خَبَرٌ عاجِلٌ في سِياقِ ما بَعدَ الحَقيقَة

أحيانًا أشعُر أنّ أكبَر مخاوفي لا يتمثّل بما قد يحدُث مستقبلًا، بل بالطّريقة التي سيُروى بها الحدَث.
أَخاف أن استيقظ يومًا ما على خَبَر صادمِ، خَبَر عاجِل على وسائل الإعلام: "تمّ ضمّ الضفة الغربية"! يَنقُل هذا الخَبر حدثًا يُغيّر شكلَ حياتنا بالكامل، لكن خِلال تصفُّحي الأخبارَ لأَبحثَ عن الحقيقة اكتشفُ بأنّ النقاش عالميًا لا يَدور حولَ أصحاب الأرض الذين ستتأثّر حياتهم ولا حولَ العدالة والحقوق، بل حولَ الكلمات التي اختيرَت لطرْح الحدَث: هل هو ضمّ؟ أَم مجرّد إِجراء إداريّ؟ أَم خطوةٌ سياسيّة جديدة؟ أَم واقع جديد يجب تقبُّله والتكيّف معه؟
في تلك اللحظة أتساءَل: ماذا يَحدُث عندما تُصبح الكلمات أهمَّ من البشَر؟ وعندما تُصبح الحقيقَة عاجزةً عن حماية أصحابها؟
أُفكّر أحيانًا: ماذا لو استيقظنا غدًا على مثْل هذا الخَبَر؟ ماذا سيتغيّر؟ هل ستتغيّر جغرافيا هذه الأرض؟ أَم أنّ اللغة التي تَصِف الواقع هي التي ستتغيّر؟
بالنسبة لي، هذه الأسئلة ليست مجرّد أسئلة فلسفيّة، بل إنها أسئلة تطاردُني في كلّ مرّة أتذكّر فيها أرض والدي "واد مسلم" التي تمّ الاستيلاء عليها في بلدة الشيوخ – شمال الخليل، هذه الأرض التي أَعرفُ مكانها جيدًا والتي كان الوصول إليها نهاية كلّ أسبوع أمرًا طبيعيًا وروتينًا عائليًا دافئًا. لا يزال مكان الأرض معروفًا، ذاكرتنا ما زالت تَنبض هناك: "الجُلوس تحت شجرة الصّنوبر، طبخُ المقلوبة، الشّاي على الحطَب، موسمُ الزيتون، والكثير من الذّكريات"؛ ذكريات حيّة، لكنّ الواقع اليوم فَرَض بقوّة السلاح سيطرةً أُخرى عليها، وجَعل مجرّد الاقتراب منها محفوفًا بالموت.
كلّما تذكّرت هذه الأرض أُدرك تمامًا أن الحقيقة ليست معقَّدة كما تُصوّرها الخطابات السياسيّة، الحقيقَة هنا بسيطة جدًا: نَحن نَعرف الأرض، نَعرِف تاريخها وعلاقتنا بها، مع ذلك لم تَمنع معرفة الحقيقة السلبَ، ولم تملك القوّة لاستعادتها، فإذا كانت الحقيقة واضحة لماذا تَبدو عاجزةً أحيانًا عن حِماية أصحابها؟!
كنتُ أعتقد في الصغر أنّ الحقيقة تَمتلك قوّة خاصة، وأنّ كشفها كافٍ لكي يَنتصر أصحابُها؛ تَوثيق الحَدَث والاحتفاظ بالقصّة والصورة جميعها قادرة على حماية الذّاكرة وكافية للحدّ من استمرار الظُلم، لكن إن كان الأمر بهذه البَساطَة، كَم مرّة كان العالَم شاهدًا على أحداث واضِحَةِ الملامح لا تحتاج لتفسير؟ كَم مرّة كانت الوَقائع والصورة أَمامَ مَرأى الجميع، مع ذلك استمرّ الجدال وكأنّ الوقائع غير موجودَة؟، لم تَعد المشكلة اليوم في إثبات الحَدَث، بل في إقناع عالَمٍ متبلِّد بأنّ ما يَحدث يستحقّ أن يُرى كما هو.
هذه المرة، وفي هذا المقال، أَسأل كثيرًا لأنّني لم أَستطِع تخيّل ما بَعد حقيقةِ هذا الخَبَر، لكنّ السؤالَ: "لَو صْحيتي على خَبَر ضمّ الضفّة شو بِصير؟"، جَعَلَني أسأل لَعليّ أجد إجابة لأسئلتي؛ الحقيقةُ معروفةٌ للجميع، لكنّنا غير قادرين على تغيير الواقع، نحن أصحاب الأرض، ماذا نفعل؟!
يُقال لنا إننا نعيش في عصر "ما بَعد الحقيقة"؛ العصر الذي لَم تَعُد فيه الوقائع كافية لتشكيل الرأي العام ولا الرّوايات، والمَشاعر والانطباعات أكثر تأثيرًا من الوقائع، نحن لا نُعاني من نقصِ الحقيقة، بل مشكلةَ الاعتراف بها.
ربّما لهذا السبب يبدو مَفهوم "ما بَعد الحقيقة" مخيفًا، ليس لاختفاءِ الحقيقة، بل لحدوث تَراجُع في أهميّتها، والمُخيف أكثر أن تُصبِح الحقيقة مجرّد عنصر داخل معركَة من الرّوايات والمَصالح وفرض القوة السياسيّة والإعلامية.
في عالَم اليوم لَم يَعد السّؤال دائمًا: ما الذي يَحدُث؟ بل مَن يملكُ القدرة على رواية ما حَدَث، ومَن يَملك المنصّة الأكبر والنّفوذ الكافي ليجعَل روايته أكثر انتشارًا.
تعلَّمت خلال دراستي تخصّصَ التاريخ والآثار أنّ "الحجارة لا تتكلّم، لكنّها لا تَكذِب". الأَثَر لا يُغيّر الرّواية ولا يُعدّل ذاكرتَه ليُرضي أحدًا، الأرض تَحفظ تاريخ من عاشوا عليها بين طبقاتها العَميقة من مئات السنين حتى وإن حاوَل الجميع إنكارهم.
الجديد اليوم هو السّرعة في إعادة صياغَة الرّوايات، ففي دقائق يُمكن أن تَصِل قصّةٌ ملايينَ الناس وتتحوّل إلى "حقيقَة متداوَلة" فقط لأنّها الأكثر انتشارًا، فيما تواجه الرواية الحقيقية عوائق من الخوارزميّات الرقميّة تَحدّ من انتشارها.
ليس الخوفُ الأكبر من الكَذِب، بل الاعتياد، أَن نَعتاد رؤيَة المَحو حتى نَفقد حساسيّتنا تجاهَه، فتتحوّل المآسي إلى مشهَد عابِر، والقِصَص الإنسانيّة مجرّد إحصاءات، ويُصبح خَبَر فُقدان أَرض أو بيت أو حياة خبرًا عاديًا لا يَترك أَثرًا في أَحَد.
لَو حَدَث ذلك "الضمّ" يومًا ما، فلن يكون سُؤالي كيف ستتغيّر الخرائط أو مَعالِم الأرض، بل كيف ستُروى الحِكاية؟ هل ستظلّ ذاكرة أَصحاب الأرض جزءًا من القصّة؟ أم ستُختزَل في هوامش صغيرة داخل رُوايات يَكتُبها الأقوى؟
ربّما يكون أخطَر ما في عصر "بَعد الحقيقة" تآكل إيماننا بالتأثير في الحقيقة نفسها أكثر من انتشار الرواية الكاذِبة، مع ذلك لا أعتقد أنّ التمسّك بالحقيقة أَصبح بلا جدوى، بل العكس، تَزداد أهميّتها كلما كَثُرت محاولات تَشويهها، ليست الحقيقة مجرّد مجموعة وقائعَ صلبة، بل هي الذاكرة الحيّة التي تَمنعُنا من النّسيان، الرابط الذي يَربط ماضينا بحاضرنا ليُدافع عن مستقبلنا.
قد لا تَكون الحقيقةُ كافية وحدها لتحقيق العدالة وإعادَة الحقّ لأصحابه، لكنّ غيابَها يَجعَل العدالة مُستحيلة تمامًا، فعندما يَفقد الناس إيمانهم بقيمة الحقيقة يُصبح كلّ شيء قابلًا لإعادة الكتابة؛ الذّاكرة، التاريخ وحتى علاقتنا بأرضنا.
يُصبح العالَم أكثر قسوَة عندما يتوقّف الناس عن الإيمان بأنّ الحقيقة ذات قيمة، حتى وإن كانت عاجِزةً وحيدةً أو حتى عندما لا تُغيّر شيئًا في الوقت الرّاهن، فالحقيقةُ ليسَت مجرّد وصف للحدَث، بل هي خَطّ الدفاع الأخير عن ذاكرَتنا وقصَّتِنا وحقّنا بأن نقول: كُنّا هنا وهذا ما جَرى فعلًا.




