ثمنُ الرفض: حين يجعل الحرمان الاقتصادي قولَ "لا" مكلفًا

"تعتمد الحرية الفكرية على مقوّمات مادية»، هكذا كتبت فرجينيا وولف في كتابها «غرفة تخص المرء وحده" عام 1929،[1] مستحضرةً تاريخًا طويلًا من الحرمان الاقتصادي الذي قيّد قدرة النساء على التفكير والإبداع والاستقلال. وبعد ما يقارب قرنًا على هذه الكلمات، ما زالت العلاقة بين الحرية والموارد المادية تطرح سؤالًا يتجاوز حدود الأدب: إلى أي مدى تستطيع المرأة ممارسة حقوقها واتخاذ قراراتها حين تفتقر إلى المقومات الاقتصادية التي تضمن استقلالها؟ فالحرية لا تُقاس بما تكفله القوانين من حقوق فحسب، بل بالقدرة الفعلية على ممارستها.
بين الحق في الاختيار والقدرة على تحمّل تبعاته، تتشكل مساحة واسعة من التبعية والحرمان، قد تتحول فيها الحاجة الاقتصادية إلى وسيلة سيطرة وإخضاع، دون أن يُمارَس عنف ظاهر أو يُفرَض منع صريح. فقد تتردد امرأة في ترك وظيفة تُهان فيها لأنها لا تملك مدخرات تعيش منها. وقد تستمر أخرى في علاقة مؤذية لأن السكن والنفقة مرتبطان بمن يؤذيها. وثمة من تتقاضى راتبًا، لكن قرار إنفاقه ليس بيدها. ليست هذه الصور متطابقة، ولا يصح اختزالها جميعًا في الفقر؛ ما يجمعها هو أن السيطرة على الموارد، أو انعدام البديل، قد تحوّل حق الاختيار إلى حق يصعب استعماله.
تعرّف الأمم المتحدة الإساءة الاقتصادية بأنها ممارسات ترمي إلى جعل الشخص معتمدًا ماليًا على غيره، من خلال التحكم في موارده أو حجب المال عنه أو منعه من العمل والتعليم. ولا ينبغي الخلط بين هذا النوع من العنف والضائقة الاقتصادية التي قد تصيب الأسرة بأكملها؛[2] غير أن هذه الضائقة قد تُعمّق اختلال موازين القوة داخل الأسرة، فتمنح الطرف الأقوى اقتصاديًا قدرة أكبر على فرض شروطه، وتُضعف قدرة الطرف الآخر على الاعتراض أو اتخاذ قرارات مستقلة.
في فلسطين، يصعب عزل هذه العلاقات عن اقتصاد تشتد عليه القيود السياسية. فالاحتلال الإسرائيلي لا يقيّد حركة الناس والبضائع وإمكان الوصول إلى الأرض والأسواق فحسب، بل يطال شروط تكوين الدخل أصلًا.
وقد عمّقت الحرب على غزة هذا الاختلال بتدمير البيوت وسبل الرزق، فيما جعلت الأزمة المالية في الضفة الغربية الأمان الاقتصادي أكثر هشاشة. ومن الخطأ القول إن أثر ذلك يقتصر على النساء؛ والأدق أنه يصيب مجتمعًا تتفاوت فيه مسبقًا ملكية الموارد والفرص والمسؤوليات بين النساء والرجال.
تكشف الأرقام هذا التفاوت، ففي الربع الثاني من عام 2026، بلغت مشاركة النساء في القوى العاملة في الضفة الغربية 17.9%، مقابل 71% للرجال، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وفي الربع الأخير من عام 2025، كانت 31% من العاملات بأجر في القطاع الخاص يتقاضين أقل من الحد الأدنى للأجور، مقابل 10% من العاملين الرجال.[3] لا تقيس هذه النسب العنف الاقتصادي مباشرة، لكنها تدل على فجوة في الوصول إلى الدخل وشروط العمل؛ وهي فجوة يصبح أثرها أشد حين تحتاج امرأة إلى الاستقلال أو إلى الخروج من وضع مؤذٍ.
في غزة، حيث فُقدت مصادر العيش على نطاق واسع، أظهر الجهاز المركزي للإحصاء أن البطالة بين النساء المشاركات في القوى العاملة وصلت إلى 92% خلال أيلول وتشرين الأول 2025.[4] وراء هذه النسبة سؤال لا يستوعبه مؤشر البطالة: كيف تدبّر امرأة احتياجات أسرتها، وتحمي أطفالها، وتحتفظ بقدر من السيطرة على حياتها حين يضيق الدخل وتغيب المساكن الآمنة وتنهار الخدمات؟
غير أن الافتقار إلى الأجر لا يعني غياب العمل. ففي البيوت عمل يومي لا يَظهر في كشوف الرواتب: رعاية الأطفال، ومتابعة المرضى وكبار السن، وتدبير شؤون المنزل. وتؤدي النساء حصة كبيرة من هذا العمل، الذي يتسع في أوقات النزوح وشحّ الخدمات. وحين تتحمل المرأة هذه المسؤوليات وحدها، تقل الساعات التي يمكن أن تخصصها لعمل مأجور أو دراسة، فيغدو اعتمادها المالي على الآخرين أشد رسوخًا. لذلك، فإن توفير فرص التشغيل -من دون توفير رعاية ميسورة للأطفال، وتقاسم أكثر عدلًا للمسؤوليات- لا يعالج سوى جزء من المشكلة ويترك أساسها قائمًا.
على مستوى آخر، تختبئ آثار الأزمة في مفردات السياسة المالية. يُقال: عجزٌ في الإيرادات، وتعثرٌ في التحويلات، ورواتبٌ جزئية، ومتأخرات. وهي أوصاف دقيقة لواقع عام، لكنها لا تخبرنا كيف تُتخذ القرارات داخل الأسرة عندما لا يكفي الدخل: مَن يؤجل علاجه؟ ومَن ينسحب من عمله ليعتني بالأطفال؟ ومَن يزداد اعتماده على دخل شخص آخر؟ هذه ليست نتائج محتومة لكل أسرة، لكنها أسئلة ينبغي أن تظهر في تقييم أثر السياسات، لا أن تُترك لما يسمى «تدبير شؤون البيت أو الحياة».
لهذا، لا يكفي أن نقيس تمكين النساء بعدد الدورات التدريبية أو المشروعات الصغيرة. فقد تحصل امرأة على قرض من دون أن تمتلك قرار استخدامه، وقد تعمل سنوات من دون أن تدخر مبلغًا يتيح لها الاستقلال، وقد تملك حقًا في الميراث لا تستطيع المطالبة به. المعيار الأجدى هو قدرتها على الوصول إلى مورد مستقر، والتحكم فيه، والاحتفاظ به، واللجوء إلى حماية قانونية واجتماعية حين تتعرض للضغط أو الاستغلال.
وتطرح المساعدات الإنسانية والتنموية امتحانًا لا يقل أهمية: هل تصل الموارد إلى المرأة ذاتها، أم تمر عبر وسيط أسري أو مؤسسي؟ وهل توسّع المشروعات الممولة خياراتها بعد انقضاء الدعم، أم تجعلها أكثر ارتباطًا بمساعدات متقطعة؟ لا يقلل طرح هذه الأسئلة من ضرورة الإغاثة في زمن الحرب؛ بل يذكّر بأن الاستجابة العاجلة والتعافي الاقتصادي لا ينبغي أن ينفصلا عن مسألة ملكية الموارد وحق التصرف بها.
إن مكافحة العنف الاقتصادي تتطلب إنفاذ حقوق العمل والميراث والملكية، وحماية اجتماعية لا تجعل النجاة رهينة الدخل العائلي، وخدمات رعاية تخفف العبء غير المدفوع، وسياسات تعافٍ وإعادة إعمار تُصغي إلى النساء بوصفهن صاحبات قرار. والأهم أن يُنظر إلى الأمن الاقتصادي باعتباره شرطًا لممارسة الحقوق، لا مكافأة تأتي بعدها.
فالمرأة قد تعرف حقها جيدًا، وقد تملك الشجاعة للدفاع عنه، لكنها تظل محاصرة إذا كان ثمن اعتراضها فقدان المسكن أو الراتب أو الحد الأدنى من الأمان. العنف هنا لا يحتاج إلى صوت مرتفع؛ يكفي أن يصبح الرفض خيارًا لا تستطيع دفع كلفته.
المراجع:
[1] فرجينيا وولف، غرفة تخص المرء وحده، (لندن: Hogarth Press، 1929)، ص 162–163.
[2] What Is Domestic Abuse? | United Nations (استرجعت بتاريخ 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2026)
[3] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني | الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع المرأة الفلسطينية بمناسبة يوم المرأة العالمي، 2026/03/08 (استرجعت بتاريخ 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2026)
[4] المصدر أعلاه.

فيروز شحرور
كاتبة فلسطينية في قضايا التنمية والسياسات العامة والأدب. تعمل في القطاع العام الفلسطيني في مجال التعاون الدولي وإدارة برامج التنمية. صدر لها كتابان. تحمل درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة.



