ترامب والفُكاهَة السّياسيّة: كَيف تَحوّلَت السُّخريَة إلى أَداة قِيادَة وتَأثير؟

مُنذ دخوِله الحياةَ السياسية، شكّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة استثنائيّة في عالَم القيادة السياسية. فبينما اعتاد الناس رؤيَة السياسيين وهُم يتحدّثون بلغة رسميّة وحذِرة ولبِقة، ظهَر ترامب بأسلوب مختلف يقوم على السّخرية والنّكات والتّعليقات اللاذعة، حتى أصبَح هذا الأسلوب جزءًا أساسيًّا من هويّته السياسية. تَراه أحيانًا يعلّق بسخرية غير متوقّعة على زعماء دول، أو يتهجّم على أحد الصحافيين شخصيًّا ويحطّ من مكانته بدون أيّ ضوابط. ردودُ أفعاله جَعلته إنسانًا لا يمكن توقُّعَه أو يمكن توقُّع كلّ شيء منه، وغالبًا يصُعب على المحلّلين تحليل تصريحاته وفهمها أصلًا. والسؤال الذي يَطرح نفسه: كيف يمكِن تفسير هذا النّمط نفسيًا؟ ولماذا يَلقى قبولًا واسعًا، خاصة لدى فئات الشباب؟

يَتّفق الكثيرون من المهنيّين على تَشخيص شخصية ترامب باضطراب الشخصية النرجسيّة – Narcissistic Personality Disorder ومن أهمّ صفات صاحب هذا الاضطراب هو الاستمتاع عند التّقليل من شأن الآخرين بهدَف تَعظيم الذّات. فهو لا يرى الآخرين واحتياجاتهم، ولا يَرى الأَذى الذي يشعُرونَه جرّاء التهكّم والسّخرية منهم، مما يشجّعه على الاستمرار بهذا الأسلوب. بل على العكس، فهو قد يشعُر بالنّشوة من رؤية الآخرين في حالة ضعف وعجز.

مِن منظور علم النّفس، تُعتبر الفُكاهة إحدى أدَوات التّأثير الاجتماعي القويّة. فالإنسان بطبيعته يَنجذب ويَميل إلى الأشخاص الذين يُضحِكونه أو يشعرونه بالمتعَة. وعندما يَستخدم القائد الفُكاهة بشكل متكرّر، فإنه يُقلل المسافة النفسيّة بينه وبين جمهوره، ويبدو أقل رسمية وأكثر قربًا من الناس. أدرَك ترامب هذه الحقيقة مبكرًا، فحوّل الخطاب السياسي من لغة النخَب التقليديّة إلى لغة أقرب إلى أحاديث الحياة اليومية.

تفسِّر بعض النظريّات النفسيّة نجاح هذا الأسلوب من خلال ما يُعرف بـ "كسْر التوقّعات". فالجمهور يتوقّع من السياسي أن يكون متحفظًا ودبلوماسيًا، لكن عندما يفاجئهم ترامب بتعليق ساخر أو نكتةِ غير متوقَّعة، فإنه يجذب الانتباه فورًا. يميل الدماغ البشريّ إلى التّركيز على الأحداث غير المألوفة أكثر من الرسائل التقليديّة، لذلك كانت تصريحاته تَنتشر بسرعة أكبر من تصريحات خصومِه.

كما أن السّخرية تَمنح صاحبها شعورًا بالقوة والسيطرة. ففي العديد من المناسَبات استخدم ترامب الألقاب الساخِرة تجاه منافسيه أو منتقديه. ومن الناحية النفسيّة، فإن السّخرية هنا لا تؤدي فقط وظيفةَ الترفيه، بل تصبح وسيلةً لإعادة تشكيل صورة الخَصم في أذهان الجمهور. فبدلًا من مناقشَة الأفكار والسياسات، يتحوّل التركيز إلى صورة ذهنية مبسَّطة يَسهل تذُّكرها وتداولها.

لا يَرتبط نجاح هذا الأسلوب بالفكاهة وحدها، بل بشخصية ترامب نفسها. فهو يقدّم نفسه كشخص واثق، مباشِر، وغير خاضع للقواعد التقليديّة. تتوافَق هذه الصفات مع ما يسميّه علماء النفس "شخصيّة التحديّ"؛ أيّ الشخصية التي تبدو مستعدَّة لمواجهَة المؤسَّسات والأعراف السائدة. وفي فترات القلَق الاجتماعي أو الاقتصادي، يَنجذب بعض الناس إلى هذا النوع من الشخصيات لأنّها تمنحهم إحساسًا بالحسم والقوة.

أمّا بالنسبة للشباب، فهناك أسباب عدّة تَجعَل هذا الأسلوب جذابًا ومثيرًا لهم. أولًا، نشأَ الجيل الحالي في بيئة رقميّة تَعتمد على السرعة والاختصار والمحتوى الترفيهي. أصبحت الخطابات الطويلة والمعقّدة مملةً وأقلّ جاذبيّة مقارنة بالرسائل القصيرة الساخرة التي يُمكن مشاركتها بسهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن أسلوب ترامب يتوافَق مع طبيعة المنصّات الرقميّة التي تُكافئ المحتوى المثير والمختلِف. ثانيًا، يَرى بعض الشباب في السخرية شكلًا من أشكال التمرّد على السلطة التقليدية. وعندما يسخَر سياسي من خصومه أو من المؤسّسات القائمة، فإنه يبدو للبعض كأنّه يتحدّى النظام القائم، حتى وإن كان هو نفسه جزءًا من ذلك النظام. هذا الشعور بالتمرّد يَمنح الخِطاب السياسي جاذبيّة إضافية لدى الفئات الشابة.

كذلك، يمكن القول إن تصريحاتِه المفاجِئة وغير المتوقّعة تَخلِق جدلًا وإثارة مقابل التصريحات التقليدية التي تبدو باردة ومملّة وغير مشوقة. يُحاكي هذا الخطاب لُغة العصر التي تُشجّع السطحيّة والسخرية كردّة فعل مضادة للآفة المتعِبة والمنهِكة التي تُسمى "التفكير المُفرط – Over Thinking" الذي يُعاني منه قسم كبير جدًا من فئة الشباب. أمّا الجانب المتهكّم والساخر الذي يميّز أصحاب القوة "غير الأخلاقية" مثل رؤساء العصابات وغيرهم فهو يُعطي انطباعًا بالقوّة والنفوذ، وهي إحدى حاجات المراهقين البارزة بمواجهَة مشاعر الضّياع والفشل وقلّة الحيلة، المشاعر التي يَشعر بها جيل الشباب في أوقات متقاربة. فالتّماهي مع شخصه وأسلوبه قد يُشعرهم بالقوة والسيطرة الوهمّيين.

أمّا في العالم العربي، فإن تأثير هذا النموذج يبدو أكثر تعقيدًا. فالكثير من الشباب العربي يعيش في بيئة سياسية واجتماعية وأسريّة دكتاتورية ومتسلّطة وقد ذوَّت جيل الشباب هذا النمَط وأصبح مُركّبًا مألوفًا في "وعيهم"، فتراهم ينجذبون لمثل هذه الشخصيّات (مسلسل باب الحارة هو نموذج لهذه الرّغبة والانجذاب). 

أعتقد كذلك، أن الشباب العربي ومنذ عقود متعطّش لشخصية الزعيم والقائد الذي يجذب وراءَه الملايين في ظلّ حالة الضّعف والانحطاط التي يعيشُها العالم العربي منذ قرون، وبهذا تجذبُه شخصية زعيم يَبثّ النفوذ والسلطان.

 زِد على ذلك، الخطاب السياسي الرسميّ في العالم العربي جافّ ومُكرّر، وعندما يشاهِد الشباب شخصية سياسية عالمية تتحدّث بطريقة مباشرة وساخرة، قد يَشعر بأنها أكثر صدقًا أو عفويّة من السياسيين التقليديين. ولا نَنسى أن ثقافة النكات والتعليقات الساخرة منتشرة بقوة في المجتمعات العربية، مما يَجعل هذا النوع من التواصل مألوفًا وقريبًا من الجمهور.

د. عامر جرايسي

معالج ومحلل نفسي وموجه أهالي

رأيك يهمنا