تَحوّلات وانتخابات، الحَرب مستمرّة: قراءَة من واشنطن

مهما كانت نتائج الانتخابات؛ أي سواء عاد الطاقم الحاكم، وإنْ معدلًا، أو جرى استبداله بطاقم جديد، وسواء أَدرج هذا الطاقم الجديد في تِعداده -لضمان الأكثرية- ممثلي الفلسطينيين في الداخل، أم تمكّن من تجاوزهم، فإن ما لا بد من الإقرار به، في أعقاب المقتلة في غزة والحروب التوسعية والعدوانية في المنطقة، أن قواعد المواجهة لم تَعُد كما كانت قبل "الطوفان". والمسألة لا تقتصر على إسرائيل، بل تشمل العالم أجمع. ما تشهده هذه المرحلة لا سابقة له، ونتائجه غير محسومة لصالح أي طرف. بل المؤكَّد الأوحد هنا هو أن النزاع متواصل، ومعه الأذى والألم، والحاجة الماسة إلى الثبات والاستعداد.
من ينتظر أن تعود الأسرة الدولية إلى التأثير الجدّي الفاعل، هو كمن يتوقع أن تعود إسرائيل العاقلة (متى كانت؟)، التي تضع القيم الإنسانية، مع كل اختزال واقتطاع وتشويه، ضمن اعتبارات صورتها الذاتية. لا تزال بقايا من هذا الماضي قابلة للاستشفاف في إسرائيل والعالم، لكنها أقرب إلى استذكار الأحلام، إذ سرعان ما تتلاشى لحظات تبيُّنها وذكرها.
بل لقد شهد العالم اليوم عملية تطويع وترويض للقبول بحقّ إسرائيل في التوحش والهتك والفتك، رضخَ لها وإن كاظمًا اعتراضه المبدئي والمعنوي والأخلاقي المكبّل بترابط المصالح واختلال موازين القوى والتهميش. لا ينفي ذلك صدوح الرفض للإذعان لمنطق القوة المتوحشة، ولا سيما في الأوساط الغربية، فيما كان الاعتراض هامسًا ونادرًا نتيجة القهر والتهويل في المحيط العربي.
التحوّل ضمن الولايات المتحدة في صورة إسرائيل وتقييمها حقيقي وجدّي. الأجيال الماضية كانت قد رست على صورة لهذه الدولة على أُسس معطيات دينية وتاريخية، جعلت منها بالنسبة للبعض تجسيدًا للموعود الكتابي، وبالنسبة للبعض الآخر واحة حرية واعتدال وحضارة في صحراء التخلّف والاستعباد والاستبداد المنسوبة إلى المحيط، أما الجيل الصاعد فقد شهد التوحش الذي مارسته هذه الدولة، بل هي أقدمَت عليه بماله وسلاحه ورضا حكوماته، فلم يَعُد يحتمل التماهي المفترض والمفروض عليه معها. حتى في أوساط اليمين الانطوائي، وارث العداء التاريخي المؤصل لكل ما هو عربي ومسلم، إسرائيلُ موضوعٌ يزداد نفورًا، فلا تأييد ولا تطابق كما كان الحال إلى أمس قريب.
ما الذي بوسعِ السردية التي جعلت من إسرائيل موضوعَ عبادة في الولايات المتحدة أن تَفعل؟ ما تُقدِم عليه هو إعادة تذكير من يرتاب من سقوط القناع عن وجهها بأن غريمه وعدوه الذي يريد له الأذى الروحي والمعنوي ليس دولة اليهود، بل حشود المسلمين الذين يريدون فرض شريعتهم عليه وسبي نسائه والقضاء على إنجازاته.
الموازنة بالتأكيد لم تَعُد بين الخير الذي تجسده إسرائيل والشرّ الكامن في أعدائها، لكنه لا يراد لهذه الموازنة أبدًا أن تصبح بين الشرّ الذي تقدم عليه إسرائيل والحقّ الجلي بالحياة والحرية والعدالة لمن أفرطت في أذاه دون رادع معنوي، لذلك لا بدّ من العودة الدؤوبة إلى ما كان هذا المجتمع الغربي قد أهمل الالتفات إليه من أخطار إسلامية، مفخَّمة ومعظَّمة بل مصطنعة، والقبول ضمنًا أو صراحة بأن إسرائيل بخامتها النقية تفعل أفعالها مكرهة بل باكية ذوذًا عن حقها وحق الحضارة الغربية بمواجهة الظلام. هل ينجح هذا الدفع وهذه السردية المعدَّلة، التي تتعامل مع كل حدث بمنطق الإهمال إن لم يتناسَب مع أهدافها، أو منطق الإبراز والتهويل إن لامس الانسجام معها؟ لا حاجة لها أن تنجح بالكامل، يكفيها أن تبطئ التحوّل المتعارِض مع مسعاها ريثما يجري استيعاب أفراد هذا الجيل الصاعد ضمن البُنى المصلحية القائمة، والمتوافقة إلى درجة مرتفعة مع منطلق التماهي مع إسرائيل.
فوز المرشحين في الانتخابات التمهيدية مِن الذين يجاهرون برفضهم المقتلَة في غزة ويعترضون على الاستعلاء الفئوي الذي تجسده دولة إسرائيل ليس حدثًا عابرًا، بل هو إرهاص بتحوّل قيمي ووعيي ضمن المجتمع الأميركي. على أن هذا التحوّل يعارض مصالح قائمة مهيئة لمقاومته، وهي تعمد إلى جهود إبطاله بوسائلها ومواردها الضخمة. قد تفشل أحيانًا، لكنها لا تكلّ. ولا يمكن بالتالي الاطمئنان إلى أيّ نتيجة.
حتى دون أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول وما تلاه من توحش فاضح لإسرائيل، إدراك أن هالة القداسة التي أحاطت بالمشروع الصهيوني في الولايات المتحدة هي إلى تَراجع حتمي كان قائمًا في أوساط الداعمين سرديَّتَها، وذلك لتناقض سلوك المشروع مع القيم التي يجاهر بها الغرب ويعتبرها المجتمع الأميركي أساسًا، وإن تخلف قصورًا وتقصيرًا عن تطبيقها. ويومها كما اليوم، وللتخفيف من تآكل صورة إسرائيل، رحَّبت هذه الأوساط بملامح تراجُع القيم العالمية بدعوى سذاجتها (المستجدة مع الحاجة إلى تحجيمها) ولاستفادة أعدائها من الفجوات التي تعتريها.
لا يجوز طبعًا إضفاء سمة القوة الخارقة على هذه الأوساط والافتراض بأنها هي المسؤولة عن تراجع هذه القيم في المكانة والتطبيق، فعوامل هذا التراجع كثيرة، على أن هذه الأوساط قد وظفّت التراجع لتعديل سرديتها، من إسرائيل منارة الحضارة إلى إسرائيل قلعة الضرورة. عند هذه اللحظة، ما زالت صور أشلاء الأطفال وكامل جلجلة غزة مطبوعة في ضمائر الكثر، والاستجابة لمظلومية إسرائيل المغبونة وفق الطرح الجديد متأرجحة. على أن الاعتماد هنا هو على النسيان، من خلال الإغراق الإعلامي والمعرفي والعاطفي بما يطمس، أو على الأقل بما ينافس.
خلال أعوام المقتَلَة الصريحة، قبل الانتقال إلى المرحلة المعمّاة الحالية، كان مناسبًا للأصوات التي أرادت لنفسها أن تكون معتدلة في الولايات المتحدة، أن تقصر نقضها وتصب جام غضبها على الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل ورئيسها المراوغ، لتنأى بإسرائيل ومجتمعها عن أي إدانة، بل غالبًا مع اعتماد تأطير يَفترض بأن هذه الحكومة هي اختطاف وتشويه لإسرائيل الزكية المحبوبة. تفضل هذه الأوساط ألا يحتفظ رئيس الحكومة الإسرائيلية بمنصبه، ومن شأنها أن تضاعف تهميشها الموضوع بأسره إن هو خرج من السلطة. لا يعنيها بأن تكون نتيجة ذلك بعض التلطيف في التعبير عن السلوك، لا في السلوك نفسه.
الأوساط المؤيدة دون تحفظ لإسرائيل في الولايات المتحدة أكثر حسمًا ووضوحًا. إسرائيل تخوض حربًا مفصلية على مستوى المنطقة، خصمها الأول فيها إيران وما استَجمَعَتهُ من فصائل، ومن بعدها كل القوى القادرة على اعتراض حاجة إسرائيل بأن تكون هي الغالبة؛ تركيا، السعودية، باكستان، مصر. هو مشروع تسيّد إسرائيلي صريح من شأنه أن يعفي إسرائيل من ارتباطها الوجودي بالولايات المتحدة، وإن كانت مساعي المحافظة على التواصل مع واشنطن تسير باتجاه التعزيز والتعميق والتحصين إزاء أيّ اعتراض سياسي أو جماهيري.
في حين أن مشروع إسرائيل الكبرى الكاملة-طبعًا، هو طرح عاطفي اليوم- فإنه لا بد من إسرائيل كبرى مرحليّة أصغر تنهي المواجهة بالكامل أو عمليًا على خمس جبهات. قطاع غزة كان ولا يزال مشروع نكبة وترحيل، وإن توجب إبطاء الوتيرة ضمن إطار مجلس السلام الكاذب. الضفة الغربية مشروع ضَمّ بالتأكيد وإن على مراحل، غير أن الأهم آنيًا هو إلزام العالم بأسره بالإقرار بأن المسألة ليست محسومة حقوقيًا على الإطلاق لأصحاب الأرض، بل هي موضوعٌ خلافي بين أصحاب الحق التاريخي المزعوم اليهود العائدين إلى ميراثهم البيّن، وبين بعض المقيمين الطارئين من العرب النازحين من الجوار. المستوطنون لا يعتدون، بل يطالبون بحقهم وإرثهم ممن سلبه منهم أو أقام على أراضيهم متجاوزًا حقهم العائد حتمًا لإصرارهم عليه. الجبهتان الثالثة والرابعة هما في سوريا ولبنان. الهدف توسُّعي جلي استقراءً وإن نجح التأطير بطمسه. ليس من يتحدث اليوم عن القرى السبع العاملية، والولايات المتحدة قد أقرّت بسيادة إسرائيل على الجولان. فالمقاربة ناجعة وناجحة، احتلال بحجة الدواعي الأمنية، مما يحصن الاستيلاء على الأراضي إزاء التقلبات السياسية، ويعفي السياسيين من بعض المسؤولية، ثم ترحيل وتجريف وتدمير وفق ما جرى تحقيقه في غزة، ثم خطوط صفراء وحمراء تضفي على الاحتلال مشروعية، وتوافقات أو ما أشبه مع حكومتين هزيلتين هشّتين في بيروت ودمشق، واعتماد على من يحضّر للتالي من حيث يدري أو من حيث لا يدري. هي بلاد آشر ونفتالي، وفق الخرافات التي تصبح موضوع بحث هنا، وهي جبل الباشان المختلق والمعتنق ممن تمكنت إسرائيل سلخهم. ومن بعدها الانتظار، لتصبح الاعتبارات الأمنية أمرًا واقعًا المطالبةُ بتبديله اعتداء على سلامة الأراضي الإسرائيلية، قبل أن تأتي المطالبة بالضم والاستيطان.
أما الجبهة الخامسة، فهي أهل الأرض الذين لم يرحلوا بعد، عسى أن يكون هذا الرحيل بالتضييق والتهميش وغضّ النظر عن الإجرام، لا بل تغذيته فعلًا وانعدام فعل، والتفتيت والتشتيت والسعي إلى تكرار النجاح بالاقتطاع. ألستم آراميين يا بعض هؤلاء؟ أو أقلَّه باستيعاب الأجزاء اقتصاديًا أو سياسيًا. على أن الغرض دومًا هو إزالة الهوية التي من شأنها أن ترتقي إلى الطرح الجامع الذي يعترض الصفة الأحادية التي يريدها المسعى الاستيطاني لتمامه.
ليس المنتظر في أوساط الصقور في واشنطن أن تحقّق إسرائيل الانتصار الكامل على هذه الجبهات، بل الرؤية كانت ولا تزال وجوب التدرّج. على أن تحقيق الإنجاز، وإن بشكل تقدَّم لتيئيس الخصوم، هو الفعل الاستلحاقي الضروري لإنجاح مشروع التسيُّد الضامن لمستقبل إسرائيل.
سواء كان الفوز من نصيب الطاقم الحالي أو من حصة فريق آخر، تبقى الاعتبارات البعيدة المدى على ما هي عليه بالنسبة للصقور ومن يؤيد إسرائيل في الولايات المتحدة. إسرائيل تخوض حربًا إما أن تتوسّع فيها، داخليًا وفي جوارها المباشر وفي عموم المنطقة، أو أن ينتقل الزخم إلى أعدائها وتؤول إلى الاندثار. أما من يرى في هذه الرؤية تعارضًا مع مواقفه المبدئية، فموقفه لا يزال من باب ردة الفعل المعنوية، لا الرؤية البديلة الواضحة. وكما هي مهمة شاقة وضرورية لضمان ثبات المجتمعات التي تسعى الرؤية التوسعية إلى إنهاكها، فإن الحاجة ماسّة في الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة إلى مسار لتصور بَنّاء لا يتوقف عند حدّ الاعتراض على الرؤية السوداوية. الطريق له طويل.

د. حسن منيمة
المحاضر في مركز الشرق الأوسط للدراسات - واشنطن.



