الذَّكاء الاصطِناعي وسُؤال المَعرِفَة الفِلِسطينيّة

في بداية هذا المَقال، نؤكّد على أنّ هذه ليست دعوةً لرفضِ الذكاء الاصطناعي أو الانسحاب في عَصر الرّقمنَة، لا يُمكن الانسحاب أَمام الثورات والتحوّلات العالميّة، تحديدًا الرقميّة التي قد تُوازي الثورة الصناعية في مرحلتها، هذه التحوّلات قائمة والعالَم يواكبُها، لكن تَبقى المسؤوليّة الأساسيّة في كيفيّة تحويل الأدوات الرقميّة إلى أدوات نافعة ومهمّة واستخدامها في موقعِها الصّحيح. المطلوب هو أن نُعيد تَرتيب العَلاقة معها، وأن يبدأَ الإنسان من ذاته، ثم قد يَستعين بها. بالتالي، تقَع على الفلسطيني مسؤوليّة مستمرّة في أن يَبني سؤالَه، ثم يوسّع احتمالات الإجابة، في التعليم والإعلام والبَحث والعمل الأهلي، مما يَدفعنا إلى بناء قواعد أخلاقية ومعرفية واضحة تَمنع تحوّل الأداة إلى بَديل عن الفَهم، وتَحفظ مسؤوليّة الإنسان في التحقّق والتّسمية والنّقد.

يَشهَد العالم تحولًا عميقًا في علاقة الإنسان بالأداة الرقميّة، فالتكنولوجيا التي استخدمها البشَر طويلًا لتخفيف العبء الجسديّ وتنظيم العمل وتَسريع الحساب، باتت اليوم تَقترب من أكثر مناطق الإنسان حساسيّة، وهي قُدرته على التفكير والنقد وإنتاج المعرفة.

 لم يَعُد الذكاء الاصطناعي التوليديّ مجرّد وسيلة تَختصر الوقت أو تُرتّب النّصوص، بل أصبح أداة قادرة على التدخّل في صياغة الأفكار واللغة والحجج والسرديّات. ويمكن القَول إن خُطورة ذلك تَكمُن في قُدرته على إعادة تشكيل علاقتنا بالتّفكير بحدّ ذاته.

في السّياق الفلسطيني، لا يمكن التّعامل مع هذا التحوّل بوصفه شأنًا تقنيًا عامًا أو محايدًا، فالفلسطيني لا يُنتج معرفته في ظروف عاديّة، ولا يَكتب حكايتُه من موقع مستقرّ أو آمن، بل يفعل ذلك في مواجهَة نظام قديم قائم على المَحو، والتّشويه، والاقتلاع، والسّيطرة على الأرض والذاكرة واللغة. لذلك، فإنّ أيّ أداة تتدخّل في إنتاج المعرفة والمعَنى لا تكون مجرّد وسيلة مساعَدة، بل تصبح جزءًا من سؤال سياسي ومعرفيّ أكبر يتعلّق بمن يملك حقّ "إنتاج الحقيقة"، ومن يَكتب الحكاية، ومن يَصوغ صورة الفلسطيني في العالَم.

تَبدأ المشكلة حين لا يَبقى الذكاء الاصطناعي أَداةً تُستخدم بَعد التفكير، بل يصبح مدخلًا سابقًا عليه. ويصبح التخوّف في السياق الفلسطيني أنّه حين يواجِه الفرد سؤالًا، قد لا يبدأ من تجربته أو ذاكرته أو قراءَته أو احتكاكه بالناس، بل من إجابة جاهزة تُولّدها الخوارزمية. وهنا قد تتحوّل الأداة من أداة تَختصر الوقت إلى أداة تَختصر المسافة التي يتبلوَر فيها الوعي. حيث أنّ الخطأ، والحيرة، والتردّد، وإعادة المحاوَلة؛ ليست عوائق أَمام المعرفة، بل هي جزء من بنائها. وحين يَجري تَجاوز هذه المسافة باستمرار، يَفقد الفرد شيئًا من لياقته الذهنيّة ومن ثقته بقُدرته على إنتاج الفكرة من داخل تجربته.

يَفتح هذا التحوّل الباب أَمام ما يمكن تسميته بالاعتماد المعرفيّ الخوارزميّ، حيث لا يَعود المستخدِم صانعًا أوليًا للمعرفة، بل يصبح مراجعًا لمُخرجات صيغَت من آلة رقمية. ويتحوّل دوره إلى الإضافة والحَذف والتّعديل، ولا يخوض بالضرورة تجربة التّفكير كاملة. مع الوقت، قد تتراجَع مهارات المراجَعة والنقد والتّركيز، لأنّ العقل لا يتحصّن بالنتائج الجاهزة، بل بالجُهد الذي يسبقُها. تبقى المعرفة التي لا تمرّ عبر التّعب غالبًا معرفة هشّة، جميلة في شكلها، لكنّها ضعيفة الصّلة بالتجربة التي يفترض أن تعبّر عنها.

تتضاعَف هذه الخطورة فلسطينيًا لأنّ السرديّة الفلسطينية كانت دائمًا ميدانًا للصراع، والأفكار والأدبيّات ليسَت بريئة حين يتعلّق الأمر بفلسطين في ظلّ السياق الاستعماري. وليست المسألَة أن الخَوارزمية تَعجز دائمًا عن إنتاج نصّ جيد، على العكس، قد تُنتج نصًا أنيقًا ومتماسكًا ومقنعًا في ظاهره، أو فكرة تَجمع بين مجموعة من المتغيّرات التي قد لا تَخطر في البال. لكن هذا ليس ضمانًا للعدالة، والتّماسك في التّقديم لا يَعني بالضّرورة صدق التجربة. 

قد تَجعل الأداة الأفكار والمحتَوى أكثر سلاسَة مما يجب، وقد توازِن بين الجلاد والضحيّة باسم الحياد، وقد تَستبدل المفرَدات الحادّة بمفردات مريحة، فتتحوّل الوقائع السياسيّة العنيفة إلى صيغ باردة ومنزوعَة الأَلَم. وهذا تحديدًا ما يَجعل المسأَلة خطيرة، لأنّ السَّلب هنا لا يحدُث بصوت مرتفع، بل من خلال الّترويض الهادئ للغة والمَعنى.

إنّ المعرفة الفلسطينية لا تَنبع من المعلومات وحدها، بل تتشكّل أيضًا من المخيّم والقرية والمدينة والسّجن والمنفى والحاجز والبيت المهدّد والأرض المصادَرة والرواية الشفويّة وأسماء الأماكن التي تحفظُها الذاكرة قبلَ الخرائط. هذه معرفة مشبَعة بالتجربة، لا يمكن اختزالها في مُخرَجات جاهزة مهما بلغَت دقّتها اللغوية.

 قد تستطيع الآلة أن تكتب عن الحرّية، لكنّها لا تعرف ثَقَل انتظارها. وقد تَصوغ فقرةً عن الذاكرة، لكنّها لا تَعيش خوفَ مَحوها. وقد تلخص الحكاية، لكنّها لا تحمل النّدبة التي صَنَعت الحكاية.

لذلك، فإنّ حماية العقل في السّياق الفلسطيني ليس شأنًا تعليميًا فقط، بل هي شرط من شروط البقاء المعرفيّ والسياسيّ. فالشعب الذي يتنازَل عن إنتاج أسئلته، سيتلقّى أسئلة الآخرين. والشعب الذي لا يَصوغ محتواه وأفكاره، ستُفرض عليه مفاهيم جاهزة. كما نحتاج إلى إعادة الاعتبار للقراءَة العميقة، والكتابة المتأنّية، والنّقاش الوَجاهي، والرّواية الشّفوية، والأرشيف المحليّ، والفنون، والتعلُّم الجماعي. هذه ليست عادات قديمة، بل أَدوات مقاومة معرفيّة تحفَظ للعقل قدرته على البطء والتأمّل والشّك. وفي زمن السرعة الرقميّة، يصبِح البطء نفسه فعلًا ضروريًا لحماية المَعنى.

في النهاية، لا يَدور السؤال حول استخدام الذكاء الاصطناعي أَو عدم استخدامه، بل حول الطريقة التي نَمنع بها تحوُّله إلى قوةِ تسلبُنا علاقَتَنا بعقولنا. بالنسبة للفلسطينيّ، ليست القدرة على إنتاج المعرفة ترفًا فكريًا، بل جزء من معركة الوجود. وحماية العقل هي حماية لحقّ الفلسطيني في أن يفكّر، ويُسمي، ويَكتب، ويَشهد، ويُنتج معرفةً تُشبهه وتَنبع من تجربته.

عبد العزيز ربحي الصالحي

باحث في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية. مسؤول وحدة البحث في مؤسسة مفتاح.

رأيك يهمنا