الرّوح لا تَعتَرِف بالنّزوح كَنَجاة.. بَل كَخَطيئَة!

وكأنّ قبولَك الانخراطَ في مجتمَع آخر.. أناس آخرين.. عالَم آخر هو خيانة عظمى لقلبك/وطنك/مدينتك النازِفة، وكأنّ ما كنتَ تطمح للوصول إليه في يوم ما في شَبابك، والآن هو بين يديك، صرتَ تراه مجرّد سراب، رمال ناعمة تنزلق من بين يديك، تحاول أن تكون واقعيًا عقلانيًا لكن روحك تَبكي، ليس هذا وقتًا للاختيار! لكنّك تفقد بعضًا مِنك مع كلّ حدود تجتازها، ومع كلّ صباح تشهده بعيدًا عن منزلك المدمَّر، يصلُك أنينُه رغم المسافات..
لماذا تركتَني وحيدًا!
أراك ترحل بعيدًا عن بقايا جُدراني التي بنيتَها من عرَق جبينك.
أَحمِل ذكرياتِك الهاربة مِن معركة طاحنة، لكنّك الآن تنسلُّ بعيدًا عن جراحي!
الجسدُ يركُض منكَ رغمًا عنك، هاربًا من بشاعَة القتل، وشَظايا تعانِق بقاياك الحيّة، تَستشعر الألم فتفرّ كما يفرّ المرء من أهله يوم القيامة القادِم، لكنّها قِيامة غزة التي لم تَترك جسدًا بلا خُدوش، ولم تترك روحًا بلا جراح.
أصبحْنا أنا وجسدي وروحي كيانات مستقلّة بذاتها، يجاهِد كلّ منها لنقلِك لبُعد جَمعي لا يزال نازفًا، جَسَدُك يُريد الهروب بعيدًا لأبعَد مكان في العالَم، لمكان لا يَحمل لغَة البشر، يُريد متّسعًا من البَقاء، يريد أن يتنفّس أولًا حتى يَستعيد ذاكرته الجسديّة، لكنّ روحك تفرّ منك عند الحدود تَبكي، عند إشراقة الصباح تَبكي، في المناسبات والأعياد لا تتوقّف عن البكاء!
فمَن نكون بلا روح؟! لسنا عددًا ولسنا اسمًا ولسنا ملامح توصَف بعيدًا عن سياقها الروحيّ، بعيدًا عن ماضيها وحاضرها، تجاوزَت أعمارُنا الآن المئة وخمسين عامًا، ربما أكثر! تُنهَش مفاهيمنا عن الأعمار وعن الأرقام، لسنا أبدًا شبابًا، ولسنا أبدًا عجائز، لكنّنا عُدنا أطفالًا يَبحثون عن النقاء، يريدون أن يتنفّسوا بعيدًا عن الكليشهات والمسمّيات والبطولة أو الانكسار!
لَسنا في فيلم صامت، بل فيلم يمتَد منذ نُعومة أظافرنا في رفح وغزة وما قبلَها في تل الترمس وزغاريد الأمّهات توقظُنا لنركض للمدرسة، ثم الجامِعة ثم نربّي أولادنا ونَبني بيتَنا لنشعر بالاستكانة، والأمل! لكنّهم فجأةً اقتلعوك كشجرة فَقَدت جذورها! كيف ستعيش الآن! كيف لجسدك وروحك أن يتّفقا، فجسدُك يريد النّجاة، وروحك تُريد حضنًا يُشبه قلبَ البيت!
أينَ جيراني؟ وأين أهلي؟ وأين أصدقائي الذين أَعرفهم؟! لا مسافات تُحتسَب هنا، أَميال وأَميال وأَميال ممتدّة بلا رفاق!
مدنٌ كبيرة وعمارات شاهِقة وساعات تمرّ فقط وأنت في طريقك لولاية لَم تطأها قدمُك مِن قَبل، بينما عشتَ ثلثا عمرك في مدينة صغيرة تحسَب بالأمتار. الحصارُ يلاحقُ روحي وجسدي لا يزال حبيسًا في مدينة أَدين لها بالحب والولاء! فكيف أَخونها بطريقة الدبلوماسيين في هذا العصر. لم تَعد المفاهيم تعبّر عمّا نشعره الآن! كيف سيقدّم النازح توصيفًا لنزوحه داخل غزّة أو خارجها، وكيف ستعبّر الكلمات عمّا يشعُره ويعيشه! قد يختار الصّمت فترةً طويلة لأنّ أحدًا لن يفهَم!
بينما الجَسَد يئنّ بفعل الإبادة فإنّ الروح لا تَعرِف النزوح!
أنتَ لا تَسير على أرض صلبَة، روحك لا تَجِد أرضًا تعرفُها أو تعرفُك، فَتَهيم بداخل جَسَدك طريحة السّكون، تتمرّد لكنّها لا تَشعر بالتّوازن، تَقَع في غياهب الجُبّ دون أيّ أَمَل أن تجِد نورًا تعرفه ربّما أو يدًا كانت تعرفها، كلّ ما حولها غريب عن ملامحها فغَدَت غريبة تشعر بجذورها في مكان بَعيد في الجغرافيا، تُشير لهُ بيدها على الخريطة لكنّه يكاد يكون غيرَ مرئيّ. يركضُ الناس بين الثلوج يذهبون لعملهم ومدارسهم ولا يشعُرون بالرضا، يختنقون بين الجدران.. تلك الجدران التي نفتقدها الآن وامتلكناها حين كانت لنا بيوت، وحين كان لنا مسارُنا الذي نسلُك، نَعرف أين الطريق للبيت، لكننا الآن لا نَعرف أنفسنا من قَسوة النزوح المتشكّل في وعينا بأنهار الدم، والأشلاء المتناثرة، نرى الطعام لكنّه لا يُشبِه طعامَنا، نَشرب الماء لكنّه لا يروينا، إنّه عطش الروح للوطن الذي عَرَفته وتربَّت فيه، إنّك كشجرة اقتُلعت من جذورها فلَم يبقَ جذر ولا ورَق ولا زهر، إنّك أشبه بجذع خاوٍ يحترق شيئًا فشيئًا، يراه النّاظر فيظنّك ميتًا!
لكنّك لا تزال تَعيش في أتون معركة يوميّة بين البقاء أو الفناء، بين الرّضوخ للنّسيان وامتداد ظلّ يديك التي تصل لأعتاب المدينة المدمَّرة، تَعرف في قرارة نفسك أنّ المدينة تتألّم وتئن، تَبدو ميتة لكنّك لا تعترف لأنّ موتها يعني موتك، أنتَ تصدّق أنها ستصحو ذات صباح رغم أن شوارعها غَدت رمالًا، لكنّ قلبك لم يعرف الاستسلام من قبل!
عشتَ أكثر من ثلثي عمرك محاصرًا تختنق من قلّة الهواء! من كَثرة الجدران! من الصرخات التي كانت تَعبُر جسدك فتواريك الثّرى لكنّك كنتَ حيًّا وقتها! أنت الآن مَن تكون؟ ما الذي لَم تكُن تعرفه عن نفسك وكَشَفته الغربة؟! هل هذا هو أنت الذي لم تَعُد تعرِف المرايا، تجري بلا توقّف، تنسحب من المشهد كأنّك لم تكُن، لا تقول كلمة لأنّ الكلمات فَقَدَت بَريقها ومعناها، ولأن أحدًا لا يستَمِع، لم يَعُد الأصدقاء في أماكنهم، والجيرانُ لم يعودوا جيرانًا، والأهل تفرّقوا بين شمال وجنوب ووسط، بين جبال وسماء وبحر، وأنتَ الذي لا تقبَل بأن يُجبرك المحتلّ على نسيان اسمِك، تلاحقُك الكلمات والمخاوف والألَم الكبير، وفَقْدُ كل الذكريات الجميلة، تبدو إنسانًا جديدًا لكنّك لا تُريد جلدًا جديدًا، ولا تريد لغة جديدة، ولا تريد أملًا جديدًا، أنتَ وروحك تتشبّثان بتلك المدينة المهترئة من شدّة الألم، لا تشعُر بالحنين إلّا في حضرتها، تلقّفَتك المدن واحتضنتك لكنّك لم تشعُر بالاحتضان الذي عرَفتَه في طفولتك، من قال إن المدن لم تكن صديقتنا الوحيدة التي كنا نبثّها أسرارنا، وآلامنا وأحزاننا؟ كم امتلأ البحر من قهرنا وبكى بعيدًا عن أعيننا؟ ما بال بحر غزة صامتًا الآن؟ لم نَعُد بالقرب منه، والجمال الذي يراه الآخرون حولَنا لم يَعُد يسكننا ولم نَعُد نفهم هذا الجمال الذي كنّا نظنّه مشهدًا كرتونيًا ملوّنًا من شدّة تأنقه!
الآن أقبَع أنا وروحي في هذا المشهد، لكني لست سوى جسد مثخن بالجراح بعيد عن حضن بيته وحَيِّه ومدينته، لم أَخذل المدينة يومًا ولن أخذلها فهي أحبّ المدن، وروحي التائهة لا تزال تقاوم النزوح وترفُضه، تنتظر بقلق وحيرة فقط، تبحث في الصور القديمة عن يقظة للروح، لا تعرف مصيرها فلا فرق بين حياة أو موت بعيدًا عنها!
ما بَين جَسَد نازفٍ وروحٍ جَريحة يَبقى للوطن حُضورُه الطّاغي!
أنتَ لم تكُن سوى روح معلَّقة لم تنفعك الجغرافيا، ولا جَوازات السّفر، ولا أوراقَ الهويّة، ولا تملِك إلّا بعضًا منك تتشبّث به ولو تركتَه لينصهر في حدود أخرى فأنت لن تَعرف ما ينتظرك من جحيم لم تفسّره كتب التاريخ، ولا كتب الفلسفة، ولا مُدرَكات علوم النفس، أنت لست سوى طفل في منتصف العُمر لا يُريد خطوات أخرى خارج وطنه الذي تربّى وعاشَ فيه، رغم كلّ الألم الذي يجلبه الوطن وتجلبه المدينة لكنّها الروح التي لا تَفهم النزوح، ولا تَفهم معنى الحياة خارج الصور التي حفرتها أمام حديقة المنزل، ليس تعلقًا وليس تشبثًا بالماضي، لكنّه هويتك، خطوتك الأولى في الكون، ملجؤك الصغير، مَرسمُك وكلماتك الأولى التي تعلمتها، أنفاس أمّك وصوت أبيك، وحكايا جدتك، إنّه طريق للحب الأول ومعنى العائلة، ومعنى الأعياد، ومَذاق الطعام، ومرفأ القطط التي كانت في كنف عائلتنا!
إنّها صوت العصافير التي طَرَقت نوافذنا، وانسكاب الفرح بين أروقة البيت المحترق الآن، وغياب المصير عن إدراكنا هذا هو المكان الأول، الحبّ الأول، الألَم الأول، إنّه كانعتاق الروح في يوم شتويّ حين كنّا نَهرع للبحر ونضحَك بملء الفيه، الآن لم نَعُد نَعرف الفرح ولا تقترب منّا الابتسامة! حتى الألوان أصبحت باهتة لا معنى لها، إنّنا هذه الكَمشة من الفرح والحزن والمَذاق، ضعنا حين ذُبحت مدينتنا وشَعَرنا أنّنا لم نحمِها بأهدابِنا فيما كان يجب أن نفعل! قُتِلَت في يوم كنّا فيه على سفر، سُفكت الدماء وفَقدنا كلّ شيء! والآن نُعاني من النزوح، نُزوح الروح المشتعِلة بالحنين مع كلّ نَفَس نتنفّسه، وهي ليست اغترابًا، بل هي إرادتنا الحرّة التي لم ولن تقبَل الاستسلام، لذلك جاء كلّ هذا الألم وهذا الشّوق وهذا الحنين، إنّه ولادة قسرية لأرواحنا بعيدًا عن حضنها، لكن فجرًا قادمًا لا محالة رغم كلّ هذا الوجع!
نيسان/ أبريل 2026
مونتريال- أوتاوا




