الكتابة عن العنف ضدّ النساء

كلّما فكّرت في الكتابة عن العنف ضدّ النساء، أتردّد أمام سؤال يسبقه: من أي موقع سأتحدّث عن المرأة، وفي أي موقع سيضعها كلامي؟ أعي ضرورة تسمية الأذى ورفضه، لكنّ شيئًا من التّوجس يثار بداخلي عندما تُعرض صورة المرأة التي تحتاج دائمًا إلى الحماية، وإلى من يشرح للآخرين لماذا ينبغي ألّا تُظلم. أخشى أن يضيع شيء من حضورها حين تصبح المعاناة طريقًا أساسيًا إلى رؤيتها.
لا يقلّل هذا التوجّس من أهمية مواجهة العنف، لكنه يطرح سؤالًا عن صورة المرأة في الكلام الذي يُكتب للدفاع عنها. فالمرأة صاحبة حق قبل أن يقع عليها الأذى؛ لها حضور في العمل والتعلّم والحياة الاجتماعية والسياسية، ولها أن تشارك في صنع القرارات التي تمسّها وتمسّ غيرها. حاجتها إلى الأمان جزء من حقوقها، لكنّ حياتها أوسع من هذه الحاجة.
مع ذلك، قد يضيق الاعتراف بهذا الحضور حين تختلف اختياراتها عن الدور المتوقّع منها. فقد يدافع شخص عن أمان امرأة، ثم يتردّد أمام حقها في اختيار حياة لا يرضى عنها. وقد يُحتفى بقوّتها حين تتحمّل وتتفرّغ للآخرين، بينما يُنظر إلى اعتراضها بوصفه خروجًا عن مكانها. كأنّ الاعتراف بها يظلّ مرتبطًا، ولو ضمنيًا، بمدى قربها من الصورة المقبولة.
يساعد تحليل محمد حاج يحيى في مقاله عن البنية الأبوية وعدم المساواة والعنف ضدّ النساء في المجتمع الفلسطيني (2005) على فهم ذلك. فهو يربط سلطة الرجال بتوزيع الأدوار والموارد، ويشير إلى تفاوت في التوقّعات من المرأة والرجل. في البنية الأبوية التي يحلّلها، يُربط اكتمال المرأة ونجاحها بكونها زوجة وأمًّا، بينما تُترك للرجل مساحة أوسع لتحديد مدى انخراطه في دورَي الزوج والأب. يوجّه هذا التحليل الانتباه إلى مَن تتاح له الخيارات، وإلى مدى ارتباط مكانة الشخص بالتزامه بالدور المتوقّع منه.
تظهر هذه القيود في تفاصيل كثيرة، من اختيار اللباس ومجال العمل إلى المشاركة في نشاط عام، أو اختيار شريك، أو إنهاء علاقة. ومنها أيضًا عدم الزواج أو عدم الإنجاب. حين تقول امرأة إنها لا تريد أن تكون زوجة أو أمًّا، هل يُعامَل موقفها بوصفه اختيارًا يخصّها، أم علامة على أن فيها شيئًا يحتاج إلى الإصلاح؟ وهل تُرى لها حياة ذات معنى خارج هذين الدورين؟ ويصبح الأمر أشدّ مساسًا بها حين يتعلّق بجسدها، وبحقها في رفض علاقة جنسية أو حمل لا تريده، من دون أن تُعامَل موافقتها بوصفها واجبًا.
يمكن أن يختلف الآخرون مع قرار امرأة أو رجل، وأن يناقشوه أو يحاولوا إقناع صاحبه برأيهم. لكنّ اختلافهم لا يمنحهم الحق في فرض قرار آخر أو معاقبة الشخص لأنه لم يوافقهم. لذلك يهمّ الانتباه إلى ما يحدث حين تتمسّك المرأة باختيارها، وإلى قدرتها على الرفض من دون أن يُهدَّد أمانها أو مورد رزقها أو مكانها في العائلة. حين تُستخدم الإهانة أو التهديد أو السيطرة على مالها وحركتها لإجبارها على التراجع، يصبح الأذى وسيلة لفرض الدور المطلوب منها. من هنا يأتي الحديث عن العنف، وعن التوقّعات التي قد تُستخدم لتبريره.
وقد تُقدَّم هذه القيود نفسها بوصفها خوفًا على المرأة ورغبة في حمايتها. لذلك تستحق كلمة "الحماية" بعض التوقّف. فقد تعني توفير الأمان الذي يسمح لها بأن تعيش وتختار وتشارك، وقد يُطلب منها باسمها أن تتخلّى عن عمل أو علاقة أو حضور عام، أو أن تترك القرار لغيرها. قد يكون الخوف عليها صادقًا، لكنّ أثره في حياتها يظلّ مهمًّا. فإذا كان أمانها مشروطًا بتنازلها عن إرادتها، تصبح الحماية نفسها جزءًا من القيود المحيطة بها.
تظهر شروط الاعتراف بحقوق المرأة أيضًا في التعامل مع امرأة تتعالج من الإدمان، أو أخرى تركت العمل الجنسي (الدعارة). هما تجربتان مختلفتان، لكنّهما تدفعان إلى السؤال عمّا يُتاح للمرأة حين تحاول تغيير حياتها. هل يُنظر إلى حاضرها وما تريده الآن، أم يظلّ الماضي هو الصورة التي تُقرأ من خلالها؟ قد يصبح كل ما تقوله موضع شك، ويُستخدَم ما مرّت به للتقليل من رأيها أو الاعتراض على عملها وعلاقاتها ومشاركتها في الحياة العامة. عندها يمتدّ الحكم من تجربة بعينها إلى مكانتها وما يُسمح لها أن تكونه بعدها. وربما يبدو التعاطف معها ممكنًا ما دامت تظهر نادمة ومحتاجة، ثم يتقلّص حين تتكلّم بثقة أو تطالب بحق أو تتّخذ قرارًا لا يرضى عنه الآخرون. حقها في العلاج والأمان والمشاركة يظلّ قائمًا، حتى حين لا ترضي سيرتها الآخرين.
قد تكون المعايير التي تحكم هذه الصورة مألوفة إلى درجة يصعب الانتباه إليها. وقد تتبنّاها النساء أيضًا، فتدخل في تصوّرهنّ لأنفسهنّ ولغيرهنّ، وتصبح معيارًا لما يحقّ للمرأة أن تريده أو تفعله. هذا ما يُسمّى تذويت تلك التصورات.
في دراسة لأمارات زاتوت ومحمد حاج يحيى (2016)، ارتبط تبنّي التصورات الأبوية بتبرير ضرب الزوجة ولومها على العنف الذي تتعرّض له، لدى عيّنة غير عشوائية من النساء الفلسطينيات المتزوّجات في الداخل. وفي مقالهما المنشور عام 2018، حمّلت غالبية المشاركات الأزواج المعتدين مسؤولية سلوكهم، ورأت العنف مشكلة اجتماعية. لا تختصر هذه النتائج النساء في موقف واحد، لكنها تتيح التفكير في المعايير التي قد يحملنها أيضًا. فحين يصبح الدور المتوقّع من المرأة أساسًا للحكم عليها، قد ينصرف الاهتمام إلى مخالفتها هذا الدور، ويتراجع الاهتمام بالأذى الذي تعرّضت له.
تكتسب هذه التصورات أثرًا أوسع حين تدخل في عمل المؤسسات. تربط نادرة شلهوب-كيفوركيان وسهاد ظاهر-ناشف في بحثهما عن قتل النساء والاستعمار (2013) بين أنظمة السيطرة الاجتماعية والمؤسسات الرسمية في المجتمع الفلسطيني في الداخل، ضمن السياق السياسي والاستعماري الذي تعمل فيه. وفي مقالهما عن سياسات قتل النساء في سياقات استعمارية (2012)، تصفان حالات استعانت فيها الشرطة بوجهاء لم تخترهم المرأة، بما قد يعزّز سلطتهم عليها. تكشف هذه الحالات أن إجراءات الحماية نفسها تحتاج إلى مساءلة عن مدى احترامها إرادةَ المرأة، وعن السلطة التي تمنحها للآخرين في تقرير حياتها.
يمتدّ فحص هذه الصورة إلى الروايات التي تُكتب عن النساء. في الجزء الأول من تقرير كيان "قتل النساء: ظلاميّة المشهد وآفاق المقاومة" (2021)، تستند رباب طميش ومنى محاجنة إلى شهادات من عائلات وأصدقاء نساء قُتلن. تفتح هذه الشهادات نافذة على حياتهنّ قبل الجريمة، وعلى علاقاتهنّ ومحاولاتهنّ التعامل مع ما تعرّضن له. وتكشف أيضًا كيف يَراهنّ المحيطون بهنّ؛ فقد لاحظت الباحثتان في بعض الأوصاف تثمينًا للطاعة والسكوت، مقابل تحفّظ تجاه الرغبة في الاستقلال.
في نقد التغطية الإعلامية، يورد التقرير شهادات عن الاكتفاء بالرواية الرسمية، وانتقاء صور الحزن وإهمال أقوال أفراد العائلة. إذ تروي إحدى الأمهات أن بكاءها ظهر في التغطية، بينما غابت التفاصيل التي تحدّثت عنها. وتلاحظ الباحثتان أن النساء يظهرن في بعض التغطيات داخل مشاهد الفقد، فيما تغيب أقوال تطالب بالتغيير. يبدو توجّسي من اختزال المرأة في معاناتها أكثر وضوحًا عند هذه الشهادة. فالأم المفجوعة لديها أيضًا ما تقوله عن الجريمة. وحين يُعرض بكاؤها ويُهمَل كلامها، يصل حزنها إلى الجمهور، ويغيب ما تحاول إيصاله إليه. فتظهر في التغطية كأنّها مجرّد ضحية ترأف لها القلوب وحسب.
أفكّر أنّ للكتابة دور في توسيع هذه المساحة، وفي الانتباه إلى ما تفعله التفاصيل التي تختار عرضها. فذكر لباس امرأة أو اختياراتها أو ماضيها في سياق الأذى الذي تعرّضت له ("هي اختارت تطلع من البيت"، "قلنالها وطّي صوتك، خلّي كلمته تمشي")، قد ينقل الاهتمام من مسؤولية من آذاها إلى مدى التزامها بما كان متوقّعًا منها. وربما يجد القارئ، رجلًا كان أو امرأة، في ذلك فرصة لفحص الصورة التي يذوّتها هو أيضًا. أيّ حياة يتخيّلها للمرأة؟ وماذا يتغيّر في موقفه منها حين تختار حياة أخرى؟ يمكن أن يظهر شيء من هذه الصورة في نصيحة يومية أو نكتة عابرة، وفي أدوار تبدو طبيعية إلى درجة لا يعود أحد يسأل كيف استقرّت.
ما تتعرّض له المرأة من أذى لا يقول كلّ شيء عنها. ومن الطبيعي أن تحتاج إلى الحماية والدعم، وأن تكون متعبة أو متردّدة، وأن تظلّ صاحبة إرادة وحضور. وربما يكون هذا ما أريده من الكتابة عن العنف ضدّ النساء؛ أن تسمّي ما يؤذي المرأة، وأن تسأل أيضًا عن التصوّرات التي قد تجعل هذا الأذى مقبولًا أو تُلقي مسؤوليته عليها، وأن تترك لها مساحة لتظهر بما تريده وتقوله وتفعله، من دون أن تصبح المعاناة تعريفًا لها. فرفض العنف ضدّ المرأة والاعتراف بحقوقها لا ينبغي أن يكونا مشروطين بتوافق اختياراتها مع التوقّعات المجتمعية.
مراجع
Haj-Yahia, M. M. (2005). On the characteristics of patriarchal societies, gender inequality, and wife abuse: The case of Palestinian society. Adalah’s Newsletter, 20(1), 1-6.
Haj-Yahia, M. M., & Zaatut, A. (2018). Beliefs of Palestinian women from Israel about the responsibility and punishment of violent husbands and about helping battered women. Journal of Interpersonal Violence, 33(3), 442-467.
Shalhoub-Kervorkian, N., & Daher-Nashif, S. (2013). Femicide and colonization: Between the politics of exclusion and the culture of control. Violence against women, 19(3), 295-315.
Shalhoub-Kevorkian, N., & Daher-Nashif, S. (2012, December 17). The politics of killing women in colonized contexts. Jadaliyya.
Zaatut, A., & Haj-Yahia, M. M. (2016). Beliefs about wife beating among Palestinian women from Israel: The effect of their endorsement of patriarchal ideology. Feminism & Psychology, 26 (4), 405-425.
كيان - تنظيم نسوي. (2021). قتل النساء: ظلامية المشهد وآفاق المقاومة. كيان - تنظيم نسوي.
د. حداد، وليد. (2021، 28 تشرين الثاني/نوفمبر). حبوب الهلوسة تفتك بالشباب ومجتمعنا يرفض الحديث عن فتيات يتعاطين المخدرات. عكا نت.

نوّار مصاروة
متخصّصة نفسيّة عياديّة، تعمل في مجال الصحّة، وتبحث في موضوعات النّفس والاجتماع.



