نساء غزة: حين تصبح العناية بالنفس رفاهية.. والخصوصية حلمًا

لم تغيّر الحرب في غزة ملامح المدن والبيوت وحدها، بل امتد أثرها إلى وجوه النساء وأجسادهن وتفاصيل حياتهن اليومية..
فبين حرارة الأفران، وشح المياه، وغلاء الأسعار، وأعباء النزوح والعيش داخل الخيام، وجدت نساء غزة أنفسهن أمام واقع جديد، تتراجع فيه احتياجاتهن الشخصية إلى أدنى سلّم الأولويات، وتتحول فيه أبسط مقومات الحياة الطبيعية إلى مطالب يصعب تحقيقها.
لم تعد معاناة المرأة في غزة مقتصرة على فقدان المنزل أو النزوح بعيدًا عن المكان الذي اعتادت العيش فيه؛ فهناك خسائر أقل ظهورًا في صور الدمار، لكنها حاضرة في تفاصيل يومها، وفي قدرتها على الاعتناء بنفسها، والحفاظ على خصوصيتها، وممارسة حياتها بقدر من الراحة والكرامة.
خلال إعدادي تقريرًا صحافيًا عن أثر الحرب على حياة النساء وملامحهن، وعن تحول كثير من احتياجاتهن الأساسية إلى نوع من الرفاهية، التقيت أم عبد الله زملط، النازحة من مخيم جباليا شمال قطاع غزة إلى جنوبه، التي اختصرت جانبًا من تجربتها بقولها: "حاسة اليوم عمري أكبر من عمري، والحياة اليوم بتتعب فينا أكثر وأكثر، حتى وجوهنا تغيّرت من القعدة والفرن والنار".
تقضي أم عبد الله ساعات طويلة أمام فرن الطينة وتتعرض باستمرار لحرارته، ثم تواصل أعمالها اليومية، فتغسل الأواني والملابس بيديها، في ظل ظروف نزوح لا توفر لها ما يكفي من الراحة أو الإمكانات. ولا تنتهي مشقتها عند العمل؛ فانتظار شاحنات المياه لتأمين احتياجات الحياة اليومية يضيف عبئًا آخر إلى يومها.
تتحمل أم عبد الله أيضًا مسؤولية رعاية أخت زوجها (من ذوي الإعاقة) بما تتطلبه الرعاية من وقت وجهد واهتمام خاص، في ظلّ العيش داخل خيمة لا توفر الحماية والرعاية الكافيتين.
وبين تدبير شؤون الحياة ورعاية الآخرين، تتراجع احتياجات أم عبد الله الشخصية إلى آخر سلم الأولويات.
حتى العناية بالبشرة لم تعد في متناولها؛ فبسبب غلاء الأسعار وتدهور الوضع المعيشي، لا تستطيع شراء واقي الشمس، الذي قد يبدو من أبسط مستلزمات العناية الشخصية. لم يكن التخلي عنه خيارًا بل نتيجة واقع اقتصادي يفرض عليها تقديم الاحتياجات الأساسية على غيرها لتصبح العناية بالنفس رفاهية مؤجلة، بينما تترك حرارة الفرن وأعباء الحياة آثارها على ملامحها.
في مواصي خان يونس، تتخذ المعاناة شكلًا آخر في حكاية ريهان شراب التي لخّصت ما عاشته بقولها: "خسرت بيتي وشغلي، حياتنا كلها معاناة".
فقدت ريهان منزلها ومصدر رزقها ووجدت نفسها في مواجهة تفاصيل يومية قاسية داخل الخيام؛ حرارة مرتفعة، وحشرات منتشرة، وازدحام يحرم النازحين من المساحة التي يحتاجونها للعيش بصورة طبيعية. لكن المعاناة لا تتوقف عند الظروف المعيشية، بل تمتد إلى فقدان الخصوصية، التي أصبحت من أكثر التحديات حضورًا في حياة النساء.
وتصف ريهان كيف أصبح ثوب الصلاة ملازمًا للنساء في مختلف تفاصيل يومهن، في ظلّ ضيق المساحات وصعوبة تبديل الملابس بحرية، وهو تفصيل يومي يكشف كيف غيّر النزوح عادات النساء وحرمهن من مساحة شخصية تمكّنهن من ممارسة أبسط احتياجاتهن بخصوصية وراحة.
لا تتوقف آثار الحرب عند الخيام، بل تمتد إلى تنقل النساء، فمع تضرر الطُرق وغياب وسائل النقل المناسبة الآمنة، اضطر كثيرون إلى استخدام عربات تجرها حيوانات، وأخرى تجرها سيارات قديمة ومتهالكة، للسير على الطرق الوعرة والمهدّمة، وبهذا تتحول أبسط المشاوير إلى تجربة شاقة بفعل الحُفر والمطبّات والاهتزازات المتواصلة في وسائل لا توفر الراحة أو الخصوصية الكافية للنساء.
تزداد صعوبة التنقل بالنسبة إلى النساء الحوامل اللواتي يضطررن إلى استخدام هذه الوسائل للوصول إلى وجهاتهن الضرورية على الرغم مما تفرضه الطرق الوعرة والاهتزازات من مشقة إضافية، كما تجعل تكاليف المواصلات ومحدودية الخيارات الوصول إلى العمل والأسواق والخدمات الأساسية أكثر صعوبة، لتضاف هذه الأعباء إلى مسؤوليات النزوح والرعاية وتدبير شؤون الحياة.
في ظل هذا الواقع، تتداخل الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمعاناة، وتنعكس على حياة النساء وكرامتهن وحقهن في التنقل بأمان وخصوصية، فالحرب لا تغيّر مكان إقامة المرأة فحسب بل تُعيد تشكيل الطرق التي تتحرك بها، والجهد الذي تبذله لتأمين احتياجاتها، والمساحة المتاحة لها للاعتناء بنفسها.
تكشف هذه التجارب أن الحديث عن احتياجات النساء لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انشغالًا بالمظهر على حساب القضايا الأكبر، فالعناية بالبشرة والقدرة على تبديل الملابس بخصوصية، والتنقل دون ألم أو خوف، كلّها جوانب ترتبط بالصحة والكرامة وجودة الحياة، وعندما تُحرم المرأة من هذه التفاصيل بفعل النزوح والفقر وتدهور الخدمات فإن أثر الحرب يتجاوز ما يمكن رصده في مشاهد الدمار المباشرة، علاوة على أن تعدد المسؤوليات من العمل لتأمين المعيشة إلى رعاية أفراد الأسرة والبحث عن الماء ووسائل النقل، يترك للمرأة وقتًا أقل وموارد أضعف للاهتمام بنفسها. ولا تعني مواصلة النساء أدوارَهن أنهن بمنأى عن التعب، بل تكشف حجم الجهد الذي يبذلنه في ظروف استثنائية، غالبًا من دون الحد الأدنى من الدعم والخدمات التي تحفظ لهن حياة أكثر أمانًا.
وهذه كلّها تفاصيل تستحق أن تُروى بوصفها جزءًا من الصورة الكاملة للحرب وآثارها..
بين أم عبد الله التي أنهكها العمل أمام النار وأثقلتها المسؤوليات، وريهان التي فقدت بيتها وعملها وخصوصيتها، تتكشف حكاية أوسع عن نساء لم
تتوقف مسؤولياتهن رغم الحرب، لكنهن فقدن كثيرًا من التفاصيل التي تجعل الحياة طبيعية. فهذه ليست حكايات عن الرفاهية بمعناها الترفي، بل عن احتياجات إنسانية أساسية، وعن نساء يواصلن تدبير الحياة بينما تتراجع حقوقهن في الراحة والعناية بالنفس والخصوصية.
في غزة، لا تحكي ملامح النساء أثر الزمن وحده، بل تحمل آثار حرب تسللت إلى أدق تفاصيل حياتهن، من وجوه أرهقها التعب إلى خصوصية غائبة وطرق تنقل تزيد المعاناة. وبين هذه التفاصيل، تظل حكايات النساء شهادة على الثمن اليومي الذي يدفعنه لمواصلة الحياة.

بيداء معمر عثمان
مُعدّة ومقدمة برامج في تلفزيون فلسطين، وأمين سرّ المجلس الإداري في نقابة الصحافيين.



