إسرائيل: الرّهان عَلى الحَربِ اقتصاديًا ولِمَوضَعَتِها جيو - سِياسيًا

تتكثّف في إسرائيل منذ السابع من تشرين/اكتوبر 2023 المساعي إلى تَغيير وضعيَّتها الإستراتيجية إقليميًا ودوليًا. ويمكِن الإشارة إلى عدد من التّصريحات التي تَشي بذلك، على سبيل المثال حين أَعلن نتنياهو في خطابه بتاريخ 15/9/2025 بأن إسرائيل تَسعى لتَكون "إسبارطة العُظمى" في رسالة إلى التحوّل نَحو اعتماد على قوّتها الذاتية واقتصادها الذاتي وعَدَم رَهن ذلك بأيّ دولة بما فيه الولايات المتحدة، بَل السّعي إلى التحوّل في العلاقات معها مِن الدعم الأمريكي إلى الشَّراكة والتبادلية. فيما شدّد نتنياهو في خطابه أَمام كبار ضباط الجيش يوم 19/1/2026 بأن إسرائيل هي دولة عظمى إقليميًا وفي مجالات عديدة باتَت دولة عظمى بمستوى عالمي، مشيرًا إلى التكنولوجيا عالية التطوّر والذكاء الاصطناعي وتطوير الأدوات الحربيّة.

فيما تَدعو دراسة جديدة أجراها معهد هنري جاكسون، بعنوان "إسرائيل 2048: مخطَّط لقوة جيوسياسية غير متكافئة"، إسرائيل إلى تبنّي نموذج أَعمال جديد بعد 7 أكتوبر 2023، يركّز على تعزيز الشَّراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة من خلال التكنولوجيا والأمن. بدوره كرّر ترامب تصريحاته ومَفادها أنّ حُدود إسرائيل ضيّقة قياسَا بعظَمَتها.

سَعَت إسرائيل خلال هذه الفترة إلى تَرسيخ حِلفين إستراتيجيين؛ واحد غربًا مع اليونان وقبرص، حيث تقوم على تزود البلدين بالمنظومات الإسرائيلية وعلى تدريبات سلاح الجو الإسرائيلي فيهما بمحاكاة الحَرب على إيران.  فيما شرقًا مع الهند، والذي انكشَفَت أبعاده في زيارة ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي إلى إسرائيل يوم 25 شباط التي أعلَن فيها الأخير أمام الكنيست الإسرائيلي أن بلاده تقف "بثبات" إلى جانب إسرائيل. فيما أكّد نتنياهو في المَقام ذاته على "تحالف الأقوياء"، وتوقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات الصناعات الأمنية والذكاء الاصطناعي والفضاء. كما شكَّلت الزيارة إدارَة ظَهر الهند إلى قَرار الجنائية الدولية باعتقال نتنياهو وقرار العَدل الدولية الأوليّ بصدد شبهات ارتكاب إسرائيل جرائم إبادة جماعية في غزة. فعليًا تقوم إسرائيل بهذين الحِلفين المرتَبطين مصلحيًا بالأولويات الأمريكية الكونيّة في تنافسها مع الصين، بخَلْق طوق إستراتيجي غير عربي وغَير مسلم على دول المنطقة.

اللافت في هذه الحلفين هو أنّهما متكاملان في ما يتعلّق بالممرّ التجاري العالَمي البحري – البرّي للبضائع وإمدادات الطاقة مِن الهند وشرق آسيا ووسطها إلى أوروبا مرورًا بدول خليجية والأردن وإسرائيل التي يشكّل فيها ميناءا حيفا وأسدود محطّة لوجستية عالمية كبرى للممرّات التجارية. من هذا المنطَلَق لا تخشى إسرائيل من احتماليّة إغلاق الحوثيين البحرَ الأحمر ومِن خلاله قناة السويس، بل باتَت لها قُدرات بأن تقوم هي بذلك عند الضرورة وبعد العلاقات مع "أرض الصومال" (صومالي لاند) وحصريًا القواعد العسكرية والاستخباراتية التي تقيمها في هذا الإقليم الانفصالي المطلّ على خليج عدن وباب المَندب. فيما أنّ إغلاق البحر الأحمر يَضرب وضعيّة قناة السويس التي تَسعى إسرائيل إلى عرض بديل دوليٍّ لها، وضمن رؤية تَقضي بإضعاف مصر.

شكّلت الحرب الجارية ضدّ إيران منذ 28 شباط الحرب العلنيّة الأولى المشترَكة والمبنيّة على أساس تَكامل الأدوار والمُزامَنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. كما تشكّل الحرب الأولى في التاريخ المبنيّة على الذكاء الاصطناعي الحربي، الذي تحظى إسرائيل فيه بمنزلة دولة عظمى. في حين شكّلت الضربات الكبرى على إيران ومستواها الاستخباراتي والعملياتي أساسًا لتسويق المنظومات الأمنية الإسرائيلية التي تمنحها قدرة هائلة غير مسبوقة بين الدول في الاختراق الاستخباراتي السيبرياني، وكذلك منظومات الدفاع الجوي وحصريًا القبة الحديدية التي رغم إخفاقاتها أحيانًا لكن لا توجَد في دول العالَم منظومات أكثر تطورًا منها. فعليًا تعاقَدَت إسرائيل من خلال صناعاتها الحربيّة مع شركة فولكسفاغن الألمانية ومع الهند في تطوير مشترَك لهذه المنظومات في البلدين الحليفين.

بموازاة ذلك، يُشار إسرائيليًا وعالميًا إلى متانة الاقتصاد الإسرائيلي باعتباره مَُصمَّمًا بنيويًّا كاقتصاد حروب. كما أنّ إسرائيل فعليًا قد تكون الدولة الوحيدة مقابِل الولايات المتحدة وحلفائها، التي تَنعُم بأزمة الطاقّة العالمية التي بَدأت تَظهر بوادرها في الصراع على مضيق هرمز وجزيرة خَرج الإيرانية والحَرب على المنشآت النفطية والغاز الطبيعي وطرُق الإمدادات. وبخلاف موقف إدارة ترامب فإنّ حكومة نتنياهو غير معنيّة باستجابة دول الناتو ودول غربية إلى نداءات ترامب للتجنّد للحرب ضدّ إيران وفتح مضيق هرمز. تعتمد إسرائيل في هذا الموقف كي ترسخ مكانتَها كقوة ضاربة أماميّة إلى جانب الولايات المتحدة، وحصريًا في حرب فيها قُدرات إيران متواضعة مقارنة بإسرائيل والولايات المتحدة.

الدافِع الآخر لهذا الموقف الإسرائيلي هو من منطلَقات اقتصادية تَرى فيها حكومة نتنياهو أنّ هذه الحرب رغمًا عن تكلفتها التي تقدَّر بثلاثة مليارات دولار أسبوعيًا فهي استثمار هائل، بل يرى بها خبراء في الاقتصاد بأنّها فرصة تاريخية تقف أمامها إسرائيل. بل ترى أيضًا أبحاث مكتب الإحصاء المركزي ومُعطياته بأن الاقتصاد الإسرائيلي بخلاف سنوات الثمانين من القرن الماضي باتَ يحتمل حربًا طويلة الأَمد ومتعدّدة الجبهات. المثال على ذلك هو أنّ إسرائيل في حالة حرب ساخنة منذ عامين ونصف عام والاقتصاد الإسرائيلي لا يتراجَع رغم ظاهرة هروب رأس المال وهجرة أصحاب شركات ناشئة. ينعكِس أحَد معايير هذه القوة الإسرائيلية في أنّ الاستثمار الأجنبي المباشر في إسرائيل وحصريًا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن قد وصل إلى 57.2 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة. بموازاة ذلك تُفيد دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى ارتفاع صافٍ في إقراض الاقتصاد الإسرائيلي للخارج، بمقدار 41.7 مليار دولار ليصل إلى 331.3 مليار دولار العام الماضي. كما ارتفعت استثمارات الإسرائيليين المباشرة في الخارج عام 2025 إلى 14.5 مليار دولار، بعد أن بَلَغت 9.9 مليار دولار عام 2024 و7.7 مليار دولار عام 2023.

كما يُعزز النظرَة الإسرائيلية إلى الحرب على إيران كاستثمار، حقيقةَ أنّ طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة تنتقل مِن دعم أمريكي سنوي كما جرى اعتماده في الخُطط الخمسية، إلى إلغاء نمَط الدعم الحالي مقابل تحوّل العلاقة إلى تَطوير مشترك للتكنولوجيا فائقة التطوّر والذكاء الاصطناعي والفضاء وتطوير المنظومات القتالية وفقًا لاحتياجات الأولويّات الأمريكية عالميًا في الهيمنة، ولترسيخ إسرائيل لدورها كالشريك الأول للولايات المتحدة وباعتبارها لذاتها دولة عظمى إقليميًا ودوليًا.

يقوم هذا الرّهان الإسرائيلي على اعتبار أنّ النظام العالَمي الذي تَسعى له إدارة ترامب في الهيمنة الأمريكية المنافِسة للصين وروسيا على الممرّات المائية وطرق الإمدادات والطاقة، إنما يتطلّب تغييرًا جذريًا في خارطة هذه الممرّات بخلاف ما هو قائم حاليًا ومنذ أَمَد. كما تُراهن إسرائيل على المَسعى الأمريكي لوَقف انزياح دول العالَم نحو نظام متعدّد الأقطاب وإعادة العالَم إلى بوتقة نظام القُطب الواحد الذي لم يَعد ممكنًا أمريكيًا، لكن إسرائيل تَستفيد من هذه المَساعي مدركة أن الولايات المتحدة لَن تحظى بمساندة أي دولة غيرها.

تُراهن التقديرات الإسرائيلية أيضًا على أن موقع إسرائيل الجغرافي وسيطرتها على كمّيات هائلة من الغاز في شرق المتوسط بما فيه الغاز الفلسطيني، بالإضافة إلى موقعها المِحوري في الإمدادات، تمنحها مناعة في مواجهَة تداعيات أزمة الطاقة العالَمية في حال تعمّقت.  فيما أمريكيًا، تُثبت الولايات المتحدة نفسها عسكريًا بأنّها القوة العظمى دون منازع، بينما هذه القوّة لا تجعلها تحقّق أهدافَها بل تورّطها الحروب. المثال على ذلك هو أنّ وضعيّة الولايات المتحدة في المنطقة والعالَم لم تتحسّن في الحرب على إيران بل تراجعت. ومن الوارد وفقًا للتوقّعات الأمريكية بأن ضعضعة مكانتها هي نتاج القَرار السياسيّ الذي يسعى إلى إعادة العالَم إلى نظام القطب الواحد. ثم أن الدولة العظمى الأولى ومهما بلَغت تِرسانتها ومقابل حرب غير متكافئة، فإنّها غير قادرة كما حاولت في البداية على ضبط وتيرة الحرب، مقابل أن الحرب على موارد الطاقة خَرجت عن سيطرتها ولا تملك الغلَبة فيها.

من المرجّح في هذه الحرب أن يُطرح عربيًا وحصريًا خليجيًا ملفّ القواعد الأمريكية العسكرية في هذه الدّول، وهل هي مَدعاة لحمايتها أَم مدعاة لاستهدافها وانتهاك سيادتها. على هذا تُراهن التّقديرات الإسرائيلية بأن الولايات المتحدة بإمكانها الاعتماد على إسرائيل في كلّ ظرف وتعويضًا عن أيّ تَراجع في دور الولايات المتحدة إقليميًا وعالميًا.

كلّ ما وَرَد هو مَسعى لقراءَة الرؤية الإسرائيلية القائِمة على الحلول الأمنية بفَضل القوّة ودونما أيّ أُفق سياسي. فيما أن مآلات الحرب ونهاياتها ستَحسم ما إذا كان الرهان المَذكور مجديًا أم أقرَب إلى جنون العظمة الذي يتميّز به نتنياهو مقابل بؤس المعارضة الخاوية من أيّ بديل.

أمير مخول

الباحث في مركز تقدّم للسياسات.

رأيك يهمنا