على العتبة: قراءة في واقعنا قبيل الانتخابات

دعونا نحاول أن نصف واقعنا كما هو، قبل أي محاولة لإعادة تأويله. فالفلسطينيون اليوم موزّعون على أنظمة قانونية وسياسية متعددة لا يجمعها إطار سيادي واحد: مواطنون بلا مساواة فعلية داخل إسرائيل، وخاضعون لاحتلال مباشر في الضفة، ومحاصرون في غزة، ومقيمون في وضع قانوني معلّق في القدس، ولاجئون وأبناء شتات موزعون على عشرات الدول بلا جواز سفر موحد ولا تمثيل مركزي متفق عليه. وكل جزء من هذا الكل يخضع لمنطق قمع مختلف، وزمن سياسي مختلف، وأحياناً لغة مختلفة. هذا التشظي ليس عارضاً طارئاً يمكن حله بقرار سياسي واحد؛ إنه بنية استمرت أكثر من سبعة عقود، وأعادت إنتاج نفسها مع كل جولة تفاوض فشلت، وكل حرب اندلعت، وكل جيل ولد داخل الشرط ذاته. وداخل هذا التشظي الأكبر، يعيش فلسطينيو الداخل تشظياً من نوع آخر: رأس مال بشري متراكم لا يتحول إلى قوة جماعية، ونجاح فردي لا يعيد إنتاج نفسه مؤسسياً، وإمكانات تأثير سياسي تتسع وتضيق بحسب مزاج القوة الحاكمة لا بحسب منطق داخلي متماسك.

هذا واقع حقيقي، ولا فائدة من تجميله. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا ليس "كيف نتخلص من هذا الواقع لنصبح كالآخرين؟"، بل: ما الذي يمكن أن يراه من يقف في هذا الموقع بالذات، ولا يراه من يقف في مركز مكتمل السيادة؟

العتبة كموقع معرفي

في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية، صاغ فيكتور تيرنر مفهوم "الحالة العتبية" (liminality) لوصف اللحظة التي يعبر فيها الفرد أو الجماعة بين وضعين اجتماعيين، فلا ينتمي بعد إلى القديم ولم يصل بعد إلى الجديد. هذه الحالة، في الطقوس التقليدية، لا تُقرأ كعطب، بل كمرحلة إنتاجية بامتياز: هي اللحظة التي تُبتكر فيها الأشكال الاجتماعية الجديدة، لأن من يقف "بين" البنيتين يرى ما لا يراه من هو مندمج كلياً في إحداهما. وهذا الإطار يمنحنا لغة أدق من لغة "الأقلية" لوصف وضع فلسطينيي الداخل: نحن لسنا فقط "أقلية داخل دولة"، بل جماعة تقف بنيوياً على عتبة بين نظامين لا تنتمي كلياً إلى أي منهما، لا إلى الجماعة اليهودية الإسرائيلية المهيمنة، ولا إلى الجسد الوطني الفلسطيني الذي يعيش تحت احتلال مباشر أو في الشتات.

من هذا الموقع ذات الرؤية المزدوجة ممكن ذكر مفهوم دبليو إي بي دو بويز عن "الوعي المزدوج" - والذي صاغه لوصف تجربة السود في أمريكا، أن ترى ذاتك دائماً من خلال عيني الآخر المهيمن وعينيك في آن واحد - كأداة تحليلية تصلح، بتحفظ ووعي بالفوارق، لوصف تجربة من يحمل مواطنة الدولة ويحمل في الوقت نفسه ذاكرة وطنية مبنية على ألم النكبة والتهجير في دولة نحن مواطنيها ، واستقلالها هو ذاته سبب النكبة والتهجير. وهذا الوعي المزدوج ليس انفصاماً عابراً، إنه معرفة لا يملكها من يقف فقط داخل المركز أو فقط خارجه بالكامل. إدوارد سعيد، حين كتب عن القراءة "الطباقية" (contrapuntal)، لم يقصد بها فقط أسلوباً نقدياً في الأدب، بل موقفاً وجودياً: أن تقرأ النص الاستعماري وأنت تعرف في الوقت نفسه صوت من أُسكت داخله. من يعيش في الداخل الفلسطيني يقرأ إسرائيل من موقع لا يستطيعه المراقب الخارجي ولا يستطيعه من يعيش كلياً تحت الاحتلال: يعرف لغتها القانونية والإدارية من الداخل، ويعرف في الوقت ذاته ما تخفيه تلك اللغة عن نفسها.

من مركز واحد إلى كوكبة علاقات

المأزق الأعمق في الخطاب الوطني الفلسطيني التقليدي هو افتراضه الضمني بوجود مركز واحد "أصيل" للتجربة الفلسطينية - عادة ما يُتخيَّل في الضفة أو غزة أو الشتات السياسي - بينما تجربة الداخل تُعامل كهامش يحتاج إلى "إثبات فلسطينيته" أو كاستثناء يُعتذر عنه. هذا التراتب المركزي يستنزف طاقة نضالية هائلة في إثبات الانتماء بدل استثمارها في البناء. وهنا يقدّم إدوار غليسان، المفكر الكاريبي، أداة مفاهيمية غير مطروقة في هذا السياق تحديداً: فكرة "الترابط" أو "العلاقة" في مقابل فكرة "الجذر" الواحد. غليسان ميّز بين "الهوية-الجذر" التي تبحث عن أصل واحد نقي يجب الرجوع إليه دائماً، و"الهوية-الترابط" التي تتشكل من كثافة العلاقات المتبادلة بين تجارب مختلفة لا تحتاج إلى الذوبان في أصل واحد لتنتمي إلى نسيج واحد. وأضاف مفهوماً أكثر جرأة: "الحق في الغموض" أو "العتامة"، حق كل تجربة في ألا تُختزل بالكامل إلى تفسير الآخر لها، حتى الآخر الذي يشاركها الانتماء نفسه.

بهذا المنطق، لا تحتاج تجربة فلسطينيي الداخل إلى أن "تثبت" تطابقها مع تجربة غزة أو الضفة كي تكون فلسطينية بالكامل. الفلسطينيون اليوم كوكبة: نقاط متعددة، بأنظمة قمع مختلفة وأدوات نضال مختلفة، تكتسب قوتها الجماعية ليس من توحيد الأشكال، بل من كثافة الترابط المعرفي والثقافي بينها: لغة مشتركة، ذاكرة يُعاد إنتاجها بصور متعددة، شبكات أكاديمية وثقافية تنقل المعرفة أفقياً بين نيويورك وحيفا ورام الله وغزة والقدس، لا عمودياً من "مركز" إلى "هامش". وهذا بالضبط ما يمكن أن يكون طبقة المعرفة الجديدة التي يحتاجها المشروع الجمعي: ليس مشروعاً يبحث عن الاعتراف من مركز واحد (سواء كان الدولة الإسرائيلية أو المركز الوطني الفلسطيني)، بل مشروعاً يبني شرعيته من داخل شبكة العلاقات نفسها.

هذا التحول لا يحدث في فراغ؛ إنه يتقاطع مع لحظة عالمية ينبغي تسميتها بدقة. صاغ أنطونيو غرامشي عبارته الشهيرة عن "الأزمة" التي تكمن بالضبط في أن "القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد"، وقد استُعيد هذا المفهوم أخيراً لوصف اللحظة الدولية الراهنة: تراجع النظام الأحادي القطبية الذي قاده الغرب لعقود، صعود تعددية قطبية غير مستقرة، وتفكك تدريجي في فكرة "الدولة القومية ذات السيادة الكاملة" بوصفها الشكل الوحيد الشرعي للوجود السياسي. الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل بنية العمل والمعرفة بسرعة تفوق قدرة الدول على التشريع لها؛ والتغير المناخي يفرض تحالفات إقليمية عابرة للحدود التقليدية؛ والشبكات الرقمية جعلت جماعات الشتات فاعلة سياسياً بطرق لم تكن ممكنة قبل عقدين. وفي هذا السياق يصبح تمييز "سلطة السيادة" (المرتكزة على الأرض والجيش والحدود) و"سلطة الشبكة" (المرتكزة على من يتحكم بنقاط التقاطع بين شبكات المعرفة والمال والاتصال) مفيداً بشكل غير متوقع لحالتنا. فإذا كان نموذج فترة القرن العشرين-قرني للسلطة السياسية "الحقيقية" - دولة ذات سيادة كاملة أو موت - يفقد جزءاً من احتكاره للشرعية عالمياً، فإن الفاعلين الذين لم يمتلكوا يوماً سيادة كلاسيكية، والذين اضطروا تاريخياً إلى بناء قوتهم عبر المعرفة والعلاقة والشبكة لا عبر الأرض والجيش، قد يجدون أنفسهم، للمرة الأولى منذ عقود، في موقع أقرب إلى منطق العصر لا أبعد عنه.

هذا ليس تفاؤلاً ساذجاً، فاللحظات "البينية" في التاريخ خطرة كما هي منتجة؛ غرامشي نفسه حذّر من أن الفراغ بين العالم القديم والجديد يفرز أحياناً "أعراضاً مَرَضية" - تصاعد عنف، وارتداد نحو أشكال أكثر عدوانية من السيطرة، لا نحو الانفتاح. ونحن نرى هذا بوضوح في تصاعد سياسات اليمين المتطرف والتمييز الممنهج. لكن بالضبط لأن اللحظة خطرة وغير محسومة، فإن السؤال ليس "هل سيُمنح لنا مكان في النظام القديم؟"، بل: هل نبني، ونحن في العتبة، بنية معرفية وشبكية قادرة على الفعل بصرف النظر عن شكل النظام الذي سيخرج من هذا الفراغ؟

من الاعتراف المنتظر إلى القدرة المبنية

يختلف هذا الأفق جذرياً عن السؤال المعتاد في الخطاب السياسي العربي الداخلي، الذي يظل غالباً أسير سؤال الاعتراف: هل تعترف بنا الدولة كمواطنين كاملين؟ هل يعترف بنا المركز الوطني كجزء أصيل من الجسد الفلسطيني؟ هذا السؤال مشروع، لكنه يضع قوتنا رهينة قرار الآخر. أما الأفق المقترح هنا فمختلف: أن تصبح "العتبة" ذاتها موقع إنتاج - ليس بانتظار أن يُفتح لنا باب المركز، بل ببناء شبكة معرفة وعلاقة كثيفة، عابرة للجغرافيا الفلسطينية بأسرها، تستمد شرعيتها من الترابط لا من التطابق، ومن الفعل المعرفي المستمر لا من الاعتراف المؤجل.

وهذا، في نهاية المطاف، ما تضيفه هذه القراءة إلى كل ما ناقشناه من خرائط طريق ومؤسسات وشبكات: أنها لا تطلب الإذن لتبدأ. فالعتبة، إذا فُهمت لا كمكان انتظار بل كموقع رؤية، ليست ضعفاً ينتظر الشفاء، بل هي بالضبط المكان الذي يُبتكر منه ما لم يكن ممكناً في أي مركز مكتمل السيادة. وعلى عتبة هذه الانتخابات، ندعو السياسيين العرب إلى أن يقدّموا للناخبين، لا وعوداً بالوصول إلى المركز فحسب، بل خطة واضحة لبناء هذه القدرة الجماعية؛ وندعو الناخبين إلى أن يُحاسبوهم على هذا الأساس بالذات.

د. ميسون إرشيد شحادة

باحثة ومحاضرة في العلوم السياسية والتاريخ والتربية. ترأس وحدة الدخول إلى مهنة التدريس في الكلية الأكاديمية سخنين، وتدرّس في الجامعة المفتوحة، وتكتب عن الهوية الفلسطينية والمواطنة والتعليم.

رأيك يهمنا