حين يصبح الرحيل امتيازًا لا تملكه النساء

نستكشف في "تحت المجهر" لهذا العدد مبادرةً تُسلّط الضوء على العنف الاقتصادي الذي تتعرّض له المرأة. ونحن نعلم أن المال يقود إلى القوة، والقوة تقود إلى النفوذ، والنفوذ يقود إلى السلطة. ولعلّ أحد تعريفات السلطة هو القدرة على التحكّم بشيء، أو مكان، أو شخص، أو حتى عقل. لكن ماذا يحدث حين تصبح هذه المعادلة أكثر تعقيدًا؟ حين لا يكون المال وسيلةً للتحرّر، بل سببًا إضافيًا للأَسر؟ وحين تجد المرأة نفسها عالقةً في حياةٍ ساهمت في بنائها، لأنّ ما قدّمته بحبّ، أو تحمّلته من أجل شريكها، أصبح اليوم عبئًا يجعل الخروج أصعب؟
المفارقة أنّ بعض النساء لا يفقدن حريتهنّ رغم ما قدّمنه، بل أحيانًا بسبب ما قدّمنه. مالٌ ادّخرنه لسنوات، أو مشروعٌ ساهمن في بنائه، أو ديونٌ تحمّلنها لمساعدة الشريك، أو تنازلاتٌ ظنن أنّها جزءٌ من الشراكة والحياة المشتركة. أشياء بدأت بوصفها تعبيرًا عن الثقة، وانتهت، في بعض الحالات، إلى قيودٍ يصعب الفكاك منها. فكيف يمكن لشيءٍ بُني على الحبّ أن يتحوّل إلى سببٍ للبقاء في علاقةٍ لم يعد الحبّ فيها كافيًا؟ وكيف يصبح ثمن الرحيل أعلى من قدرة المرأة على دفعه؟
لعلّنا اعتدنا أن نرى العنف في صورته الأكثر وضوحًا؛ في صفعةٍ، أو تهديدٍ، أو إصابةٍ يصعب إخفاؤها. لكن ثمة عنف لا يحتاج إلى رفع الصوت، ولا يترك أثرًا على الجسد، بل يتسلّل إلى تفاصيل الحياة حتى يصبح جزءًا منها، يتمثّل ذلك في المال الذي لا تستطيع المرأة التصرّف به، والعمل الذي تؤدّيه من دون أن يُعترف بقيمته، والالتزامات المالية التي تربطها بعلاقةٍ لم تعد تريد الاستمرار فيها. عنفٌ قد لا يبدو عنفًا لمن ينظر إليه من الخارج، لكنه قد يَرسم، بصمت، حدود حياةٍ كاملة.
من هنا تأتي أهمية مبادرة "أصوات خفيّة"(Hidden Voices)، التي توثّق تجارب نساء في فلسطين والأردن ولبنان وتونس، وتقترب من العلاقة بين المال والسلطة والعنف داخل الأسرة والمجتمع. لا تبحث المبادرة عن حكاياتٍ استثنائية بقدر ما تفتح نافذةً على تجارب قد تكون أقرب إلينا مما نظنّ؛ تجارب لا تبدأ بالضرورة باعتداءٍ واضح، بل قد تبدأ بتنازلٍ صغير، أو اعتمادٍ اقتصاديّ يبدو طبيعيًا، أو قرارٍ تتخذه الأسرة نيابةً عن المرأة، إلى أن تجد نفسها أمام واقعٍ لا تملك فيه من الخيارات ما يكفي لتغيير حياتها.
ولعلّ أكثر ما يستحقّ التأمّل هنا أنّنا كثيرًا ما نسأل المرأة لماذا بقيت، ونادرًا ما نسأل عمّا يجعل الرحيل بهذه الصعوبة. نرى الباب مفتوحًا، ولا نرى ما وراءه: بيتًا قد تخسره، وأطفالًا تخشى عليهم، والتزاماتٍ مالية لا تستطيع التخلّص منها، ومستقبلًا لا تعرف كيف ستواجهه وحدها. ثمّ نطلب منها أن تكون شجاعة، كأنّ الشجاعة وحدها تدفع الإيجار، وتسدد الديون، وتضمن سقفًا آمنًا لمن تحبّ.
إنّ المشكلة ليست في المال بحدّ ذاته، ولا في أن يتقاسم الشريكان المسؤوليات أو يعتمد أحدهما على الآخر؛ فالحياة المشتركة تقوم، في جانبٍ منها، على هذا التبادل. تبدأ المشكلة حين يفقد أحد الطرفين حقّه في الاختيار، وحين تتحوّل المساهمة إلى التزامٍ لا يمكن التراجع عنه، أو يتحوّل الإنفاق إلى وسيلةٍ لفرض الطاعة، أو يصبح الاحتياج الاقتصاديّ ثمنًا للصمت. عندها، لا تعود المسألة مسألة مَن يملك المال أكثر، بل مَن يملك القرار، ومَن يستطيع أن يقول "لا" من دون أن يخسر حياته كلّها.
لعلّ "أصوات خفيّة" تذكّرنا بأنّ وراء كلّ حديثٍ عن الاستقلال الاقتصادي حكاياتٍ لا تختصرها الأرقام، ووراء كلّ امرأةٍ يُطلب منها أن تغادر علاقةً مؤذية حساباتٌ قد لا يعرفها أحدٌ سواها. وأنّ فهم العنف لا يبدأ بالحكم على قرارات النساء، بل بمحاولة فهم الظروف التي اتُّخذت فيها تلك القرارات، والخيارات التي كانت متاحةً لهنّ فعلًا، لا تلك التي نتخيّل أنّها كانت متاحة.
فربّما لا يكون السؤال الأهمّ هو: لماذا لم تغادر المرأة، بل كيف وصلنا إلى مجتمعٍ قد تضطرّ فيه امرأةٌ إلى الاختيار بين كرامتها وأمانها الاقتصاديّ؟ وكيف يمكن أن نطالبها بالحرية، بينما لا نزال نتجاهل كلفة الحصول عليها؟
لقراءة المزيد عن المبادرة: اضغط/ي هنا.




