فِلِسطين... حينَ تُصبِحُ البوصَلَة أَخلاقًا لا جَغرافيا

ربّما لَم تَعد فلسطين اليوم بحاجة إلى مَن يُثبت عدالتها، بقدْر ما تَحتاج إلى من يُعيد اكتشاف مَعناها. فالقضايا العظيمة لا تَفقد قيمتها حين تَتراجع عنها السّياسة، وإنّما تكتسب مع الزمن طبقات دلالات أَعمَق، حتى تصبح معيارًا يُقاس به ضمير العالَم.
لقد كانَت فلسطين، لعقود طويلة، عنوانًا للهويّة العربية، ومركزًا للوجدان الجَمعي، وحاضرةً في الشعر والرواية والأغنية والخِطاب السياسيّ. ثم جاءَت التحوّلات الكبرى؛ تبدّلت التحالفات، وتغيّرت الأولويات، وانشغَلَت الدول بأَزماتها الداخلية، وظَهَرت خرائط جديدة للمصالح الإقليمية، حتى بدا للبعض أن فلسطين لم تَعُد في قلبِ المشهَد كما كانت.
غير أن السّؤال الحقيقي ليس: هل تراجَعَت فلسطين؟ بل: ماذا تَراجع فينا نحن؟
فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرّد نزاع على أرض، بل كانت سؤالًا دائمًا عن معنى العدالة، وقيمة الإنسان، وحُدود القوّة حين تواجِه الحقّ. لذلك بقيت فلسطين، رغم كلّ المتغيرات، تَكشف هشاشَة الخطابات التي تتغنّى بالحرية ثم تَصمت أمام الاحتلال، وتَفضح ازدواجية المَعايير التي تمنح الحقوق لشُعوب وتَحجبُها عن شعوب أخرى.
ومن المفارقات اللافتة أن الوجدان الشعبيّ العربي كثيرًا ما حافَظ على حَرارة القضيّة، حتى في الأوقات التي بَرَدَت فيها الحسابات السياسيّة. وما شَهِدناه في السنوات الأخيرة من مَظاهر التّضامن العربي، وحضور فلسطين في وجدان الشّباب، وفي الفنون، والإعلام الجديد، وحَمَلات الإغاثة، يؤكّد أنّ العَلاقة لم تَنقَطَع، وإن تغيّرَت طُرُق التّعبير عنها.
لقد انتقلَت فلسطين من كونها قضية تُدار في المؤتمرات إلى قضية تُروى بالصورة، والشهادة، والكلمة، والذّاكرة الحية. وأصبَح الشاب العربي يَرى تَفاصيل الحياة اليوميّة في غزة أو القدس أو الضفة الغربية لحظةً بِلَحظَة، فَيشعر أن المسافات الجغرافية لم تَعُد قادرة على صِناعة الغياب.
لعلّ أَخطَر ما كَشَفته السنوات الأخيرة أن فلسطين لم تَعُد اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، بل أصبحت اختبارًا للنظام الإقليمي بأسرِه؛ تكشف قدرتَه على حماية المبادئ التي يُعلنها، وتكشف كذلك مَوقع الشعوب من قضايا الحرية والكرامة والعدالة.
إنّ الأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوّة، وإنّما بما تدافِع عنه من قيَم. وفلسطين، في هذا المعنى، ليست عبئًا على العرب، بل فرصة دائمة لمراجعَة الذات، وإعادة تعريف الانتماء، واستعادة المَعنى الأخلاقيّ للسياسة.
ربما لهذا السّبب بقيت فلسطين حاضِرة، رغم كلّ محاوَلات تهميشها. فالأفكار العادلة لا تَموت بانخفاض عدد الخُطب، ولا تتلاشى بتغيّر نشرات الأخبار. إنّها تَعيش كلّما وُجَد إنسان يُؤمن بأنّ الحرّية لا تَتَجزأ، وأنّ الكرامة حقّ لا يُمنح لشعب دون آخر.
لقد تغيّرت خرائط المنطقة مرّات كثيرة، وسقَطَت شعارات، وظَهرت تحالفات جديدة، لكنّ فلسطين بقِيت السؤال الذي يَعود في كلّ مرّة بصيغة مختلفة: أيّ شرق أوسط نُريد؟ وأيّ مستقبَل يمكن أن يُبنى إذا غابَت العدالة؟
لذلك، فإنّ فلسطين اليوم ليست مجرّد اسمٍ على الخريطة، ولا ذكرى نَستحضرها في المناسَبات، بل بوصَلة أخلاقيّة تُشير دائمًا إلى الاتجاه الذي يَنبَغي ألا نَفقده. فإذا ضاعَت هذه البوصلة، فلن تكون فلسطين وحدها هي الخاسرة، بل ستخسر المنطقة جزءًا من معناها، وسيخسَر الإنسان إحدى أهم القضايا التي ذكّرته، على الدوام، بأن الحقّ قد يتَأَخّر، لكنّه لا يَفقد شرعيّته، وأنّ الأوطان قد تُحتل، لكنّ القِيَم التي تدافِع عنها الشعوب الحرّة تبقى عصيّةً على الاحتلال.

د. زينات أبو شاويش
شاعرة وأكاديمية فلسطينية.



