الانتخابات في إسرائيل: شعبٌ وافدٌ مقابل الشعب المُقيم

مهما تكن نتائج الانتخابات التشريعيّة في إسرائيل بعد نحو شهر، فإنها لن تشكّل منعطفًا في الوضع بين البحر والنهر، لا للإسرائيليين ولا للفلسطينيين. فهي ليست تنافسًا بين خيارات تتحرّك على المحور بين السلام والحرب، بل هي تنافس على هويّة الذين سيقودون إسرائيل في هذه المرحلة ضمن الخيار الذي تبلور في العقود الثلاثة الأخيرة، وهو خيار الحسم العسكريّ للمسألة الفلسطينيّة على هذا النحو أو ذاك وصولًا إلى الإبادة والاقتلاع.
نحن حيال صراع على المقعد وراء دفّة الحُكم وليس على طبيعته، على مواقع القيادة فيه وليس على سياساته. وعليه، أرجّح أنه لو استُبدِل الائتلاف اليمينيّ الحاكم، فإن الائتلاف اليمينيّ الجديد لن يكون قادرًا على تنفيذ إصلاحات دستوريّة وتشريعيّة معاكسة للاتجاه الذي صوّبت إليه الكتلة اليمينية المُهيمنة منذ عقدين، لا سيّما بعد "تشريع قانون القومية"، خاصة أن شخصيّات كثيرة في الأحزاب المناهضة للائتلاف الحاكم لا تقلّ يمينيّة عن الائتلاف نفسه، فهي تؤيّد جوانب كثيرة من الانقلاب القضائيّ الذي أُنجز إلى الآن وفي مركزه تكريس امتيازات مجتمع الثكنة الإسرائيلي وتفوّقه العرقيّ، وإلغاء آليات ليبرالية في بُنية الدولة والمؤسّسات.
من هنا، أيضًا، اعتقادنا بأن السيناريو الأوفر حظًّا بعد الانتخابات هو الذهاب إلى حكومة تكتّل وطنيّ يمينيّة لها مؤيّدون في المحافل الدوليّة، لا سيّما الأمريكيّة التي لم تَعد قادرة على تحمّل تبعات سياسات الحكومة الحاليّة. وهو مسعى تؤيّده جهات عربيّة في الإقليم، وتنادي به أوساط في الجاليات اليهوديّة في أوروبا وأمريكا الشماليّة، إضافة إلى كونه نزعة بنيوية في مجتمع الثكنة تَحضُر كلّما دخل هذا المجتمع في أزمة أو مأزق. وهو مأزق نتج من الشعور العام في مجتمع الثكنة بامتلاكه فائض قوّةٍ وتفوّقًا مقرونًا بنقص في الشرعيّة والأمن، رغم سلسلة الحروب التي بادر إليها وسط إجماع عام تقريبًا، ولا تزال قائمة وستظلّ معنا ردحًا من الزمن بصرف النظر عن نتائج الانتخابات.
وصلنا إلى هنا ليس بسبب توجّهات اليمين الفاشيّ فحسب، بل بسبب ما آل إليه مجتمع الثكنة برمّته في علاقته بفلسطين وبالإقليم. فالحروب لم تولد اليوم وإن اشتدّت نارها. والحرب لتصفية الحقّ الفلسطيني لم تبدأ اليوم بل صُعّدت في السنوات الأخيرة بشكل لافت كما رأينا في الإبادة في غزّة وتصفية المخيّمات في الضفّة وسط إجماع إسرائيليّ واسع. وهذا هو الحال بشأن لبنان وإيران وسوريّة. هذا ما يقودنا إلى الاستنتاج القائل إن إسرائيل بوصفها مجتمع ثكنة قائمًا في فلسطين وعلى حساب شعبها لا تزال جزءًا من محور دوليّ على رأسه أمريكا (الغرب) يُصارع بكل ما أوتي وفي جبهات كثيرة على الموارد ومداخل البحار وخطوط التوريد بلا كابح، ومن خلال بلوغ الشرّ المُطلق في كثير من المواقع؛ بمعنى أن النُخب في مجتمع الثكنة -على التباين في خطابها أو ميولها- مصرّة على التموضع ضمن المحور الأمريكي في الإقليم والعالم ـ هذا بالتحديد ما يجعل الانتخابات في إسرائيل إنتاجًا من جديد لهذا الموقع، وليس خروجًا من حدوده إلى موضع آخر.
أمّا الشقّ الآخر المتّصل بالفلسطينيين في هذه الانتخابات، فقد نُجمله بالقول إنها ربّما كانت المرّة الأخيرة التي سيذهب فيها المواطنون الفلسطينيون أصحاب حقّ الاقتراع إلى الانتخابات. فسيرورة مصادرة حقّهم في المشاركة السياسيّة المشروعة عبر الصناديق ستندفع مهما تكن نتائج الانتخابات الوشيكة. وعلينا أن نسمّي ما حصل في هذا الباب باسمه. فقد نجحت النُخب اليهودية في ترسيخ "لا شرعيتهم" السياسيّة، وإخراجهم من دائرة صناعة القرار وحصره-وفق روح "قانون القومية"- بالجماعة اليهودية. كما أنها نجحت في نزع إنسانيّتهم إلى حدّ كبير وجعلتهم ضحيّة التحريض والافتراءات اليومية العنصريّة ليل نهار.
نرجّح أن الخطوة القادمة ستكون إسقاط حقّ الترشّح والانتخاب كما يليق بمنظومة أبرتهايد وحالة استعماريّة مكشوفة. في هذه الحالة ستتساوى مكانتهم مع مكانة سائر الفلسطينيين في فلسطين تحت الحكم الإسرائيلي، ويتحوّلون من مواطنين إلى رعايا مكشوفين للعسف والاضطهاد ذاتيهما.
وقد شهدنا في خطاب النُخب الإسرائيليّة وأفعالها ما يؤشّر على الوجهة التي ستسير بها الأمور. فبعضها يُهدد بنقل "مشروع الحسم" من الضفّة إلى الجليل والنقب على نحو مضاعف. وبعضها الآخر شرع يُنفّذ ذلك بالتعاون مع مؤسّسات فوق قوميّة كـ "الكيرن كييمت" كما رأينا محاولة زرع البؤرة الاستيطانية في قلب أراضي مجد الكروم في الجليل مؤخّرًا.
سينشأ وضع يتساوى فيه الفلسطينيون في مكانتهم تحت حكم مجتمع الثكنة. وهو ما يُمكن أن يُشكل مصدر قلق بناء على ادّعاء صحيح في الغالب بأنهم سيصيرون جميعًا بين البحر والنهر عُرضة للقمع ذاته والاعتداءات اليوميّة ذاتها. وهذا ما سيحررهم من قواعد اللعبة القائمة على "سلّم التدرّج في المكانة" الذي أقامه مجتمع الثكنة بين الفلسطينيين في الساحل، وأولئك في الجبل وغزّة والشتات. حالة من السيولة ستضع مجتمع الثكنة وجهًا لوجه أمام تعادل ديمغرافيّ لا يُمكن حجبه أو الالتفاف عليه، وستضع المجتمع الفلسطينيّ كلّه أمام هذه الحقيقة ـ شعب وافد مقابل الشعب المُقيم.

مرزوق الحلبي
حقوقيّ ومستشار استراتيجي ومنسّق المجموعة الفلسطينية في الداخل للتفكير الاستراتيجي ومتخصّص السياسة في دول الشرق الأوسط.



