الرُّكام يَحْجُبُ الأُستوديو.. ويُعيد تَعريفَ النُّخبَة والمؤثّرين

لو توقَّفتَ لحظة وسألتَ نفسك خلال العامين الماضيين: كم مرّة جلستَ أمام شاشة التلفاز، وكم مرّة فتحتَ شاشة هاتفك دون تفكير؟ كم مرّة استمعتَ إلى خطاب قيادي مضبوط الكلمات، وكم مرّة تابعت بثًا مباشرًا لمواطن غزيّ أشعَث أغبَر مِن قلب النار؟ شاهدتَ طبيبًا يَشرح ما يحدث وهو يَعمل؟ استمعتَ إلى مسعف يتكلّم وهو ينقل الجرحى؟ تابعتَ صحافيًا ميدانيًا يَصِف يومه كما هو؟ انجذبَ انتباهك إلى الصَّوت الأَقرَب للتجربة؟ شَعَرت أن هذا الصوت أصدَق. عند هذه النقطة بدأَ التحوّل وأعاد ترتيب موقِع الإعلام وتأثيره، كما أَعادَ تعريف النُخبة والمؤثّر.

تفترض المقالة أنّ حرب الإبادة على غزة كَشَفت تراجُع قدرة الإعلام على إنتاج النُخَب، وعمّقَت الفجوة بينها وبين المجتَمَع. وتؤكّد أن التأثير والشرعيّة انتقلا إلى مَن يُشارِك في الحَدَث ويَعيش الميدان لا إلى من يمتلِك المنصّة ويحتلّ الشّاشة.

منذ اندلاع حرب الإبادَة على غزة (2023) لم يَعُد المشهد الإعلامي كما كان. تغيّر موقع المتكلّم وتبدّلت علاقة الجمهور بالصَّوت الذي يتلَقاه. لم يَعُد السؤال من يتحدّث أفضل؛ بل من يتحدّث من داخل التجربة، وبين شاشَة الاستوديو وشاشَة الهاتف انفتح فَرْق جوهري، وبدأت معادلة التأثير تُعيد ترتيب نفسها على نحو غير مسبوق.

خلال العامين الماضيين، وَجَد المتلقّي نفسه أَمامَ مشهد مزدوَج. خِطابات مُحكمة الصياغة تُبث من أستوديوهات مجهّزة بأحدث المعدّات، يقابلها بثّ يخرج من قَلب النار. شاهَدَ الناس أطباء يشرَحون وهم يعمَلون، ومُسعِفين يتكلمون أثناء نقل الجَرحى، وصحافيين يصِفون أيامهم كما عاشوها. مع هذا التّراكم، انجذَب الانتباه إلى الصوت الأقرب للتجربة، وتقدّم الإحساس بأن الصّدق لم يَعُد مسأَلَة أسلوب بل مسأَلَة موقع.

يعمل الإعلام التقليدي مستندًا إلى سلطة مؤسَّسية طويلة الأمد. افترض أن دورَه الطبيعي يتمثّل في تَفسير الحدَث وضَبط معناه وتوجيه فَهمه العام. غير أنّ هذا الافتراض اصطدم بواقع ميداني سبَق الخطاب وفَرَض سرديّاته دون انتظار. لم يَعُد التفسير اللاحق قادرًا على احتواء الفِعل الجاري، ولا استطاعَت اللغة المعدّة مسبقًا اللحاق بإيقاع الإبادة اليومية.

لم يقتَصر هذا الارتباك على أَدوات التغطية أو سُرعة النّقل، بل طال الأساس الذي قام عليه تصوّر المصداقيّة ذاته. تَراجع الاعتقاد بأن الظّهور المنتظَم يمنَح الشرعية، والتحكّم في الصورة يكفي لصناعة الثّقة. في هذا المَقام ظَهَر خلل بنيوي في العلاقة بين الإعلام والنخبة، وتوسّعت الفجوة بين من يشرَح الواقع ومن يَعيش تبِعاته.

أدّت المؤسسات الإعلامية الكبرى دور الوسيط الحصري بين الحدَث والجمهور. امتلكت سلطة الاختيار والفَرز وحدَّدت مَن يتكلّم ومن يُستبعد، وصاغَت نُخَبَها عبر التكرار والانضباط اللغوي. راكَمَت الشرعية بوصفها استمرارية مؤسَّسية لا بوصفها تماسًا مباشرًا مع الواقع. خِلال الحرب، قدّمت هذه المؤسسات أَخبارَها وفق أَجِنداتها لكنّها عجِزت عن نقل التجربة كاملة.

جزّأ الإعلام التقليديّ الحَدَث وفَصَل عناصره عن بعضها. عَرَض الفعل البطولي أحيانًا دون كلفته، وقدّم المعاناة أحيانًا أخرى دون سياق الصّمود والبطولة. فَصَل البطولة عن الضحيّة ثم عاد أحيانًا ليعرض الضحيّة مجرّدة من أيّ قدرة على الفعل. نتج عن ذلك سرد ناقص لم يُشبِه ما عاشه الناس في الميدان، ولم يلامِس إحساسَهُم اليوميّ بالخَطَر والاستمرار.

في الجهة المقابِلَة، خَرَجَت الوَقائع مِن غزة دون إذن مؤسّسي. بثّ الأفراد ما عاشوه لحظة بلحظة ونقلوا الخوف والعمل والإنهاك كما هي. لم ينتظروا موافقَة تحريرية ولم يبحثوا عن إطار تفسيريّ جاهز. انهارَت فكرة التحكّم الكامل في التدفق الإعلامي وتآكلت عمليًا نظرية وَضْع الأجندة إذ لم يَعُد الإعلام يحدّد أولويات التفكير العام؛ بل صار يتفاعَل مع أجندة تشكّلت خارجه.

تحوّل الطبيب والمسعِف والصحافي الميداني إلى مَرجعيات في الوعي العام. لم يتعامل الجمهور معهم بوصفِهِم ناقلين للخَبر فحسب؛ بل بوصفهم أصواتًا للحقيقة. استمدّوا هذه المكانة من الاستمرار تحت القصف والعمل داخل الخطر والبقاء في قلْب الحدَث رغم الكُلفة المتراكمة.

لم تَصْنَع هذه المكانة مواردُ ولا تدريب إعلامي ولا حضور مؤسسي، إنّما صنعها الفعل اليومي والمعايشة الطويلة والقدرة على الاستمرار في العطاء في ذروة الحصار. ربط الناس بصورة تلقائية بين التّضحية والصدق وتشكّلت علاقة ثقة مباشرة لا تَمرّ عبر وسطاء، ولا تحتاج إلى تصديق رسمي.

رافق هذا التحوّل تغيّر واضح في اللغة البَصَرية. فَقَدَت الصورة المعقَّمة قدرتها على الإقناع وتراجَعَت قيمَة الإضاءة المتقَنَة والصّوت النقي. تقدّم الوَجه المتعَب والصوت المبحوح والحركة المرتبكة بوصفها علامات صدق لا مؤشّرات ضعف. تغيّر معيار التّصديق من جودة الإخراج إلى صِدق الموقِع، ومن الإتقان الشكلي إلى الحضور الفعلي داخل الحدث.

أَضعَفَ هذا الواقع منطق التسويق السياسي التقليدي. فَقَدَت الرسائل المُصاغة بعناية تأثيرها السريع وعَجِز الخطاب المعدّ مسبقًا عن مجاراة الوقائع اليومية. سَبَق الفعل الميداني اللغة وكَشَف حدودها وبدا الخطاب المنفَصِل عن التجربة فارغًا أمام صُوَر الحياة والموت تحت القصف.

في ضوء ذلك، تصدّعت الهيمنة السردية الغربية خلال الحرب بصورة واضحة. لَم يظهر الفلسطيني بوصفه موضوعًا للشرح أو حالة إنسانية تنتظر التّفسير؛ بل فاعلًا يتكلّم عن نفسِه ويحدّد لغته ومصطلحاته ويوثّق يومه كما يَعيشه. فَرَض حضوره داخل الفضاء العام العالميّ دون وَساطَة، وتَراجَع دور المعلّق الخارجي أَمام صَوت الدّاخل وانكسر احتكار الحديث باسم الآخر.

وَجَدَت النخب السياسية والإعلامية التقليدية نفسها في موقع دفاعيّ. فَقَدَ خطاب التبرير قوّتَه أمام الفعل الإنساني المباشر، وتَراجَع أثر البيانات والمؤتمرات أمام مَشاهد الحياة اليومية. لم يَعُد الجمهور يُتابع مَن يدير الحَدَث لغويًا بل مَن يتحمّل عبأه ويدفع الثَّمن ويستمر داخله.

لا يَقتصر هذا التحوّل على الحالة الفلسطينية. تكْشِف حرب غزة نمطًا أوسع في علاقة الإعلام بصناعة النُخَب في لحظات الأحداث الكبرى. لم تَعُد الشرعية تُبنى عبر الظهور المتكرّر أو الاعتراف المتبادَل بين المؤسسات. تُبنى اليوم عبر الاشتِباك المباشِر في الحَدَث والاستعداد لِدَفع الكُلفة والبَقاء داخل التجربة لا فَوقها.

في هذا السّياق، تتراجَع سُلطة المؤسّسات الإعلامية الكُبرى تدريجيًا، ويتقدّم شَكل جَديد منَ النُّخب يتكوّن ببطء داخل الحياة اليوميّة. نُخبَة تعتَمِد على الفِعل والحُضور والاستمرارية لا على التّفويض ولا على المَوقِع. يُعاد تَعريف النخبة والتأثير بوصفها ممارسة مستمرة تتشكّل داخِل التجربة وتكتَسِب مشروعيّتها مِنَ الصّدق لا مِن الاستوديو واللغة المنمَّقة.


صورة للصحفي أنس الشريف كما انتشرت في شبكات التواصل الإجتماعية.

استعمال الصورة بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات ل [email protected].

ياسر منّاع

باحث متخصص في الشأن الإسرائيلي، ومرشح لنيل درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من جامعة بيرزيت.

رأيك يهمنا