في غَزّة.. حينَ تَصيرُ الأَحلامُ وَطَنًا مُمْكِنًا

كانَ ذلك الأُسبوع الأول الذي أَحمِل فيه دَعوات الاحتفال بيَوم ميلادي السادس والعشرين، وتَطفو على سطْحه أمنياتٌ يودِعها لي أصدقائي: رسائل ملوّنة، ضحكات مسرّبة عبر التّسجيلات الصوتية، وقلوبٌ تَتَقافَز في المحادَثات لتمنحَني السعادة في لقاءاتنا المفتونة بالحبّ والمَشاعر الصادِقة، والكثير من الجاتوهات التي تعِد بيوم خَفيف يشبه ما تبقّى فينا من طفولة أو طاقةٍ نحملها مِثل فرقعات الحلوى التي تتضاعف داخل أفواهنا. قبل أن تُكمِل هذه الأُمنيات أسبوعَها على خدّ حياتي الفتيّة، كانت الحرب قد بدأت، كأنّها أصغرُ من أن تنتظر فرحي، وأَكبر مِن أن تَترك لعيد ميلادي مساحةً على التقويم. بَدَت الأيام كعيدان الكبريت؛ ما إن اشتعل أوّلها حتى التهمَت النار آخرها.
من هنا، كان عليّ أن أَضَع الحربَ في الخلفيّة المغمورة بتفاصيل يَصعُب الانفكاك عنها، وأتقدّم أنا وغزة التي أُحبّها فطرةً إلى الغَد الذي أُريده لنا، غدٍ لا تجنّح الطائرات في سمائه، ولو أنّها هبطت يومًا في ميادين غزة المدينة لاقتلعنا معها ما يُسمّى بـ "القطاع"، لتُنادى باسمها الحالم: غزّة، وفقط.
تتعالى أمواج أَحلامي حتى تصل إلى شواطئ عكا، ثم تنحني برفقٍ نحو يافا؛ فأَجِدني على مركبٍ صغيرٍ تتعالى فيه هتافاتنا وتَصدح ضحكاتنا ليُضاهي علّوها صوت المحرّك، كأننا نعيد وصل شقّي البرتقالة تحت شعارٍ واحد: لَهفة الوطن. هناك نتجرّع الحكايا التي كانت جدتي تقصّها علينا عن عروس البحر، إذ لا يكون البحر سياجًا من الأسلاك، بل ساحة مفتوحة للتّطلع نحو أيامٍ أكثر رحابة.
تَتهادى خطواتُنا على أرصفة الميناء، تأْخذنا لوحةٌ من النوستالجيا إلى تلك البيوت القَديمة ذات "البلكونات" التي تتدلّى على البحر، وتطلّ شُرُفاتها على أشواقنا وتشدّنا إلى "بيت الدار". كأنّنا نعود إلى مكانٍ محفوظ في خزائن ذاكرتنا، لا نزوره للمرة الأولى قطّ. نتجوّل في الأزقّة التي تحمل في جدرانها عبَق الوطن، وهذا أكثر ما تترجمه ثقافتي واهتمامي المتعطّش بالتاريخ، وبشيءٍ من الأمان والكثير من الحريّة. أتحسّس حبّات السمسم من كارّةٍ صغيرة تبيع الكَعك، وصاحبها يرحّب بي بلهجتي الغزّية التي تتكثّف فيها دائمًا عبارة "ما تقلقش". حتى تأخذني خطواتي المتفاوتة إلى أبواب محفورة بأشكالٍ من حديدٍ صلدٍ ثقيل لا يغيره الزمان، صممها حدّاد الحارة آنذاك، كأنّني أصافِح ذاكرة أبواب تعرفني كأحدٍ من أهلها. في هذا الغَد الذي أحلم به؛ أستطيع أن أَخطِف نفسي وأَعود إلى غزة في المساء ذاته، سأحطّ بسعادتي المفرِطَة في ثرثرتي وأنا أحدّث أمي عن مغامرتي الأولى، وأغفو وأنا أَحلم كيف يمكنني الوصول إلى مدينتين، ليس عبر محرّكات بحث أو تقرير يحمل شيئًا من الأنثروبولوجيا، بل وصلتُ إليهما عبر رحلةٍ صغيرة بدأت مِن أرصفة الميناء وانتهت في حضن غزة.
سأشرع في إجراءات التسجيل في الدراسات العليا في إحدى أعتق الجامعات التي يتفاخر طلبتها بعلمها في حقل الأنثروبولوجيا، وبعكسها صحافيًا في البحث عن الإنسان أولًا في جامعة "أكسفورد"؛ لعلني أستطيع من هناك أن أكتب عنّا بطريقةٍ أكثر عدلًا، تحاكي طموحَنا، أخلطُ فيها أدوات الإثنوغرافيا بحساسيتي الصحافية، حتى يتسنّى لي صناعة قصص توثّق الوجوه والأماكن التي مرّت في حياتي ولم يَعُد يَذكُرها أحد. سأحمل غزة معي في كلّ قاعة محاضرة، وأعلّقها في مرايا بصري، حينها سأَلعَن الحرب والمساعدات الإنسانية التي كانت تغلّف بعبارة: "الإنسان أولًا" في الوقت الذي كان ذبحنا على الشاشات مشهدًا اعتياديًا!
سأجتمِع بأَخَواتي الثلاثة اللواتي بعثرتهُن الغربة في خرائط متجاورة، لكنّها بعيدة عنّي أنا وأمي، كأن الزمن أخيرًا بدأ يعتذر لنا عن كلّ موائد العائلة الناقصة، عن كلّ مناسبةٍ كانت حلقاتها مفقودة، ونتتبّع فيها أصواتَهم عَبر مكالمةٍ دولية. سنجلس في بيتٍ واحد، يتزاحمون على أريكة لا تتسع إلا لاثنين، أما أنا فسأجلس على الأرض أدور حول الصغار "إيلين، أحمد، تميم، وإلياس" تارة، وأشاركهم حكايا الأحلام والبلاد التي مرّت بنا، كأنّنا نجري احصاءً لتلك السنين التي سارَت دون وجودهم تارةً أخرى. سَنَتَهامَس بأسماء الوجبات السريعة التي سنطلبها بعد قليل، حتى لا تسمَعنا أمي التي اعتادت أن تطهو لنا الطعام الصحي بيديها.
سأُداعِب بحركاتي الطفولية الصّغار، وهم يلتهمون أمامنا الحبّ مثل حبّات السكر المَطحون التي تفرّ من طَبَق المَعمول الذي صَنَعَته أمي احتفالًا بنا، سأسرق من كلّ واحدٍ منهم قطعة شوكولاتة، وأدسّها في جيبي كبرهانٍ صغير على أن العائلة مهما افترقت؛ تستطيع أن تُعيد تجميع شتاتها في مدينةٍ لا تعرف عنها سوى ما نقرّر نحن أن نحكيه عنها.
يقينًا بقدراتي ومهاراتي التي أتفوّق بها على كثيرٍ من أقراني، ستهاتفُني المؤسسات الصحافية الدولية التي تُصاغ في غرف أخبارها الروايات الأولى في العالم. سأعدّ وأكتب التقارير التي تتّبع نهجَ المدارس المميزة في الطرح والمعالجة، وأروي الحكاية كصحافية تَعرِف ثمن أن تُروى القضايا من زاوية واحدة. سأدشّن نصوصي الطويلة التي وثّقت فيها وتُوثق تطلّعات الشباب وأحلام الشعوب، ربما لأنني كبرت للحدّ الذي يمكّنني من تمييز الغثّ من السمين، وأجعلها تتزاحم في الأرشيف العالمي. حينها أضع غزة في قلب الجُملة وأُنقّب عن جَمالها ونضالها؛ لأنّ المحاولات السامِية تستطيع أن تعدّل ميزان العدالة في اللغة قبل أن تُحيله واقعًا.
وأنا على وقع الانتهاء من تلك السّطور، أكتشفُ أنني لم أكن أدوّن أمنياتٍ مؤجَّلة بقدر ما كنتُ أختبر قدرة الخيال على البقاء في وجه كلّ ما يحاول اقتلاعنا، حتى أنه يحاول أن يجرّدنا من أسمائنا. أطلّ من نافذتي على غزّة كما هي الآن؛ مدينةٌ مُتعبة للحدّ الذي أراها تتضرّع بالدعاء وطلب النجاة، لكنها لا تزال قادرة على إنجاب هذا القدر من الأحلام، الآمال، والمواجهة؛ فأفهم أنّ ما أكتبه هنا ليس رفاهية، بل طريقة أخرى لأقول للعالم إنّ لي مستقبلًا كما لي ماضٍ، وإنّ هذه البلاد تستحق أن تُرى بعيونٍ عاشقة، لا بعدساتٍ لا تلتقط منها سوى الركّام، ويختزلها العالم في أخبارٍ عاجلة ريثما تحلّ بها الحروب.
الصورة: للصحفي - المصوّر معتز عزايزة.




