النَّكبَةُ تَحْدُثُ في "التّغريبَة"!

تَكمُن مُعجزة هذا العمل؛ أي التّغريبة الفلسطينية للمخرج حاتم علي، والكاتب وليد سيف، بنجاحِه في انتزاع النّكبة مِن رُفوف المؤرّخين، وأقلام الكاتبين، وريشات الفنّانين، وإعادتها إلى مكانها الطبيعيّ على هيئة بيتٍ يُهدم، وأُمٍّ تنتظر، وطفلٍ يَكبُر قبْل أَوانه، ورجلٍ يكتشف أنّ الوطن ليس قطعةَ أرض، بل الشيء الوحيد الذي لا يُمكن تعويضُه.
لسنوات طويلة، تَعامَل الخطاب العربي مع فلسطين كما نتعامَل مع المناسَبات الوطنية، من خلال خطابات رتيبة، وأناشيد محفوظة، وشِعارات تُعرف نهايتُها قبل أن تَبدأ، حتى أصبحَت النكبة، عند كثيرين، حدثًا محفوظًا أكثَر منها جَرحًا محسوسًا. ثُم، ودون سابق إنذار، جاء مسلسل التّغريبة الفلسطينية، وقال شيئًا بسيطًا جدًا: دَعوا الناس يحبّون الشخصيات أولًا... ثم اسلبوهم أوطانَهم!
هذه هي ضَربَة العبقرية. لأنّ الإنسان لا يَبكي على التاريخ، بل يَبكي على البَشَر، لهذا، بَكى الفلسطيني نفسُه، الفلسطينيُّ حافظُ النكبة وتفاصيلها عن ظَهر قلب، والذي يعرف أسماء القرى المدمّرة والمهجّرة كما يعرف أسماء والديه وأبنائه، ولم يبكِ لأنّه اكتشف معلومَة جديدة، بل لأنّه رأى الحقيقة التي يعرفُها وقد تحوَّلت إلى لَحمٍ ودَم، ورأى النكبة لا كعنوان في كتاب، بل ككارثة تَحدُث أَمامَه من جديد، بالقَسوة نفسها، والعَجز نفسه.
أمّا العربي، فقد وَجَد نفسه للمرّة الأولى لا يتعاطَف مع "القضية" التي درَسَها، بل مع العائلة التي أصبح يُشاهدها، مع الأخ الذي يَبحث عن أخيه، والأم التي تخبّئ خوفها، والشاب الذي يظنّ أنّ البطولة ستسبق الفاجعة بخُطوة، ثم يَكتشف أن الفاجِعة كانت أَسرَع، وهكذا فَعَل العمل ما عَجِزَت عنه عشرات الخُطب السياسية.... وَحَّدَ العرب، لا حَول شعار، بل حول دَمعة، وهذا أصعَبُ بكثير، لأنّ الشعارات يُصفَّق لها، أَمّا الدّموع فلا تَكذب.
لعَلَّ تحت المجهر في هذا العدد يوّحدنا مجددًا، بدموعٍ، آن لها أن تكونَ دموعَ فرح...
ولعلّ الرّسالة الأعمَق التي تَرَكها المسلسل ليس فقَط ما حصَل لنا، بل كيف نَستطيع إيقافه الآن وغدًا؛ وكما قال ابن البرغوثي: "كلّها مُمكن... فإذا لم يَخذل بعضنا بعضًا...".
بإمكانكم مشاهدة المسلسل على منصة يوتيوب.




