مِنَ التَّغِطيَة إلى التأثير: الإِعلامُ كَما تَجَلّى في "حِراكِ سِخنين"

لا يُمكن فَهم ما جَرى في سخنين فقط كَحِراك ضدّ الجريمة، بل بوصفه اختبارًا عمليًا للقوّة الكامِنة في الإعلام ودوره في صناعَة اللحظة. لم يكن الاختلاف الجوهريّ في هذه التجربة في حجم الجريمة، ولا في عُمق الخوف، فذلك واقع قائم منذ سنوات. لكن ما اختلَفَ هو طريقة الخِطاب، وكيف انتقل الموضوع مِن هامِش التّغطية المتكرّرة إلى قَلب الأَجندة الإعلامية. فجأةً، لم نَعُد أَمام أرقام وضحايا مَجهولين، بل أمام وَجه إنسانيّ واضح: علي زبيدات.
في ليلة عشرين كانون الثاني/ يناير وبخطوة شجاعةٍ وجديدة على المَشهد قال زبيدات ببساطة:" أنا لا أستَطيع الاستمرار"، وذلك بعد إطلاق النار على متاجِره أكثر من مرّة خلال الفترة السابقة، وأعلَن إغلاق محلّاته الثلاثة الذي لم يكن في الواقع فِعلَ استسلام، بل فعلَ مواجهة، لم يَظهَر فيه كضحية تَستجدي التّعاطف، لكنّ الرّجل أَدرَك أنّه قد يخسَر مصدر رزقه ويعرّض أهلَه وأقرباءَه والموظفين لديه للخطر، وقرّر ألا يختبئ خلف الخوف. هذه اللغة غير المتوسّلة وغير الشّعبوية هي التي كَسَرت الهيمنة السائِدة على الخطاب في ما يخصّ الجريمة.
كانت خطوة زبيدات كفيلة باستقطاب النّاس، فَسَرعان ما أَعلَن أصحاب مصالح آخرون في سخنين مواقفَ مشابهة في الليلة ذاتها، بينهم خالد أبو صالح، وشادي زبيدات، ممن تعرّضوا لإطلاق نار وتهديدات ومَطالب بدفع الأتاوة (الخاوة) وآخرون. في جميع هذه الحالات، تكرّر المَشهد ذاته: شكاوى قُدّمت للشرطة، دون أيّ استجابة فعلية. حوّل تّجاهل الشرطة المتراكِم الخوفَ الفرديّ إلى شُعور جَماعي بأنّ الصمت لم يَعُد خيارًا. من هنا، انتقلت الشّرارة بسرعة. خلال ساعات، أَعلَنت لجان أولياء أمور الطّلاب ومصالح تجارية أُخرى في مدينة سخنين الإضراب، وانضمّ إليهم محامون وأطباء وأكاديميون. وسرعان ما توسّع الحراك الاحتجاجي ليمتدّ من سخنين إلى بلدات عربيّة أخرى، مدفوعًا بزَخَم وسائل التّواصل الاجتماعي، قَبل أن تتلقّفه وسائل الإعلام التقليديّة، في مَشهَد عَكَس حالة من الاحتقان والجهوزية الشعبية لكَسر دائرة الصّمت والتمرّد على حالة العَجز.
سخنين، كغيرها من البلدات العربية، تَعيش هذا الواقع منذ سنوات. ومع تَصاعد نفوذ عصابات الإجرام وسيطرتها على الحيّز العام في غالبية بلداتنا الفلسطينية في الداخل، باتَت جرائم إطلاق النار جزءًا من مَشهد الحياة اليومي لتجتاز الخطوط الحمراء كافة: إطلاق نار يوميّ يستهدف الرّجل والمرأة والكهل والطفل، في وضَح النهار، في الشارع العام، بمحاذاة المدارس والمساجد وداخل البيوت وساحاتها. في العام الماضي وحدَه قُتل ٢٥٢ شخصًا بينهم ٢٣ امرأة في عام اعتُبر الأَكثَر دمويّة على الإطلاق؛ فضلًا عن مئات المصابين، ومنذ مَطلع العام الذي لم نختم شهره الأول قُتل ٢٠ شخصًا حتى كتابة هذه السطور.
في ظلّ هذا الواقع الخَطير وتواطُؤ الحكومة وتقاعُس الشرطة التي لا تُحرّك ساكنًا فَتَحمِل مسؤولياتها لوقف شلال الدّم في بلداتنا، لم يَعُد الخوف استثناءً، بل قاعدة تَحكُم قرارات الناس، وأوقات عملهم، وحتى تفكيرهم في البقاء أو الرّحيل، في إغلاق مَصادر رزقهم أو نقلها لبلدات أخرى، في البقاء في البيت أو الخروج لمخبَز أو الترفيه عن النفس دقائقَ معدودةُ بعد دراسة.. إلخ، بلا هاجس الخوف من الموت قتلًا برصاصة متعمدة أو طائشة!
بَلَغَ هذا الحِراك ذروَته في مُظاهرة قُطرية حاشدة في الثاني والعشرين من كانون الثاني/ يناير، أي بعد يومين فقط من هذا الحراك، قُدّر عدد المشاركين في هذه المظاهرة بأكثر من مئة ألف من النساء والشابات والشباب والرجال كبارًا وصغارًا، وُصفت بأنّها الأكبر منذ أكثر من عقد من الزمن، وتحديدًا منذ العام ٢٠١٤ عندما خرجت الجماهير الفلسطينية في الداخل للاحتجاج ضد الحرب على غزة في مظاهرات حاشدة في القدس والناصرة وحيفا.
اللافت أن هذه المظاهرة لم تكن ثمرة تنسيق سياسيّ مسبَق، بل جاءَت في وقت كانت فيه الأحزاب العربية غارقة في خِلافات وانقسامات امتدت أشهرًا. فقد اجتمعت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية بعد المظاهرة في بلدية سخنين، وبعد مُشادات كلامية وخطاباتٍ وضغطٍ وتوترٍ كبيرين وقّع رؤساء الأحزاب العربية الأربعة: الجبهة، التجمّع، العربية للتّغيير، والقائمة العربية الموحَّدة على وثيقة مبدئية للالتزام بإعادة إقامة القائمة المشتركة، بعد أن كان هذا الملف مجمّدًا بسبب خلافات عميقة، وبعد أن تبادلوا تُهَم تعطيل هذا التّحالف.
عمليًا ما حَدَث في سخنين هو أنّ الشارع فرَض أمرًا واقعًا على القيادات السياسية. حِراك بدأَ من القاعدة، بلا قيادة حزبيّة، وأَجبَر الجميع على اللحاق به. لم يتوقف هذا الضغط الشعبي عند المظاهَرَة، بل تُرجم سياسيًا لاحقًا لاجتماعات للقيادات المحليّة في بلدية سخنين، ولاحقًا في لجنة متابعة قضايا الجماهير العربية التي باركت الخطوات الاحتجاجية التي انطلقت في سخنين لتنضمّ إليها لاحقًا في الإعلان عن المظاهرة القُطرية الحاشدة بعد هذا الحراك بيومين.
رأى كثيرون في هذه الخُطوة استجابة متأخّرة لإرادة الناس، خاصة أن هذا التّوقيع جاءَ بَعد ضغطٍ من الموجودين في الاجتماع، الذين نَجَحوا في فَرض ما عَجِزت عنه القيادات في الغُرف المغلَقة. بالنسبة لهم، بات واضحًا أن الاتحاد في مواجَهَة هذه الحكومة الفاشيّة هو الخيار السياسي الوحيد القادر على محاصَرَتها، وأن هذه الورقة، رغم هشاشَتها، هي الورقة الأخيرة المتاحَة أمام مجتمع يفتقِر لحقّه الأساسي في الأمان والحياة.
لكنّ هذا التحوّل يَطرح سؤالًا أبعَد من اللحظة نفسها: هل ما جرى طفرة عاطفيّة عابرة، أَم بداية مسار؟ هُنا تحديدًا يَظهر الفرق بين الإعلام كَحَدث، والإعلام كعمليّة مستدامة. فالقصص الإنسانية قادرة على إشعال اللحظة، لكنّها لا تكفي وَحدها لضمان الاستمرارية. من دون خطّة، ومرجعيّة، وبوصَلَة واضحة، يُمكِن لأيّ شَرارة أَن تَخفِت بالسّرعة نفسها التي اشتعَلَت بها.
هُنا يأتي دَور القيادات. ليس بوصفها مُنقِذة، بل بوصفها جهة راعية للمَسار، قادرة على تَحويل الزَّخم إلى رؤية، والغَضَب إلى برنامج عمل. يستطيع الإعلام أن يَفتح الباب، وأن يُضيء الطريق، لكنّه لا يَستطيع أن يَسير فيه وحدَه. إذا لم تُلتَقَط هذه اللحظة، وإذا لم تُبْنَ على أَساسها خطّة واضحة، فإن خَطَر العودة إلى أنماط التّغطية المُعتادة، وإلى عدّ الضحايا، وإلى تقاعُس السلطة، والقيادات التي يَستَعصي عليها تقديم الحلول العملية، سيظل قائمًا.
ما أثبَتته تجربة سخنين هو أن الإعلام، حين يَخرج من رتابة التّغطية المتكرّرة، وحين يَبحث عن القصص وأهل القضية عوضًا عن انتظار البيانات الجاهزة، فسيكون قادرًا على المساهمة في اغتنام دَوره المتوخىّ، في التِقاط اللحظة، وربما في إفساح المجال لظهور قيادات جَديدة أصيلة مؤثّرة تتحدّث بلسان حال الناس، وتحظى بثقتهم، وقادرة على إحداث تغيير. السؤال المطروح الآن ليس فيما إذا كان الإعلام قادرًا على ذلك، بل ما إذا كانَت القيادات مستعدّة لتحمّل مسؤولية ما بَدَأ، وعَدم تركه يتحوّل إلى طَفرة عابرة في ذاكرة مزدَحِمة بالأحداث.
تصوير: الصحفي محمد خليلية.




