صوتُنا ليس كلّ شيء.. لكنّه ليس قليلًا

في الجامعة وعلى شاشات الهواتف، تبدو الانتخابات الإسرائيلية أحيانًا كقضية نناقشها ثم نعود إلى حياتنا. لكن بالنسبة إلى الشاب الفلسطيني في الداخل، يصعب التعامل معها كاستحقاق إسرائيلي داخلي فقط. فالصندوق الذي يتوجه إليه في 27 تشرين الأول/ أكتوبر لا يحدد فقط من سيجلس في الكنيست، بل قد تمتد آثار القرارات الناتجة عنه إلى الضفة والقدس وغزة. هنا تبدأ المفارقة: ماذا يعني أن تكون فلسطينيًا وتشارك في انتخاب سلطة تؤثّر قراراتها في شعبك، بينما لا تملك وحدك القدرة على تحديدها أو تحديد سياساتها؟
نحن مواطنون "إسرائيليون" نملك حق الانتخاب ونستطيع اختيار ممثلينا، لكننا في الوقت نفسه جزء من الشعب الفلسطيني. لذلك لا يمكن النظر إلى صوتنا باعتباره منفصلًا عن الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس. المجتمع الإسرائيلي كلّه ينتخب الكنيست، ومن موازين القوى داخله تتشكل الحكومات والسياسات، أما الصوت العربي، فهو على أهميّته، يعمل ضمن موازين أوسع منه. المشاركة لا تعني أننا اخترنا الحكومة أو أننا مسؤولون عن كلّ سياساتها، لكنها أيضًا لا تجعل صوتنا بلا معنى.
وموقف المجتمع العربي السياسي ليس موقفًا واحدًا. هناك من يرى في المشاركة حقًا مدنيًا وسياسيًا وأداة للدفاع عن قضاياه من دون التخلّي عن الهوية الفلسطينية، بينما جرّبت قوى أخرى المشاركة في ائتلاف حكومي كوسيلة تأثير إضافية. لكن تجربة حكومة بينيت–لابيد أعادت طرح سؤال حدود تأثير حزب عربي داخل ائتلاف تحكمه موازين أوسع. لذلك لا ينبغي اختزال المشاركة في سؤال الهوية، ولا اختزال التمسّك بالهوية الوطنية في الموقف من الصندوق؛ فالسؤال الأهم هو كيف نستخدم الأدوات السياسية المتاحة للدفاع عن حقوقنا والتأثير في واقعنا دون التنازل عن هويتنا
هذا السؤال لا يخص الفلسطيني في الداخل وحده. فقد يملك شاب في الداخل صوتًا انتخابيًا محدودًا، بينما يعيش شاب في غزة نتائج سياسات حكومة لا يملك حق انتخابها، وفي الضفة والقدس تستمر آثار القرارات الإسرائيلية في الأرض والحركة والاستيطان والأمن. الفلسطينيون إذن يقفون في مواقع مختلفة أمام منظومة سياسية واحدة تؤثّر في حياتهم.
لا يكفي أن نَسأل ماذا يفعل الفلسطيني أمام الصندوق، بل علينا أيضًا أن نَسأل ماذا تكشف الانتخابات عن المجتمع الإسرائيلي؟ فهي لا تعيد توزيع المقاعد فقط، بل تكشف ما الذي أصبح مقبولًا سياسيًا، وأيّ قضايا صارت في مركز النقاش وأيّها تراجعت إلى الهامش. لذلك لا تتعلق قراءتها فقط بمن سيدخل الحكومة، بل أيضًا بما تقوله خيارات الناخبين عن المجتمع والسياسة في إسرائيل.
صحيح أن الانتخابات ليست لحظة سحرية يتغيّر بعدها الواقع كله، ولا ينبغي وصف كل انتخابات بأنها مصيرية. لكن الانتخابات الحالية تحمل أهمية خاصة، فهي الأولى بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبته، وبعد مرحلة تركت آثارًا عميقة في الفلسطينيين والإسرائيليين والمنطقة. لذلك لا يتعلّق السؤال بعدد المقاعد فقط، بل بموازين القوى التي ستحدد شكل الحكومة المقبلة واتجاهاتها.
بالنسبة إلى جيل الشباب، لم تعد غزة خبرًا بعيدًا، كما أصبحت الضفة والقدس حاضرتين في نقاشاته حول المواطنة والهوية والمستقبل. وفي الداخل يعيش هذا الجيل العنف والجريمة، وأزمات السكن والأرض والفجوات الاقتصادية والاجتماعية، والعنصرية والتضييق السياسي والمدني. من هنا تكتسب المشاركة وزنها؛ فالصوت الواحد لا يملك القرار، لكن مجموع الأصوات يصنع قوة سياسية، ونسب المشاركة والامتناع تؤثر في حجم التمثيل وموازين القوى داخل الكنيست.
الاعتراف بحدود الصندوق لا يعني التنازل عن القوة الموجودة داخله. فالحقوق السياسية تكتسب معناها بالممارسة وتحويل الصوت الفردي إلى وزن جماعي. لكن أهمية الانتخابات لا تعني اختزال دور الشباب فيها؛ فمسؤوليتهم السياسية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع ولا تنتهي عنده. هناك بلدات تعاني العنف والجريمة، وجامعات تحتاج إلى حركات طلابية حيّة، ومؤسسات وأحزاب تحتاج إلى طاقات وأفكار جديدة، ومساحات مدنية يمكن أن يتحوّل فيها الشباب من جمهور ينتظر القرارات إلى قوة تشارك في صناعة الواقع.
جيل الشباب ليس مجرّد «كتلة انتخابية» تظهر في الحملات ثم تختفي، بل جزء أساسي من المجتمع، ومن حقه ومسؤوليته أن يكون حاضرًا، وأن يبادر وينظم ويقود ويطالب بموقعه في صناعة القرار. لكن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم؛ فالأحزاب والمؤسسات مطالبة بفتح المجال أمامهم، وإشراكهم في مواقع الفعل وصنع القرار، والاستثمار في أفكارهم ومبادراتهم.
ربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث لجيل كامل هو أن يقتنع بأن صوته لن يؤثر ومبادرته لن تصل. ومواجهة هذا اليأس لا تكون ببيع الشباب وهمًا بأن صندوق الاقتراع سيغير وحده كل شيء، ولا بإقناعهم بأنه لا يغير شيئًا، وإنما بفهم واقعي لمسؤوليتنا: لدينا أدوات للتأثير، ومسؤوليتنا ألا نتنازل عن أي مساحة نستطيع أن نكون فاعلين فيها. الصندوق مساحة، والجامعة والحزب والمؤسّسة والحركة الطلابية والمبادرة المحلية والعمل الثقافي والمجتمعي مساحات أخرى، والقوة الحقيقية في وصلها وتحويلها إلى فعل متراكم.
لهذا فإن السؤال الذي يواجه جيل الشباب أكبر من الانتخابات، لكنه لا يتجاوزها: ماذا نفعل بالأدوات التي نملكها؟ وكيف نحول الصوت الانتخابي إلى جزء من حضور سياسي ومجتمعي أوسع؟ وكيف ننتقل من انتظار ما يقرّره الآخرون بشأن واقعنا إلى أخذ موقعنا في محاولة تغييره؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها ورقة اقتراع وحدها، لكنها تبدأ من رفض التنازل عن أيّ أداة متاحة، ثم الاستمرار في العمل بعد إغلاق الصناديق.
قد لا يستطيع جيل واحد أن يغيّر كل شيء، لكنه يستطيع أن يرفض أن يكون مجرد متلقٍ لواقع يصنعه الآخرون، وأن يراكم بالصوت والتنظيم والمبادرة والعمل قدرة أكبر على التأثير فيه. فالانتخابات محطة مهمة، وما يأتي بعدها لا يقل أهمية عنها. والمسؤولية السياسية تبدأ من حقنا في أن يكون لنا صوت وحضور، وتمتد إلى مسؤوليتنا اليومية عن مجتمعنا ومستقبلنا. لأن جيلًا يريد واقعًا أفضل لا يستطيع أن ينتظر الآخرين كي يصنعوه له؛ عليه أن يأخذ مكانه، وأن يكون شريكًا في صناعته.

ثائر وسام عبود
ناشط في العمل التربوي والشبابي والسياسي. حاصل على اللقب الأول في العلوم الإنسانية والاجتماعية، واللقب الثاني في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ويدرس حاليًا مسار تأهيل معلمين في التربية الخاصة.



