هل يُمكِن أن يصبح بن غفير رئيسَ وزراء إسرائيل؟

مرّ المجتمع الإسرائيلي بمراحل متعاقبة من التحوّل الاجتماعي والسياسي والفكري. فقد بدأ بالاشتراكية الجمعويّة القومية العلمانية الأشكنازية، ثم انتقل، في نهاية السبعينيات، إلى يمينٍ قومي علماني، قبل أن يتحوّل، بتسارع كبير، إلى نزعات يمينية شوفينية. ويبدو أن المَرحلة الأخيرة لا عودةَ عنها بوضوح تام.

هذه الانتقالات الاجتماعية والسياسية والفكرية لها أسبابها الموضوعية، داخليًا وخارجيًا. فالمرحلة الأخيرة التي تعيشها إسرائيل تميّزت بحروب داخلية وخارجية، ومحاولة تجَريف المؤسسات والهيئات التي بنت إسرائيل وتجويفها وتفريغها، وتطويعها لأفكار النُخب الجديدة واتجاهاتها.

تُقدم النُخب اليمينية المتطرّفة الحالية، يهوديةً من نوع خاص؛ يهوديةً بسيطة وشعبية تدير ظهرها للتّسويات، والحلول الوسط، وحتى لإدارة الصّراعات وتهدئتها. إنها يهودية بسيطة، لكنها مُغرية وجذّابة، تعتمد على القوة المذهِلة في امتلاك الأرض وإعادة تشكيل المنطقة، من خلال إيمانٍ عميق بالتميز والأحقية والأفضلية.

لا تُبدي هذه النخب معرفةً واسعة بالعالم، ولا رؤية شاملة للصراعات والمصالح والتحالفات. إنها تستبدل اللغة العالميّة بلغة دينية ذات مدلول واحد، وتَستبدل السلام مع المحيط بالسلام في الداخل، ولا تتورّع عن استخدام كلّ وسيلة، مهما كانت عنصرية وغير أخلاقية، من أجل بقائها واستمرارها.

الأكثرُ خطورة من ذلك أن نزعاتها المشيحانية تبرّر كل عنف، أو تُورّطها في العنف باعتباره ضرورة. بكلمات أخرى؛ أعتقد أن إسرائيل وصلت إلى مكانٍ لا عودة عنه: فالتطرّف يقود إلى تطرّف أكبر، والتشدّد يقود إلى تشدّد أكثر منه. والتشدّد في الفكر المشيحاني عادةً علامةٌ مهمة على تحقيق المعاني والمقاصد والأهداف الأخيرة، وهذا ما رأيناه في الحركات والأحزاب المشابهة في الحاضر والماضي.

انطلاقًا من كلّ ما سبق، فإن ظاهرة إيتمار بن غفير تشكّل، برأيي، وجه إسرائيل الجديد. فالرجل يمثّل الزعامة الشعبوية بكلّ حوافها، تلك الزعامة التي رأيناها في تجارب تاريخية. هو ذو كاريزما معينة، ذَربُ اللسان، ويبدو وكأنه يصدّق بأفكاره ويحَترق بها. هو نشيط ومبادر، وصاحب مخيّلة واسعة، وقادر على اقتراح حلول مفاجئة، وعلى التجنيد والتحريض، كما أنه يمتلك لغة شعبية سهلة الامتصاص والتمثّل.

يعتمد بن غفير على تفسيرات دينية بالغة البساطة والقوة، تسوّغ الاستعلاء والتميّز والتملّك والتوسّع، من دون مساءَلة أو حساسية أخلاقية، مع كلّ ما يمكن أن يجلبه ذلك من عدوان أو حتى كوارث.

بن غفير رجل يتخلّص من الصهيونية القديمة ويأتي بصهيونية أخرى أكثر عنفًا وتهورًا وطيشًا؛ صهيونيةٍ يغذيها بالتّسويغ الديني والغَطرسة القائمة على القوة والامتلاء الروحي. لهذا السبب بالذات، فإن أفكاره تنتشر حتى بين أفراد في الجيش الإسرائيلي، لأنّها تقدم لهم صيغة سهلة ومباشرة وقابلة للتنفيذ.

هذه الأفكار أصبحت شائعة، ولم تَعُد على الهامش، ولم يعد أحدٌ يخجل منها: فالتوسّع أمر إلهي، والقتلُ استباق للمستقبل، والتهجير تَصحيح تاريخي، والقضاء على المحكمة العليا إضعاف للعبة الديمقراطية، والتوراة فوق القانون، والجَماعة فوق الدولة. أفكار لم تكن من قَبل جزءًا أساسيًا من النقاش العام، لكنها أصبحت كذلك اليوم.

لهذا فإن ظاهرة بن غفير ليست عابِرة، بل مستمرّة وقابلة للنمو والسيطرة، إن لم يكن في أيامه، فقد تكون بَعدَه. والسؤال هنا ليس فقط ما إذا كان الرجل يستطيع الوصول إلى رئاسة الحكومة، وإنّما ما إذا كان المجتمع الإسرائيلي يتّجه أصلًا إلى البيئة التي تَجعل وصوله ممكنًا.

يَحصل بن غفير اليوم على ثمانية إلى عشرة مقاعد، حسب استطلاعات الرأي، ومن المُمكن أن يصبح رئيسًا للوزراء في حالات عدّة.

أولًا، بسبب عَدم قدرة الأحزاب الكبيرة على الحسم، بما يدلّ على عمق الانقسامات والاختلافات داخل المجتمع الإسرائيلي، فقد يصبح بن غفير حلًا في تشكيل حكومة ائتلافية قد تكون ضعيفة أو مهدّدة، لكنه قد يَفعل كما حَدَث مع نفتالي بينت عندما شكّل حكومة رغم امتلاكه ستة مقاعد فقط.

ثانيًا، إذا حدثت مفاجأة من قبيل تقدّم بن غفير على أحزاب أخرى، كالليكود أو يش عتيد أو غيرهما، فقد يصبح هذا الاحتمال، وإن كان ضعيفًا أو متوسطًا، محتملَ الحدوث.

وثالثًا، قد لا يتمكّن بن غفير من أن يكون رئيس الوزراء هذه المرة، لكنّه قد يكون كذلك في مرّات لاحقة. فالصهيونية التي يكرّسها هي صهيونية متطرّفة ومغرية، خصوصًا أن الظرف الدولي والإقليمي مواتٍ لذلك.

في الاتجاه المعاكِس، يمكن القول إن الرجل لا يَلقى قبولًا دوليًا، وإن انتخابه رئيسًا للوزراء سيؤدّي إلى عزل إسرائيل أكثر. كما أن أُصوله الشرقية قد تكون، في نظر بعض النخب، عاملًا يَحول دون تسلّمه هذا المنصب، رغم أن المجتمع الإسرائيلي يتحوّل أكثر فأكثر إلى مشرقية تحمل معها مخاطرها على شكل الدولة ومضمونها.

باختصار، قد تبدو إمكانية أن يتسلّم بن غفير رئاسة الحكومة اليوم فكرة غير مقبولة أو بعيدة، لكنها قد تتحقّق في المستقبل القريب. فحين يصبح التطرف جزءًا من التيار العام، لا يَعود السؤال فقط: هل يصل المتطرّف إلى السلطة؟ بل يصبح السؤال الأصعب: متى يصبح وصوله إليها أمرًا طبيعيًا؟

د. أحمد رفيق عوض

مدير مركز المتوسط للدّراسات الإقليمية.

رأيك يهمنا