لَحظَةُ العَودَة إلى الصِّفر

منذ ما يقارب تسعةً وخمسين عامًا، لم تنزَح الأجساد فقط في تلك اللحظة التاريخيّة، بل نَزَحَت أرواح اقتُلعت من ديارها لتَعود إلى الصِّفر أو إلى ما دونَه.
تَبعث الهجرةُ في النّفس الرّغبة ببداية جديدة، مع شعاعِ أمل متناثر يثير حُبّ الحياة والاستطلاع، أمّا التّهجير القَسري، فهو انتكاسَة للروّح، فهُنا الأملُ يُحجّم والرَّغبَة تضمحِلّ. إنّ ما تُبقيه الحرب مِن دمار شامل للعَمار والشّوارع يُزعزِع الذاكرة ويُبقي آثارًا نفسيّة لا حصرَ لها، أمّا ذِكرى الفَقد فيَبقى شُعورها عالقًا.
الهِجرة القسريّة هي أنْ تُقلَب الحياة رأسًا على عَقِب، وتُغيَّر الجدران والحواري، ويصبح كلّ ما حول الدار غَريب الملامح، حتى عَبَق رائحة الهَواء يضحي غير مألوفِ الطابع، ورائحة الخُبز تصبح ذكرى أَلَم وليس سببًا للعيش، والروح الباهتة تبدأ رحلةَ البحثِ عن ذاتها.
إنّ النزوح عقِب الأحداث المأساويّة واستحالة بقاء الفرد في مكانه، يُشبِه الحلُم الذي ينتزعُك منكَ ويُبقي ما تتذكّره منه وهمًا، وكأنّ ما دار في حلُمك ليس إلّا لحظةً عابرة، وفي الوقت نفسه موجِعَة محفورةً ملامحُها في تضاريس الذاكرة، تنتشلك من نبضاتِ قلبٍ متسارعة وخوف متفاقِم إلى تجنُّب النوم مرّة أُخرى.
إنّ رحلَة الأعوام المنصَرمة التي توصِل المرء إلى شُعوره بالأمان وبِناء الأحلام ورغبَتِه في العيش المستمرّ، تضمحلّ عن بكرَة أبيها حينَ نزوحِ الذات عن مُستَقرِّها.
أَمّا ما تبقّى خلْف الحصار، فيبدأ رحلته في إعادَة تَشكيل هيكليّته، فـمثلَما يُضفي التاريخ تقاليدَه ومعالِمَ العيشِ ضمن نطاقٍ محدَّد بحدودٍ وهميّة، وكما تُضفي التعاليم الدينية والتقليدية والثقافية طُرق التحرّك والحياة، فالإنسان يُسقِط هويّته على معالِم المكان، ففي غيابه تُختزَل ماهيّة الهوية والثقافة، ويصبح الموطِن مساحةً حرّة طليقَة تمكّن الدّخلاء من إضفاء هويّتهم المتلاشية التي لا تاريخَ يقطُن خلفَها. وتسليطًا للضوءِ على لحظة البدء، فإنّها تتّخذ مسربين أحدهما وجهة تكيّف والأُخرى وجهَة انعزال. فتقبّل الفَردِ نزوحَه يَحكي عن ذاته الراغبة إمّا بالاستسلام أو بتقبُّل ما أَمَره به الواقع، أمّا الانعزال، فإنه يَحكي الكثير عن الألَم الذي لا يضمحلّ، والدّوافِع المتألّمة المتشبّثة بأَمل العودة. فيُثار التساؤل هُنا حول الذات أكثَر مما تحمِلُه الذاكرة، هل إمكانية العودة محتمَلَة أَم استحالت في ظلّ التكاتُف على الصّمت؟ ويختلف الحديث ويأخذُ منحىً آخرَ حينما يحصل الفرد على جنسيّة تُعرّفه أو حين بقائه محاصرًا بلا هويّة تمكّنه من بناء مستقبل أو عبور حدود. هذا ما يُثير وجود العديد من العوامل التي قد تكون سببًا في إيضاح خارطة الطريق، فما أَبقَته الذاكرة من ملامح وما اختزَلَت الحرب من دوافع يلعبان دورًا محوريًا في المضيّ قدمًا أو عدمِه. أَمّا العامل الأكثر خباثة، فهو مكان العيش المستجدّ، فإمّا أن يفتح بابًا للعيش الكريم يتمّم ما فُقِدَ من حقوق، أو يُحاصر أرواحًا نقيّة ويختَزل حقّها في عيش إنسانيّ. وما بين هذا وذاك، فالنّفسُ تبقى عالقةً، ما بين استرجاع الأحداث المؤلِمة والتوتّر الدائم وفُرط اليقظة، إلى جانب الخوف المستمرّ وعدم الشعور بالأمان.
في حكاية أُخرى، فما قد تمّ بناؤه خلال كافة الأعوام المُنصرِمة يحين وقت إعادة بنائه، فالإيمان يخلِق السّعي، والاستقرار يولّد شعورَ الأمان، أمّا الأمان فَـيخلق الدافعيّة، والدافعيّة تثير المسؤولية، والمسؤولية تُنعش الانتماء، أمّا الانتماء فيساهم في صقلِ الهوية، والهوية تعكِس القيم التي ترسّخ المبادئ.
ففي هذا السّياق، فإن مرحلة العودة إلى الصّفر قد تخلِق تشوهًا صامتًا في النّفس، والتي تُسهم بدورها في خَلق سلوكيّات غير مُحكَمَة في ظلّ التّواجد في بيئة تختلف تمامًا عمّا تم الاعتياد عليه. وعلى الجانب الآخَر، انقسامُ شعور المرء بين الرّغبة بالمقاومة والانتصار، والمضي قدمًا ومحاولة التكيّف، يخلقان تشوشًا يجعَل النَّفس على طرفيّ نقيض، فالاستقرار يُنتَزَع، والتناقُض يتفاقَم. أَمّا إعادة تهيئة القيم العائلية وإعادة بناء مشاعرَ سويّة، فإنها مهمّة ليست سهلةَ الطّابع. وبعيدًا عن محاولة هيكَلَة كلّ ما يدور حول المرء، فإعادة هيكلتهِ ذاتَهُ هي الأكثر صعوبة.
من واقع التجربة الحيّة، أَستَحضِر العودة إلى تسعةٍ وخمسين عامًا مَضَت، وإلى ذلك السؤال المجازيّ الذي طرحتُه في مقالي السابق: "ماذا لو بقي جدّي في داره؟"، إنّ نزوح جدي غيّر معالِم سُلالتي، فالهوية والأرض بالنسبة لي وجهتان لعملة واحدة. ما حَدَث في بلدان مجاورة وما زال قيد الحدوث، يلعب دورًا حساسًا في تغيير معالم الأرض العربية، فالوحدة التي نادينا بها، ما زالت في مرحَلَة التّلاشي. إنّ النزوح يُعيدُ التّشكيل، ويُسهِم في بناء معالِم خريطة الإقليم، ويؤثّر ويتأثّر بالمحيط، وفي خضمّ التّهجيرات المتكرّرة وما لعبَته من تغييرات في الثقافة العربية والأوضاع الاقتصادية، بالإضافة إلى تأثيراتها السياسيّة المتعدّدة على المستوى الإقليمي والعالمي، فإنّ الأعباء المتزايدة على الصعيد الدولي، والأعباء النفسيّة الأكثر صعوبة على النازحين، ما زالت ترسِم خطوطًا تاريخية، وتغيّر المستقبل منذ الآن إلى وجهات غير متوقَّعة وقد تكون أكثر حساسيّة مما نحمِلُه الآن، والحفاظ على الهوية في هذه الرحلة يُعدّ تحديًا صارمًا. إنّ ما حَدَث منذ تسعة وخمسين عامًا كان كفيلًا بأن يغيّر مَجرى التاريخ، وعلى الرغم من أنّني لم أكن مرافقة لجدّي وقت نزوحه، فإنّ رحلته ما زالت تَسير في داخلي.




