شريهان.. الوقوف مجددًا على ساق واحدة

لم تفقد طفلتيها فقط خلال حرب الإبادة على قطاع غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بل فقدت ساقها أيضًا، في لحظة واحدة، انتزع القصف منها أجزاءً من حياتها، وتركها أمام واقع جديد تحاول فيه أن تتعلّم الوقوف مجددًا؛ لا على ساق واحدة فحسب، بل بإرادة تحاول بها ترميم ما حطمته الحرب.
اليوم، تخوض هذه الأم معركة مختلفة على أرض الملعب. ترتدي قميص فريق جمعية فلسطين لكرة القدم للبتر، وتركض بما تبقى لديها من قوة، تلاحق الكرة كأنها تستعيد شيئًا من حياتها التي سُلبت منها. لم تعد حكايتها محصورة في الخسارات التي عاشتها، بل أصبحت رحلة تحاول فيها أن تجعل من الألم بداية جديدة.
لم تتخيل شريهان عيد (32 عامًا) يومًا أن تجد نفسها أمام خسارتين غيّرتا حياتها إلى الأبد: فقدان طفلتيها اللتين كانتا تشكّلان عالمها، وبتر ساقها التي طالما حملتها في تفاصيل حياتها اليومية.
كانت شريهان تعيش حياة مستقرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة، وتحيط بها طفلاتها الأربع اللواتي شكّلن عالمها الجميل. مع اندلاع الحرب، ازدادت حياتها قسوة، شأنها شأن حياة آلاف العائلات في القطاع، وعلى الرغم من الظروف الصعبة، فقد كانت تحاول طمأنتهن واحتواء خوفهن، حتى يتمكنّ من الخلود إلى النوم.
في إحدى الليالي الشتوية القاسية، باغت القصف المدرسة التي نزحت إليها شريهان برفقة عائلتها بعدما تعرّض منزلهم للقصف. تتذكر تلك الأيام قائلة: «بعد تعرض بيتنا للقصف، خشيت كثيرًا على أطفالي وعائلتي، وسرعان ما اتخذت قرارًا بالنزوح إلى إحدى المدارس، فالحرب كانت مشتعلة».
وتتابع: «في تلك الليلة العصيبة، كان القصف متواصلًا في كل مكان، وكانت طفلاتي في حالة نفسية صعبة، حاولت تهدئتهن وساعدتهن على النوم. وما إن بدأن يغِططن في النوم حتى دوّى انفجار كبير، بعثر كل شيء من حولنا».
تصمت شريهان برهة، ثم تتنهد بعمق، وكأنها تستعيد المشهد من جديد: «كان المكان مغبرًا لحظة القصف، ولم أستطع الرؤية. سمعت صوت طفلتيّ حلا (8 أعوام)، ولانا (12 عامًا)، وهما تناديان: ماما، ماما. حاولت طمأنتهما بأنني ما زلت على قيد الحياة، لكنني لم أسمع صوت طفلتيّ الأخريين، جنا ولمار، فأدركت حينها أن مكروهًا قد أصابهما».
تستحضر شريهان تلك اللحظات العصيبة، قائلة إنها كانت تنتظر أي استجابة من جنا ولمار، قبل أن يشتد الألم في ساقها، لتكتشف لاحقًا أنها أُصيبت إصابة بالغة أدت إلى بتر ساقها، إثر شظية أصابت المكان الذي كانت تحتمي فيه.
كانت شريهان تبكي من شدة الألم، فيما تحاول العثور على طفلتيها. تقول: «كانت حلا ولانا تبكيان بينما أحاول طمأنتهما وأردّد أنني ما زلت على قيد الحياة. وبعد محاولات الأهالي إخماد الحريق وإنقاذ المصابين، علمت أن القصف قذف بابنتي جنا إلى خيام بعيدة، فيما كانت لمار قد فارقت الحياة».
بعد تلقي العلاج ومغادرة المستشفى، عاشت شريهان فترة قاسية، مثقلة بألم الفقد ومرارة الفراق، وسط ظروف النزوح داخل خيمتها. وإلى جانب حزنها على طفلتيها، وجدت نفسها أمام واقع جديد فرضته الإعاقة، في مجتمع قد ينظر بقسوة إلى امرأة شابة تتحرك مستندة إلى عكازين، لكنها لم تستسلم لهذا الواقع، وقررت خوض تجربة جديدة بحثًا عن مساحة تستعيد فيها ثقتها بنفسها وقدرتها على ممارسة الحياة.
تسترجع شريهان بداية رحلتها مع كرة القدم للبتر، قائلة: «في إحدى المرات، وبينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، شاهدت فريقًا من لاعبات كرة القدم المبتورات وهن يمارسن اللعبة. أحببت أن أشاركهن، فتواصلت مع جمعية فلسطين، وحصلت على الموافقة. في البداية، كنت أفكر: كيف سأتمكن من اللعب؟ وكيف سأتفاعل مع اللاعبات؟».
حظيت شريهان بدعم زوجها، الذي وقف إلى جانبها وشجّعها على تجاوز هذه المرحلة الصعبة، فانضمت إلى فريق كرة القدم للبتر، وبدأت خوض تجربة جديدة لم تكن تتوقع أن تمنحها كل هذا القدر من السعادة.
وتوضح: «لم أكن أتوقع أن أشعر بكل هذه السعادة من خلال ممارسة كرة القدم للبتر. تعرّفت إلى اللاعبات، وشاركت في الحصص التدريبية معهن، وأصبحت أنتظر موعد التدريب التالي. شعرت بأنني قادرة على فعل أشياء كبيرة وذات قيمة من خلال كرة القدم».
لكن السعادة التي تجدها شريهان في الملعب لا تنفصل عن حزنها على طفلتيها اللتين فقدتهما خلال الحرب. وتقول بنبرة حزينة: «أنا اليوم هنا لأكمل رسالة طفلتيّ اللتين استشهدتا. كانتا تحبان الرياضة، وكانت جنا تقوم بحركات بهلوانية ورياضية، فتتسلق أبواب البيت والنوافذ، وتؤدي بعض حركات الجمباز، وكانت تريد مني أن أشاركها ذلك».
من ذكريات طفلتيها اللتين أحبتا الرياضة، إلى تجربتها الشخصية داخل الملعب، بدأت شريهان تخوض فصلًا جديدًا من حياتها؛ لم تعد تكتفي بمشاهدة اللاعبات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت واحدة منهن، ترتدي قميص الفريق وتشارك زميلاتها التدريبات، وتكتشف تدريجيًا ما تستطيع تحقيقه رغم فقدان ساقها.
تستعيد شريهان ذكرياتها عن تدريبها الأول مع الفريق، قائلة: «في البداية، كنت أخشى السقوط وفقدان التوازن، وكنت أتصور أنني لن أتمكن من تنفيذ المهارات المطلوبة. لكن الدعم الذي تلقيته من اللاعبات والمدربات في الجمعية عزز إصراري على التعلم والاستمرار. ومع مرور الوقت، أصبحت أجيد بعض المهارات، وشهد مستواي الرياضي تحسنًا ملحوظًا، وأصبحت أشعر بأنني قادرة على تطوير قدراتي كلاعبة».
![]() | ![]() | ![]() |
|---|
بعد انتهاء التدريب، تعود شريهان إلى خيمتها بنشاط متجدد، حاملةً معها آمالًا تتطلع إلى تحقيقها في المستقبل. فهي تطمح إلى تطوير مستواها الرياضي، والمشاركة في البطولات الخارجية، وتمثيل فلسطين في منافسات كرة القدم للبتر.
تصطحب شريهان طفلتها حلا معها إلى التدريبات، حيث تتابع والدتها عن قرب، وتحرص على تصويرها بهاتفها المحمول وهي تركل الكرة وتركض في الملعب. تبدو حلا سعيدة وهي تشاهد والدتها تخوض تجربتها الرياضية، في مشهد يعكس جانبًا من العلاقة الداعمة بينهما، ويمنح شريهان شعورًا أكبر بالثقة والأمان.
![]() |
|---|
تضيء حالة شريهان الوجه الإنساني لخسارة البتر، وتكشف لنا أن وراء كلّ رقم حكاية، وعالَمًا شخصيًا حميمًا دَمّرته الحرب، وتعكس لنا عمق المأساة الكامن وراء هول الأرقام: تفيد منظمة الصحة العالمية أن عدد حالات بتر الأطراف الناجمة عن الإصابات المرتبطة بالحرب تجاوز 5,000 حالة حتى ربيع 2026.[1] وأن من بين 2,300 شخص مبتور جرى تقييمهم بين أيلول/ سبتمبر 2024 وأيار/ مايو 2026، حصل نحو 500 فقط على أطراف اصطناعية دائمة، وفق التقرير الأممي الذي نقل تقديرات منظمة الصحة العالمية.
وقد أظهرت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة في غزة في اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أن الحرب خلفت 6 آلاف حالة بتر بحاجة إلى برامج تأهيل عاجلة طويلة الأمد، 25% من بين إجمالي هذه الحالات أطفال يواجهون إعاقات دائمة في سن مبكرة.[2]
على الصعيد الرياضي، خلّفت الحرب أضرارًا واسعة في القطاع الرياضي الفلسطيني بغزة. ووفقًا لتقرير أصدره الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في مارس/ آذار الماضي، قُتل 1,007 من أفراد الأسرة الرياضية في غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بينهم لاعبون ومدربون وحكام وإداريون وعاملون في المجال الرياضي.[3]
لم تسلم المنشآت الرياضية من الدمار الذي طال مختلف أنحاء القطاع، وقد أفاد الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بتضرر 265 منشأة رياضية أو تدميرها بالكامل جراء الهجمات الإسرائيلية، وتشمل هذه المنشآت ملاعب كرة القدم والصالات الرياضية ومباني الأندية والمسابح وغيرها من مرافق البنية التحتية الرياضية. كما تضررت معظم الملاعب الرئيسة في غزة، فيما استُخدمت بعض المنشآت ملاجئ للعائلات النازحة.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد أعلن في فبراير/ شباط عن شراكة تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية لكرة القدم في غزة. [4]ووفقًا للتقارير، تتضمن الخطة إنشاء 50 ملعبًا صغيرًا ضمن مشروع «ملاعب فيفا»، وخمسة ملاعب كاملة الحجم، وأكاديمية لكرة القدم، وملعب وطني يتسع لنحو 20 ألف متفرج. كما تعهّد الاتحاد بدعم البرامج المجتمعية والتنموية المرتبطة بالرياضة، إلى جانب المساهمة في إعادة تأهيل قطاع كرة القدم، لكن التعهدات بقيت مجرّد إعلان لم يجد طريقه إلى أرض الواقع، كشأن تعهدات كثيرة تنتظرها غزة في المجالات كافة.
المراجع:
[1] https://www.emro.who.int/opt/news/one-in-four-injuries-in-gaza-is-life-changing-while-rehabilitation-services-struggle-to-keep-pace-who-reports.html?utm
[2] https://t.me/s/MOHMediaGaza?before=7184&utm
[3] https://t.me/s/MOHMediaGaza?before=7184&utm
[4] https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=1821946992012119&id=100025905066559&rdid=zxkrUGwl6BXmUcLX#

نيللي المصري
صحافية وباحثة رياضية؛ مصورة؛ حاصلة على جوائز عديدة في الإعلام الرياضي، عضو نقابة الصحافيين الفلسطينيين.







