كيف نقرأ جرائم قتل النساء الفلسطينيات داخل إسرائيل؟

لم تعد جرائم قتل النساء الفلسطينيات داخل إسرائيل ظاهرة يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث جنائية منفردة، بل أصبحت قضية اجتماعية وأمنية عميقة تكشف عن أزمات متشابكة في بنية المجتمع، ومنظومة إنفاذ القانون، وانتشار الجريمة المنظمة.
إن فهم هذه الظاهرة يتطلّب تجاوز الخطاب العام الذي يدين القتل والانتقال إلى تحليل جذور الجريمة ودوافعها وتصنيف أنماطها، وبناء سياسات وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ نمط.
وفقًا للمعطيات الواردة في المادة التي أعددتها حول الموضوع قُتلت 300 امرأة في إسرائيل منذ عام 2016 وحتى أيلول/ سبتمبر 2026، منهن 160 امرأة عربية، أي ما يقارب 53% من مجموع الضحايا، رغم أن النساء العربيات يشكلن نحو 21% من المجتمع الإسرائيلي (مركز الأبحاث والمعطيات في الكنيست)، كما تشير المعطيات نفسها إلى أن نحو 46% من جرائم قتل النساء العربيات خلال الفترة المذكورة لم تُكشف ملابساتها أو لم تُقدَّم لوائح اتهام بشأنها، مقارنة بنحو 9% في المجتمع اليهودي (Israeli Observatory on Femicide).
تستدعي هذه الفجوة اهتمامًا خاصًا والتحقّق من أسبابها من خلال متابعة عمل الجهات المسؤولة عن مكافحة الجريمة، خصوصًا الشرطة والنيابة العامة.
من وجهة نظر علم الإجرام، يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط أساسية لجرائم قتل النساء الفلسطينيات داخل إسرائيل، مع التأكيد على أنها تختلف من حيث الدوافع والفاعلين والظروف المحيطة بالجريمة، لكنها تلتقي في النتيجة المأساوية ذاتها، وهي استباحة حياة المرأة وحرمانها من حقها الأساسي في الأمن والحياة.
أولًا: القتل الناتج عن العنف داخل العائلة
يتمثل النمط الأول في جرائم قتل النساء نتيجة العنف داخل الأسرة، حيث يكون الجاني في كثير من الحالات أحد أفراد العائلة أو المحيط القريب للضحية، وقد ترتبط هذه الجرائم بصراعات أسرية أو محاولات السيطرة على المرأة ورفض استقلاليتها وقراراتها، حيث يتصاعد العنف داخل العائلة إلى مستويات القتل المتعمد.
لا يمكن تفسير هذا النمط بمجرد وصفه بأنه خلاف عائلي، فالخلاف لا يبرر القتل والعائلة لا يجوز أن تتحول إلى مساحة يُنتهك فيها حق المرأة في الحياة والأمان. يعكس بعض هذه الجرائم ثقافة السيطرة والتملك والتعامل مع المرأة باعتبارها موضوعًا للوصاية بدلًا من الاعتراف بها إنسانًا مستقلًا يمتلك حقوقًا متساوية مع الرجل.
تكمن خطورة هذا النمط في أن العنف قد يبدأ بالإهانة والتهديد والتقييد، ثم يتطور تدريجيًا إلى الاعتداء الجسدي وصولًا إلى القتل، خصوصًا عندما تُهمَل إشارات الخطر، ولا تتوفر حماية فعالة للضحية.
لذلك، تتطلب مواجهة هذا النوع من الجرائم توفير آليات آمنة لتبليغ السلطات وتقييم مدى الخطورة بهدف حماية النساء المهددات، إلى جانب تعزيز برامج التوعية المجتمعية وتطوير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي. كما ينبغي التعامل بجدية مع التهديدات السابقة وعدم اعتبارها مجرد خلافات خاصة لا تستدعي التدخّل.
ثانيًا: قتل النساء انتقامًا من أفراد عائلاتهن المرتبطين بعالم الجريمة
يتمثل النمط الثاني في قتل النساء أو استهدافهن بهدف الانتقام من أحد أفراد العائلة المرتبطين بعالم الجريمة المنظمة، في هذا السياق قد تكون الضحية بعيدة تمامًا عن النشاط الإجرامي ولا تربطها بالجريمة سوى صلة القرابة بالجاني المستهدف أو بالشخص الذي يراد الانتقام منه.
يكشف هذا النمط عن منطق إجرامي خطير تُستخدم فيه المرأة وسيلة ضغط وتهديد أو تصفية حسابات، وبدلًا من أن تقتصر المواجهة بين أطراف الصراع الإجرامي على مرتكبيه تمتد إلى أفراد عائلاتهم الذين يتحولون إلى أهداف سهلة بسبب هويتهم العائلية.
تكمن خطورة هذه الجرائم في أنها توسّع دائرة الضحايا لتشمل أشخاصًا لا علاقة لهم بالنشاط الإجرامي، وتحوّل الأسرة إلى ساحة صراع بين المنظمات الإجرامية. بالإضافة إلى أنها تعمّق شعور الخوف والعجز داخل المجتمع، وتكرّس القناعة بأن الانتماء العائلي وحده قد يعرّض الإنسان للقتل من عصابات الإجرام.
تستوجب مواجهة هذا النمط تطوير قدرات الشرطة في جمع المعلومات الاستخباراتية وحماية العائلات المهددة وتحديد دوائر الانتقام المحتملة. هنا التدخل المبكر مهم جدًا عند وجود تهديدات واقعية، لأن حماية المرأة في هذه الحالات لا تنفصل عن مكافحة الجريمة المنظمة، لكنها تتطلب أيضًا إدراك أن المرأة ضحية محتملة، وليست مسؤولة عن أفعال أقاربها.
ثالثًا: قتل النساء المرتبطات مباشرة بعالم الجريمة
يختلف النمط الثالث عن سابقَيه، إذ إنه يتعلق بنساء تربطهن علاقة مباشرة بعالم الجريمة، سواء من خلال تقديم المساعدة لمنظمات إجرامية أو المشاركة في أنشطة تخدم مصالحها وأيضًا الانخراط في شبكاتها بصورة أو بأخرى. وقد تصبح هؤلاء النساء أهدافًا للقتل أو محاولات القتل نتيجة صراعات داخلية أو تصفية حسابات وخلافات تتعلق بالمصالح والنفوذ.
إن الاعتراف بوجود هذا النمط ضروري لفهم الصورة الكاملة، لكنه لا يعني تبرير قتل الضحايا أو الانتقاص من حقهن في الحياة والحماية القانونية، لأن المسؤولية الجنائية، حتى لو ثبتت تُحدَّد وفق القانون والإجراءات القضائية، ولا تمنح أي طرف حق تنفيذ عقوبة خارج إطار القضاء.
يكشف هذا النمط عن اتساع نفوذ الجريمة المنظمة، وقدرتها على استقطاب أشخاص من فئات مختلفة، وخطورة البيئة التي تتحول فيها العلاقات الشخصية والمالية إلى أدوات للصراع والتهديد والقتل.
تتطلب المواجهة هنا الجمع بين التحقيقات المهنية وملاحقة الشبكات الإجرامية حتى تجفيف مصادر تمويلها وتوفير مسارات آمنة للانسحاب من هذه البيئة الخطرة، هذا إلى جانب برامج وقائية واجتماعية تمنع الاستقطاب وتحدّ من إعادة إنتاج العنف.
في الختام لا مكافحة فعالة دون فهم الأسباب
تؤكد الأنماط الثلاثة أن جرائم قتل النساء الفلسطينيات داخل إسرائيل ليست ظاهرة متجانسة ولا يمكن مواجهتها بخطة واحدة تعتمد على الشعارات أو ردود الفعل المؤقتة. فالعنف داخل الأسرة يحتاج إلى حماية مبكرة وتغيير اجتماعي، والقتل الانتقامي يستوجب حماية العائلات ومواجهة شبكات الجريمة المنظمة، أما الجرائم المرتبطة مباشرة بالنشاط الإجرامي فتتطلب تحقيقات متخصصة وملاحقة قانونية فعالة.
لكن العامل المشترك بين هذه الأنماط هو ضرورة ضمان حق كل امرأة في الحياة والأمان بمعزل عن خلفيتها العائلية أو الاجتماعية أو علاقاتها السابقة. ولا يجوز تحميل الضحايا مسؤولية الجرائم المرتكبة بحقهن.
إن مواجهة هذه الآفة الاجتماعية مسؤولية مشتركة تتطلب شرطة فعالة وسياسات حكومية جدية، ومؤسسات اجتماعية وتعليمية قادرة على التدخل، ومجتمعًا يرفض تبرير العنف والتستر عليه.
نقطة البداية الحقيقية ليست السؤال عن كيفية التعامل مع الجريمة بعد وقوعها فحسب، بل كيف نمنع وقوعها أصلًا، ولا يمكن تحقيق ذلك دون فهم عميق لدوافع القتل والتمييز بين أنماطه، ومحاسبة الجناة، وضمان ألا تبقى حياة النساء الفلسطينيات رهينة للعنف الأسري أو الانتقام الإجرامي أو نفوذ الجريمة المنظمة.




