غَزّة... غادَرْناهَا وَلَم تُغادِرْنا!

في صبيحة السابع من أكتوبر2023، استيقظتُ بشكلٍ طبيعيّ، وأَخَذتُ أَتجهَّز للتوجُّه إلى عملي في إحدى الإذاعات المحليّة في قطاع غزة، لكنْ كأنّ شيئًا لم يكُن، سَمِعنا أصواتًا، في البداية اعتقدتُ أنّها أصواتُ رعد، لكنّ الجَو كان لطيفًا ولا يوحي بذلك، ساعاتٌ مَضَت ولَم نعرِف ماذا يحدُث! لم نكُن نتخيّل الحَدَث، اعتقَدْنا أنّ عمَلية اغتيال وَقَعت، الإنترنت مفصولٌ والاتصالات لا تَستجَيب، هُنا كنتُ في حيرةٍ من أَمري: هل سَأَذهب إلى الدّوام- كالعادَة- أَم انتَظر؟
بَعدَ ذلك، وَصَلنا خبر تعليق الدّوام والتحوّل إلى العمل من المنزل بسبب حالة الطوارئ. مع بدء الحرب على غزة وتصاعُد أصوات القصف في كلّ مكان، وَسَط سقوط الشّهداء والجرحى، باشَرنا عَمَلنا الصحافي بتغطية الأحداث ونقلِها مباشرة للجمهور. توقَّعنا حينها أنّ الحرب لن تتجاوَز ثلاثة أسابيع، لكنّها طالَت. خلالَ وجودي في غزة، صُدِمت في الأيام العشرة الأولى باستهداف المربَّع السَّكني الذي تقطنُه عائلة شقيقي وأعمامي وعمّتي، مما أدّى إلى استشهاد أكثر من 20 شخصًا من أقربائي والنازحينَ لديهم.
في ذلك الوقت، انقطَعَت الكهرباء وعمّ الظّلامُ المكان. أتذكّر أننّي كنتُ أَبكي بانتظار أيّ خَبَر عن المفقودين، حتى تمّ انتشال الجثامين تباعًا، وكان من بين المصابين شقيقي الذي أُخرج من تحت ركام منزله مع زوجتِه وطفلهما الذي لم يتجاوَز عمرُه الشهرين. كانت لحظات عصيبة مليئة بالألم والحُزن على أحبّة غادَرونا، بعدَ أن اغتالَ صاروخ غادِرٌ ضحكاتهم وتَرَك خلفه غصّة الفقد والحسرَة.
بمجرّد سَماع الخبر، انهالت عليّ اتصالات الزملاء والأصدقاء للاطمئنان ومعرفة تفاصيل ما حدَث؛ في ذلك الوقت، بالكاد كنت قادرَة على الردّ من هَول الصّدمة التي أصابَتني، حتى أنّني فقدتُ القدرَة على ممارسة عملي الصحافي. بعدَ محاولات مكثَّفة من زميلة تونسيّة، ظَهرتُ معها في رسائل عدّة على الهواء مباشرة، استكملتُ عملي الذي كنت مهددةً بالتوقّف عنه، نظرًا لتعمُّد الاحتلال استهداف الصحافيين وعائلاتهم؛ إذ فَقَدنا أكثر من 250 صحافيًا وصحافية خلال أكثر من عامين ونصف عام من الحَرب المستمرّة في استهداف زملائنا.
في البداية، كان الأطفال يهابونَني لكوني صحافية، حتى أنّهم فكرّوا في أن يطلبوا منّى مغادرة المنزل والعَيش بعيدًا عنهم، فسارعتُ إلى طمأنتهم بأنّني تركتُ العمل الصحافي.
وقد استهدف الاحتلال منطقتنا مرارًا، مما دفعَنا للنزوح إلى منزل آخر قريب، بحثًا عن أمانٍ مفقودٍ أصلًا طوال فترة الحرب التي عشتها في قطاع غزة قَبل رحيلي عنه.
قد تتساءَلون عمّا أحمله معي في رحلة النزوح المؤقَّتة؛ إنّها حقيبة صغيرة تحتوي على ملابس منزليّة، وشَهاداتي الدراسيّة، وهدايا أهداني إياها خطيبي. كنتُ أَخشى أن تَضيع تحت الرّكام، لكنّني نجحت في إخراجها من غزة بسَلام.
هُنا أودّ أن أقول إن ما عشناه خلال حرب الإبادة الجَماعية في غزة لا يمكن فصله عن عملنا الصحافي؛ ففي الصباح نغطيّ الأحداث، وبعد الظّهيرة نَبحث عن لقمة العيش التي نصنعُها بلا غاز.
أنا التي لم أُشعل في حياتي ورقةً صغيرة، صرتُ أُوقد النيران لأَخبِز، حتى غطى الدخان الأسودَ عينيّ، ناهيك عن شحّ الطّعام وتقسيمه بين أفراد العائلة إلى لُقيمات صغيرة. ورغم اعتيادي على شرب كميات كبيرة من المياه قبل الحرب، أصبحتُ أشربُها بالقطّارة لأقتصد فيها. لقد عِشنا تجربة التهجير ربما كما عاشها أجدادنا في عام 48، وعُدنا إلى تلك الأيّام نقِف في طوابير المياه والخُبز والطعام لنَبقى على قَيد الحياة، في ظلّ حرب مسعورة سَلَبَتنا كلّ شيء، وجَعَلتنا نبحثُ عن حياة بالكاد نَجِد لها أثرًا.
بالتأكيد، واجَهنا صعوباتٍ جمّة لمواصلة التّغطية، كان أبرزُها انقطاع شبكة الاتصال والإنترنت عن غزة، مما حال بيننا وبين معرِفة أماكن القصف وتحديد الوِجهة بدقّة لتغطية الأَحداث. كما كان يسيطر علينا هاجس الخوف من أن يكون أحباؤنا وأصدقاؤنا قد استُهدفوا في تلك اللحظات. في ذلك الوقت، كنتُ مخطوبَة، وكان خطيبي يَجِد صعوبةً بالِغة في التّواصل معي للاطمئنان عليّ وعلى عائلتي نظرًا لوجوده خارج البلاد.
في إحدى الليالي، تعالَت أصواتُ انفجارات متواصِلَة أشبه بالحزام الناري؛ كانت تلك هي المرّة الأولى التي أسمعُ فيها هذا الصوت، فشَعَرت بخوف شديد وتسارعَت دقّات قلبي. تَغَطّيتُ بأكثر من ثلاثة أغطية من شدّة البرْد الذي انتابني رغم أنّ الجوّ لم يكن يستَدعي ذلك. تكرّر هذا الشعور مرّات عدّة، حتى أنني قرّرت مغادَرة غزة خوفًا على حياتي؛ فقد كنتُ أرى أنّ النجاةَ من الصواريخ هي النجاة الحقيقية الوحيدة.
أتذكّر حين كنت في معبر رفح، سمعتُ دويّ صاروخ سقط بالقرب منّا؛ حينها تملّكني الخوف والحيرة: هل أُكمل طريقي أَم أَعود؟ وبالفعل غادرتُ وأنا أبكي، تاركةً خلفي عائلتي وأصدقائي ومنزلَنا، وكلّ ما يربطُني بتلك الدّيار من ذكريات وتفاصيل.
لقد دفَعتُ ثمن خروجي من غزة غربةً وخوفًا شديدًا من فقدان أحَد أفراد عائلتي، إذ كنتُ أشعُر بقلق مضاعَف كلّما انقطع الاتصال والإنترنت عنهم، لعجزي عن الوصول إليهم في ظلّ اقتراب القصفِ من منطقتهم.
خلال سنوات الحَرب الأُولى، ونظرًا لسوء حالَتي النفسيّة، طلبتُ الدّعم النفسي من مؤسَّسة صحافية عربية، وقد وفّروا لي ذلك بالفعل. في أوّل جلسة، شعرتُ بأن الأمر لن يُجدي نفعًا، فقلت للأخصائية: لن تنجَحي معي طالما الحرب مستمرّة؛ وبالفعل انتهت الجلسات دون أن تنجحَ في تحسين حالتي أو مساعَدَتي على تقبّل الأحداث.
في المقابل واصلتُ التّغطية وأنا في الخارج؛ إيمانًا منّي بضرورة فضحِ جرائم الاحتلال التي تُرتكَب على مسمَع ومرأى العالَم أجمَع، ولا أزال مستمرّةً رغم ما أُعانيه من فَقد وتَهجير وخوف.
حتى هذه اللحظة، يساورُني حنينٌ جارفٌ إلى بلدي الذي عشتُ وترعرعتُ فيه، وإلى منزلنا الذي لا نعرفُ عن مصيره شيئًا سوى أنّنا لم نرَ رفح منذ أكثرَ من عام ونصف عام بسبب احتلالها. أتمنّى أن ينتهي هذا الكابوس لنعود إلى ديارنا، وأعانق كلّ ما فقدتُه خلال تلك الفترة القاسية.
آمل أن يمتدّ بنا العُمر لنعود ونرثي أقرباءَنا وأصدقاءَنا وزملاءَنا الصحافيين الذين واصلوا التّغطية رغم المَخاطر والتّهديدات المباشرة التي طالتهم وعائلاتهم، وأن نعودَ لنمارس مهنتنا التي أحببناها، ونغطّي أحداثًا تبعثُ على الأمل، وتحقّق حقّ العودة بعد التّهجير.
في الختام، أتمنّى أن تجفّ دموع أميّ التي تذرفها شوقًا لمنزلنا الذي عاشَت فيه أكثر من 45 عامًا؛ فهي لا تزال تتمسّك بأمل العودة، ودوري أن أعزّز لديها هذا الأمل، وأؤكّد لها أنّها ستعود، بدلًا من حَياة الخيام التي لا تَقي من حرّ الصيف ولا برْد الشتاء، ناهيك عن الحشرات التي تُفسد الطّعام وتُؤذي الجِلد؛ وهي حياةٌ لا ينبغي أن نَرضى بها، بل هي حياةٌ لا نَعلَم ماذا كان سيفعلُ مَن سلَبَ أرضَنا وهجّرنا لو اكتَوى بنارها.
ملاحظة: تظهر أمل في الصورة، وخلفها المربّع السكني الذي تعرّض للقصف، واستُشهد فيه عدد من أقاربها.




