُهور النّازحين إلى المَجهول. غير أنّ الغُربة لم تكسِره؛ بل صَقَلَته. تابَع تعليمَه بإصرار مَن يرفُض أن يُسلَب منه كلّ شيء دفعةً واحدة، فنال شهادتيّ لقب أوّل، ثم لقب أولّ إضافي من جامعة بيروت العربية، ودبلوم تربية عالٍ، وشهادات أخرى في التربية والرّسم وتعليم اللغة الإنجليزية. تخرّج بمرتبة الشّرف، وكان من الأوائل في دفعته.

ولم يكتفِ بالتعلّم، بل حوّل قلمه إلى ذاكرةٍ حيّة، فألّف نحو ثمانية وثلاثين كتابًا، وتَرجَم خمسة عشر كتابًا آخر، كأنّه يَبني بالكلمات ما هُدِم من حجارة بيته. ومع تقدّمه في العمر، يؤكّد أنّه ما زال "مستمرًا ومتفاعلًا"، يحمل في كلّ كتاب اسمه واسم قريته، فيمشي في صفحاتها ذاهبًا إلى الدامون في كلّ مرّة.

عثمان عثمان أبو جاد، وُلد في مخيم نهر البارد شمال لبنان عام 1964، ابنًا لأسرة مُهجَّرة من القرية ذاتها. لم تلمَس قدماه ترابَ الدامون يومًا، لكنّه حَمَلها في داخله كما يحمِل القلبُ ذاكرتَه. دَرَس في بلادٍ بعيدة، ونال شهادة الماجستير في العلوم الزراعيّة والحيوية من جامعة غودولّو في هنغاريا. عَمِل في تجارة المواد الزراعيّة والأسمدة، وصار خبيرًا في زراعة الفِطر بأنواعه، كأنّه يُصرّ على أن يُنبت الحَياة حيثما حلّ.

وبوصفه مهندسًا، انتمى إلى الاتحاد العام للمهندسين الفلسطينيين، وكان عضوًا في الهيئة الإداريّة لفرع لبنان بين عامَي 2014 و2023، وعضوًا في المجلس الأعلى للاتحاد. وعَمِل في الجمعيّات غير الحكوميّة بين عامَي 2007 و2022، حاملًا قضيّته من زاوية مختلِفة، في عالمٍ يتّسع فيه النضال ليأخذ أشكالًا جديدة.

من الوطن المُعاش إلى الوطن المتخيَّل

يَظهَر الوطن في شهادة حسين اللوباني بوصفه تجربَة حسيّة مباشرة، إذ يقول: الدامون وطني… وتاريخي… وحياتي، وبشوف حالي فيها". في هذا التصوّر، يَرتبط الوطن بالذّاكرة الحيّة والتفاصيل اليوميّة.

أمّا عند عثمان أبو الجاد، فيتحوّل الوطن إلى مرجعيّة متخيَّلة تتجاوَز التجربة المباشِرة، إذ يعبّر عنه بقوله: "بلدنا الدامون هي بوصلة حياتنا… لا عيشَ لغُصنٍ بلا جذور… فهي أهمّ من كلّ عواصم العالم". هنا يصبح الوطن فكرةً مؤسّسة للهوية، تُبنى عبرَ التوارُث والسّرد، لا عَبر العيش الفعلي.

 اللجوء: مِن حَدَث إلى نَمَط حَياة

يختصَر اللوباني تجربة اللجوء بعبارة مكثَّفة: "حياة عذاب… نعم، باكل وبشرب… بس هاي مشْ هي الحياة". في المقابل، يوسّع عثمان أبو الجاد هذا المَعنى ليصف اللجوء كحالة وجوديّة مستمرّة: "أن تولَد لاجئًا كأنّك تَسير في درب الآلام… تَعيش كلّ أَشكال الفقر والحِرمان… بلا دولة ولا وطن يدافِع عنك". بهذا، يتحوّل اللجوء من حَدَثٍ طارئ في حياة الجيل الأوّل إلى واقعٍ دائم يُشكّل حياة الجيل الثاني منذ ولادته.

الذّاكرة والهويّة: من التّجربة إلى الإرث

تستَند ذاكرة اللوباني إلى تجربة مباشرة مع المكان، كما يَظهَر في استحضاره: "ما إِلي غِنى عن أرض الدّامون… أشوف سهولها وهضابها وأشجارها"، بينما يعبّر عثمان أبو الجاد عن هويّة متوارَثَة، بقوله: "هي إرادة تورّث من الأجداد إلى الأحفاد". وهذا يعكس تحولًا عميقًا من ذاكرة فرديّة حسيّة إلى هوية جَمعيّة تنتقل عَبر الأجيال، لتصبح جزءًا من التّكوين الداخلي للفرد.

طُفولةٌ على دربِ الآلام

عاشَ جيلُ النكبة طفولة قُطِعت بِفِعل التّهجير، أمّا عثمان أبو الجاد فيصف طفولَتَه بوصفها تجربة غائِبَة أصلًا: "لَم نَعِش من الطفولة شيئًا… في العاشرة بدأَت الحرب… وحَمَلنا السّلاح". تَرتبط هذه التجربة بسياق الحرب الأهلية اللبنانية وما تَلاها من صراعات، ما جَعَل الطفولة نفسها مَشروطَة بالعُنف وعدم الاستقرار.

مِنَ الحَنين إلى الفِعل

يَحمِل خطاب اللوباني طابَع الأَمل والانتظار: "إن شاء الله نوصَل لحلّ ونرجَع على الدامون"، في المقابل، يعكس خطاب عثمان أبو الجاد تحولًا نَحو الفِعل والمواجَهَة: "لا يمكن أن أَتنازَل عن حقيّ… حتى لو كنت في أضعفِ حالاتي". كما يعبّر عن ذلك من خلال تبنّي أدوات جديدة للنضال: "الاستثمار الحقيقي هو العلم… والعمَل النقابي والاجتماعي… معركة دائمة لحماية مجموعتنا"، وهُنا يتجلّى الانتقال من موقِع الشاهد إلى موقع الناشط.

تراكُم الأَزَمات واتّساع التّجربة

بينما تتمحوَر تجربة اللوباني حول لحظة التّهجير، يَصف عثمان أبو الجاد واقعًا ممتدًا من الأَزَمات: "عِشْنا أزمةً بعد أزمة… اجتياح 1978 و1982… حرب 1996… 2006… نهر البارد"، ما يَعكِس انتقال التّجربة من نكبة واحدة إلى سلسلة من النّكبات المتراكِمة.

اللجوء بين الاندماج والتهميش

يُشير اللوباني إلى اندماج نسبيّ: "ما في شيء بيميّزني عن الإنسان الطرابلسي… لكن حالتنا الفلسطينية ما تخلّصنا منها"، بينما يبرز عثمان أبو الجاد التوتّر بين الوجود والحقوق: "معركة دائمة مع الآخر… حين يَحرمُك من حقوقك… نعيش بالحدّ الأدنى من الحقوق الإنسانية". وهذا يعكس تعقيد تجربة اللجوء بِوَصفها حالَة تهميش مستمرّ.

إِعادَة تَشكيل العَلاقة مَع الوَطن

يَبقى الوطن عند اللوباني حاضرًا في الذّاكرة، بينما يَصِف عثمان أبو الجاد تحولًا نوعيًا في هذه العلاقة: "وسائل التّواصل أَعادَت ربْطنا… لم يعُد مجرّد روايات… بل تَواصل حيّ… رَسَمَت شجرة العائلة". ما يشير إلى دور التكنولوجيا في إعادة بناء العَلاقة مع الوطن بشكل مُعاصر.

فيما تكشِف شهادة عثمان أبو جاد المولود عام 1964 عن تحوّل نوعيّ في تجربة اللجوء الفلسطيني مقارنةً بجيل النّكبة. فبينما ارتكَزَت تجربة الجيل الأوّل على الصّدمة المباشرة للتّهجير وفقدان المكان، تتجلّى تجربة الجيل اللاحق كحالة وَعي متوارَث، حيث لم يَعِش الفَرد الحَدَث ذاته، بل نشأ داخل سرديّته.

الثوابت التي لا تتزعزَع

تكشف المقارنة بين الرجلين أنّ المسافة بينهما ليست مسافة زمن فحسب، بل مسافةَ وعي. الأوّل عاشَ النكبة حدثًا، والثاني عاشها بُنيةً. الأوّل يَستذكِر ما فُقد، والثاني يُحارب من أجل ما لَم يعرِفه أصلًا. الأوّل يحمل صورة الوطن في مخيّلته، والثاني يحمِل فِكرته في هويته.

رغم هذه الفروقات، يَبقى الثابت الجوهريّ هو التمسّك بالوطن والإيمان بحتميّة العودة، وهو ما يتجلّى بوضوح في كلمات اللوباني: "سلام على الدامون… إلى يوم التّلاقي". وفي إصرار الجيل اللاحق على أنّ هذا الحقّ لا يَسقط، بل يُعاد إنتاجُه مع كلّ جيل، بأدوات جديدة، ووعي متجدّد، وتَجذّر أَعمَق في معنى الانتماء.

وهكذا، تَبقى الدامون حاضرةً في روح جدٍّ رآها بعينيه، وفي وَعي ابن أو حَفيدٍ لم يَرَها قطّ. تَبقى بوصلةً لا تُخطئ الطريق، مهما طالت المسافات، ومهما تعدّدت المنافي. لأنّ الوطن، في النهاية، ليس بُقعة على خَريطة، بل نبضٌ في القلب يرفض أن يتوقّف.

أنا ابن الدامون التي تهجَّر أهلها، أهلي، أَجِد نفسي منغمسًا حتى النخاع، بسَرد "الرواية"، رواية أَهلي وبَلَدي المهجَّرة الدامون، وعبرَ هذه الرواية، أحدّثكم عن قصّة شعبي ونكبته وتَهجير أبنائه وبناته. لكن أكثر ما يشدّني لأن أكتُب وأن أَسرد، هو الصمود والتطوّر في وطننا، نحن الذين بَقينا فيه، وهو كذلك هذا الأمل والإصرار الذي ورثتُه من والدي المرحوم سمير العثمان، ويعبّر عنه العمّ حسين اللوباني وعثمان عثمان أبو الجاد الذين رغم درب الآلام ما زالوا مصرّين على حقّهم في العودة إلى بلَدنا الدامون. وكذلك، إصراري على أن تصِل هذه الرسالة والصوت إلى الآخر، الذي ممكنٌ أن يكون "الآخر" المغتصب لهذا الحقّ، لكن ممكنٌ أن يكون "الآخر" المسانِد لهذا الحقّ الذي يمكنني معه أن أتشبّث بالعودة ليس كحلم فحسب، وإنما كنتيجة حتمية لهذا الإصرار.

وإلى أن يأتي يوم التلاقي، يظلّ الفلسطيني يمشي في درب الآلام حاملًا مفتاحَه، وذاكرته، ويقينه بأنّ الحكاية لم تنتهِ بعد.


ملاحظة: الصورة المرفقة بالمقال هي صورة افتراضية مولّدة بالذكاء الاصطناعي لنضال عثمان مع حسين اللوباني وعثمان عثمان امام "عين الدامون".

المحامي نضال عثمان

حقوقي وناشط اجتماعي سياسي. مِن مهجّري قرية الدامون، ومِن سكان مدينة طمرة في الجليل.

رأيك يهمنا