أَوقِدُوا الشُّموع في جَنَباتِ "الفَضاء الأَزرَق"!

سردياّت كبرى، جمعٌ له مفرَد، والمفرد متشعِّب ومتعدّد، الرؤى الصُغرى صارَت كُبرى، فهل كان المجد للأكثر تداولًا، واستبصارًا، وقولبة، ومنهجية؟!، ماذا يعني التحرّر؟ أَهو العدالة؟! أو ماذا يُقصد بالعدالة؟ أَهي تحرّر على مَقاسٍ ما؟ هل كان المَقاس يناسب الجميع؟ أَم الجميعُ أَقصِدُ المصطفين - وهم غيرُنا من الناس- يقومون بدور الآمر الناهي، واضعين على الخطأ ألف صحّ بقلم أزرقَ لا يجفّ حبره!! حبرٌ لم يكن يُبقي ولا يذرَ، فقد اكتفينا بمتن أجوف يُرمى لنا ونُعيد تدويره بما يناسب رقميّة عصرنا، فهل هذا ما رضيَت عنه السرديات العظمى وبشَّرت بدوامه؟! أليسَ دوام الحال من المُحال؟ مثلٌ أنا أقلّبه في عقلي يمنةً ويسرة لكن عبثًا ... 

يعني نحن صِرنا ترندًا: تخيّلوا نحن هاشتاج، نحن مسحةَ تطهير للصفحات الزرقاء أو البيضاء الإلكترونية، هذا ما حصَل عليه العالَم أجمَع من سرديات نُظّر لها كثيرًا وقليلًا، وكُتب حولَها حشدٌ كبير من العبارات ذات الخطّ العريض، والتفّ حول رقبة السردية جمع غفير من المؤيدين، وكانوا متزمّتين، لا رجعة لهم عن رؤيتهم لما آمنوا به، ونحنُ قومٌ أبناء مسرّات وأفراح صغيرة، تدثّرنا بين الكتب ذاتَ بردٍ معرفيّ، وحفظنا ما كان فيها كخاتمة مسرحيّة ذات إيقاع سريالي واكتفينا، ولم نقُل نَجّنا مما نخاف ونحذَر وانطلقنا فرحين بما أُوتينا.. صغيرًا وكبيرًا.. شابًا وكهلًا.. رجلًا وامرأة. لكُم أن تتخيّلوا في صدورنا وصدور العالَمين نحمل شارة النجاة نمشي مطمئنين آمنين لا لغط، لا تكرار، لا إعادة نظر، نبتسم ونضَع نقطة آخر كلّ سطر، وسطورنا كلّها سكّر..  نحن آمنون، فقد كنّا نقطر يقينًا والعالم يقطر اضطرابًا ولُجّة تنتهي من لُجّة بدأت..

نحن أحرار حسب ناموسنا وليس حسب ما أقرّه العالَم الذي لا يعلم عنّا شيئًا إلا لمامًا..  فمن سرق منّا حريتنا المسروقة؟ من خطف من أرواحنا الروح اليقظة المتقافِزة؟ أين ذهبت زعيق باعة الخُردة والخضروات الفواكه؟ أين ذهب ضجيج الفجر الهادئ؟ كيف رحلَتْ الشرائط الملوّنة من أمام أعيننا؟ متى ستعود إلينا حياتنا؟ من بقي منّا؟ طيّب أين قبورنا التي بنيناها وما صرنا إليها؟ كيف صار الليل نهارًا ونهارُنا لعنة فرعونية لا تهدأ؟ لماذا أرى في طرقنا الوعرة المسلّات؟ من أين أتى القناصون؟ من سمَح بتدريس موسيقى عزف الموت؟ 

عفوًا أنا السائلة، ظُنوا بي خيرًا، كلّ ما أُريده تدوين أجوبة والرجوع لقائمة المصادر والمراجع والترندات، أُريد أجوبة ...!  فـسَلوا قلبي.. القوم مشغولون بوضع لايك كومنت اكسلبور هذا أَقصى خيرُ ما سَعَت إليه قَدم..  هذه هي الحقيقة، فهل ينكر أحدٌ ذلك؟ 

صرنا مثل أرخميدس، مشغولين بحلّ قضية شائكة تخصّ الملك، لكن قضاياه كانت فيزيائية ونحن قِصصنا روحية المقام، هو وجد حلًا لمعضلته ونحن لسنا أقل شأنًا منه وجدنا حلًا أيضًا، لكننا لسنا ملوكًا، والتنفيذ قيدَ قيود كثيرة، لم نقل يوريكيا يوريكيا، أَسكتونا، قالوا سنعيد النظر في الموضوع، بل في القضايا العالقة التي لا حلّ لها لو اجتمع لها كلّ أصحاب القلوب الواصلين المتّصلين بالله العلي القدير، لأنّ سدنَة التحرّر وأصحاب العدالة، تركوا لنا حرية أن نسمي أطفالنا باسم عدلات أو ما شابه، ولم يدعوا لنا التفكير: هل كنّا أحرارًا أم أوهمنا نفسنا بما نُمني به قلوبنا ذات لحظة؟

يا سيدي..

المرايا ما أكثرَها، ما أجملها، هل رأيتموها مثلَنا، أَم أنها لا تتجلّى أمامكم لأنكم أيضًا مثلها؟!

 نحن إن شئت القول كنّا نَحلات لا تفتُر، ساعين على بقاء شهْدنا دون إِبَر، لكن القدر له رأي آخر، مثل كثير من حوادثه التي نعلمها ولا نعلم حكمتها... يا ويلي: قالوا سلّطوا الضوء عليها، دعوهم يطرحوا الأسئلة فهي حريّتهم، ومن العدل السماع لهم ومناقشتهم، لا مشكلة عندنا، فالوقت ملك الله، ونحن نخشى الله، ونعمل بما يرضيه هو، لا ما يُرضينا.. ودعوا مناصريهم يعبّرون عن قلقهم واستنكارهم، لا ضَير عندنا، فالقانون ينصّ على كذا وكذا في مواده الكثيرة.. فمَن ناصرهم ومَن كان نصيرهم؟ هل هم واضعو البنود العريضة أم متلقّون لها؟

 لا مشكلة إن أشعَلوا الشّموع في مواقع التواصل الاجتماعي، لكن.. نكّلوا بهم إن تعدّى هذا الرأي إلى غير ذلك، أليسَ هذا ما كنّا نراه؟ ووثّقته كاميرا العدالة التي تحفَظ ما يريدونه هم.. أمّا الكاميرات الخاصة بنا، تتلف قدرًا إن شاء غيرنا البحث في فحواها.. ويتركون لنا مهمّة تصليحها وإعادة إعمارها، إلى أن تَعود قادرة على العمل، نكون تحت بند "سيُعاد النظر في الأمر"، هناك قضايا أهمّ: مثل حرية فتح ملاهٍ قام المشاغبون بحملة إلكترونية لتعكير صفو مديرها لأنّها وقعت في مدينة بعيدة عنهم، لا تقلقوا.. كما وعدناكم، نحن على الوعد، ووعد الحرّ دين!

نجول مرّة أخرى، باستخدام عدسَة محدّبة، ونقف أمام العالم ممسكين بها، ونقول انظروا هذا وقعها على قلوبنا، فهل كان أَثَرها عليكم مثلما رأت عيونكم؟ أم أنّكم مَسَكتم عدسة مقعرة إلى أن تلاشَت وتلاشوا وتلاشينا؟! وتخرّ لكم "الجبابِر صاغرينا" لأنّكم بدأتم بإمساك طرفٍ أصغر من الصغير، من الحكايات المعروضة على الملأ، لكن يا أسفي وأسفكم: تبقى صورة في مرآة والمرآة انعكاس للواقع، وأنتُم شغافُ قلوبكم النظر في المرايا والعدسات، والحقيقة تَبقى حبيسة اللسان، واللسان ليس مرآة.. لكن لا تأخذوا على خاطركم، هناك بودكاست، هناك مايكات.. قولوا ما شئتم، فهل أزعجكم هذا؟!  وحقّ ما آمنتم به لن نستخدم مرايانا، بل سنزوركم أرضًا لنتحقق، فالتحقيق له أدواته وأصوله، والكلام لا يؤخَذ على عاتق الجديةّ، نحن نخاف الله، ربما أقوالكم كذب وزور وبهتان.

مروة أبو سمعان

باحثة فلسطينية في مجال الأدب والنقد الحديث، كاتبة لقصيدة النثر ذات الطابع الفلسفي.

رأيك يهمنا