القِيادَة في زَمَنِ الخَوارِزمِيّة والصّورَة: كَسْرُ هَيمَنَةٍ أَم فَوضَى؟

كان يُنظر إلى الإعلام دائمًا كوسيط: يَنقل خبر الحَدث من مكان حدوثه إلى الجمهور، ويكتفي بدور الشّاهد أو المعلّق. لكن في السَنوات الأخيرة، لم يَعُد هذا الدور كافيًا لوصف ما يَحدث. لم يَعُد الإعلام اليوم يَنقل المشهد فقط، بل يُشارك في صناعته، ويَقودُه في كثير من الأحيان، خاصة حين يتعلّق الأمر بصناعَة القيادات.
لم يَعُد السؤال: من هو القائد؟ بل أصبح أكثر إرباكًا: من قرّر أن يكون هذا الشخص قائدًا أصلًا؟

في المَشهد الإعلامي التقليديّ، كانت القيادة تُبنى عَبر مَسار طويل: تَجربة، وحضور اجتماعي أو سياسي، ثمّ يأتي الإعلام لاحقًا ليغطّي هذا المَسار ويَعرِضه للجمهور. أمّا اليوم، فقد انقَلَبَت الصورة. الظُهور يَسبق الفِعل، والصورة تَسبِقُ الموقف، والمحتَوى يصنع مكانة عامة قبل أن تُختبر على أَرض الواقع. بهذا المَعنى، تحوّل الإعلام إلى أَداة حاسمة في إبراز أشخاص معيّنين، وفي الوقت نَفسه تَهميش آخرين، أحيانًا دون معايير واضحة أو مهنية فعليّة.

لا يُمكن فَصل هذا التحوّل عن تغيّر بنية الإعلام نفسها. مع صعود المنصّات الرقميّة ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تَعُد المؤسّسات الإعلامية الكُبرى وحدها صاحبة القَرار في ما يُروى وما يُخفى. الخوارزميّات دَخَلت بقوة، وأصبحَت هي من يحدّد ما يَظهر، وما يُدفن، ومَن يحصل على فرصة التّأثير. في هذا السياق، بَرَزَت أشكال جديدة من "القيادات": قيادات تنتَشر بسرعة، تَحصُد تفاعلًا عاليًا، لكنّها في كَثير من الأَحيان تفتَقِر إلى العُمق أو المَشروع الحقيقي.

هنا تَبرز مسأَلَة الهيمنة السرديّة؛ أي سيطرة رواية واحِدة على الفَضاء العام، تُقدَّم وكأنّها الحقيقة الكاملة التي لا بديل عنها. الإعلام، بقوّته الرمزيّة، لا يكتفي بعرض هذه الرواية، بل يُعيد إنتاجَها وتثبيتها عَبر التكرار، والانتقاء، وإعادة التأطير. وضمن هذه العملية، تتحوّل القيادة إلى جزء من القصّة نفسها: قائد يُصوَّر كبطل، أو كمخلّص، أو كخيار وحيد لا يُمكن تجاوزه.

في المقابل، فتح الإعلام الرقمي أيضًا نوافذَ حقيقية لكَسْر هذه الهيمنة. ظَهَرت منصّات بديلة، وصَحافة مستقلة، وأَصوات فرديّة استطاعت تقديم روايات مختلفة، وطرح أسئلة مزعِجة، ومساءَلة الخطاب السائد. لكن هذا الكَسر لا يَعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة؛ ففي أحيان كثيرة يَقود إلى فَوضى سرديّة، حيث تتزاحم الروايات دون معايير واضحة، ويصُعب على الجمهور التمييز بين ما هو نقدي وما هو مضلِّل.

أمّا التّأثير الإعلامي اليوم، فلم يَعُد مباشرًا أو خطابيًا فقط، بل أصبح أكثَر نُعومة وتعقيدًا. فصورةٌ محسوبة، أو خطابٌ مشحون بالعاطفة، أو فيديو قصير قد يكون كافيًا لصناعة تعاطفٍ واسع، وربما لصناعة قيادة كاملة خلال وقت قصير. في هذا السّياق، لا يعود الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل يصبح شريكًا في صناعة القيادة، من خلال التّفاعل، والمشاركة، وإعادة النشر.

في النهاية، يَكشف هذا المشهد عن تحوّل عميق في العلاقة بين الإعلام والقيادة. ففي زمن تُصنع فيه القيادات عبر الشّاشة والخوارزمية، تبرُز الحاجة إلى وعي نقديّ حقيقيّ، يميّز بين القيادة الفعليّة والصورة المصنوعة، وبين الرواية المهيمنة والحقيقة المركّبة. فالإعلام قد يَصنَع القائد، لكن مساءَلته تبقى مسؤولية جمهور واعٍ، لا يكتفي بما يُعرض عليه.

إخلاص أبو زر

صحافية فلسطينية مستقلة. 

رأيك يهمنا