الانتخابات الإسرائيلية، مصيرٌ بين المقاطعة والتشويه والتقصير

بعد تقديم القوائم المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، قَدّم حزب "عوتسما يهوديت"، الذي يترأسه الوزير إيتمار بن غفير، يوم الأربعاء الفائت 23/9/26، طلبًا إلى "لجنة الانتخابات المركزية" لشطب "القائمة العربية الموحدة" التي يرأسها د. منصور عباس.

وقد كانت هذه الخطوة متوقعة؛ فمحاولات شطب القوائم العربية ومنعها من المشاركة في هذه الانتخابات تندرج في صلب برامج الأحزاب اليهودية اليمينية المتطرفة، وتتماشى مع مطلبها العنصري بضرورة إقصاء المواطنين العرب عن الحياة السياسية.

يشار إلى أن "لجنة الانتخاب المركزية" هي جسم سياسي مكوّن من ممثلي أحزاب الكنيست، ويرأسها القاضي المستوطن نوعم سولبرغ؛ قاضي المحكمة العليا. قد تقبل هذه اللجنة بتركيبتها الحالية طلب شطب القائمة الموحدة، وعندها ستنتقل المواجهة إلى ساحة المحكمة العليا، التي من المرجّح أن ترفض الطلب، وتُبقي على ترشيح القائمة، كما حدث مرّات سابقة مشابهة.

بدأت مقالتي بتسليط الضوء على محاولات القوى اليمينية العنصرية الدؤوبة المسَّ بأحد أهم مستحقات المواطنة في الدول التي تعتمد في نظامها السياسي مبدأ الديمقراطية البرلمانية، وهو حق جميع المواطنين في المشاركة بالعملية السياسية التي تحدد طبيعة نظام الدولة السياسي وشكله. لا يمكننا الحديث عن محاولات الإقصاء العنصرية من دون أن نتناول محاولات الإقصاء الذاتية التي تنادي بها بعض الجهات الناشطة بين المواطنين العرب أنفسهم. وإن تعودنا في الماضي على خوض هذه النقاشات بروتينيّة مكرّرة، لا يمكن أن نتجاهل خصوصيتها في هذه اللحظات السياسية المفصلية التي ستكون فيها الانتخابات لا مجرّد موعد دوري لاختيار 120 برلمانيًا، بل اختبارًا حقيقيًا ومصيريًا لتحديد مكانة المواطن العربي وقدرته على التأثير في مستقبل النظام السياسي الآتي، وشروط بقائه ليعيش في ظلّه. 

فالدعوات إلى مقاطعة الانتخابات، مهما كانت دوافع أصحابها، ومهما كانت مشروعية الانتقادات التي يوجهونها إلى الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية، تحتاج إلى نقاش يتجاوز الانفعالات والشعارات التقليدية المعهودة، وينأى عن استحضار مراسم الخيبة من ممارسات بعض القيادات وأطرهم التنظيمية، مهما كانت حقيقية وصحيحة. 

إن الامتناع عن التصويت، في الأوضاع السياسية المتهاوية داخل الدولة، وإن كان يندرج ضمن الحقوق الطبيعية للمواطنين، سوف تكون له، هذه المرّة، نتائج سياسية وخيمة في تحديد موازين القوى داخل البرلمان وخارجه، وقواعد لعبة جديدة بين مؤسسات الدولة ومواطنيها العرب؛ ولنا في ما يصرحه وينفذه عمليًا قادة الأحزاب العنصرية وميليشياتها، أكبر وأوضح دليل على ما ينتظرنا. 

من حق تلك التيارات التي ترفض المشاركة في الانتخابات أن تطرح سؤالها الأساسي: ما جدوى العمل البرلماني إذا كانت قدرة النواب العرب على تغيير الواقع معدومة أو محدودة؟  وما قيمة المشاركة إذا كانت الأحزاب التقليدية قد فقدت جزءًا من ثقة الناس، وإذا كانت تلك القيادات عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة للأزمات المتراكمة؟ هذه أسئلة مشروعة، بل إن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى مثل هذه الأسئلة، غير أن مشروعية السؤال لا تعني بالضرورة صحة النتيجة التي تقود إلى ضرورة المقاطعة.  

يمكن الإجابة على هذه التساؤلات في البداية بتساؤل معاكس، وهو ماذا لو لم يكن ضمن نواب الكنيست نوّاب عرب يدافعون عن حقوق المواطنين ويطالبون بها ويحققون بعضها، ويتصدون بنجاح أحيانًا لكل ما من شأنه الإساءة لهم؟ أو نواب يهود يدعمون حقوق المواطنين العرب ويتصدّون للإساءة المدمّرة لهم كما يخطط له نواب الأحزاب العنصرية الفاشية المتطرفة؟  

السياسة ليست فن تحقيق الممكن الكامل، بل تعني، في وجهها الآخر، فن إدارة الممكن في ظلّ موازين قوى غير متكافئة؛ بيد أنها تعني في الأصل القدرة على صياغة هذا الممكن والمشاركة في تشكيله من موقعك وأنت تحافظ على مجتمع حصين ومتماسك، وعلى هويتك الوطنية، ومتمسكٌ بطموحاتك المبدئية. 

لا يدّعي المشاركون في الانتخابات أن البرلمان/ الكنيست هي الساحة النضالية الوحيدة التي يمكن فيها صياغة هذا الممكن وتشكيله؛ لكنها تبقى، من دون شك، أهم هذه الساحات وأكثرها إتاحة كي يمارس المواطن المسيّس والعادي والقلق أحد أهم حقوق المواطنة وواجباتها، وهو محاولة التأثير على شكل نظام الحكم وقوانين الدولة ووظائف مؤسساتها السيادية. وكما يطرح المقاطعون تساؤلاتهم النظرية حول شرعية المشاركة في البرلمان الصهيوني أو نجاعة تلك المشاركة، يمكن مساءلتهم بمثلها: فما هي ساحات نضالاتهم الناجعة والمؤثرة التي قاموا بها خارج ساحات البرلمان ووفقًا لمبادئهم وبرامج نضالاتهم؟ وهل ساهمت خياراتهم في إفشال سياسات القمع والعنصرية والحدّ من صعود القوى اليمينية المتزمتة والعنصرية والفاشية، التي تتأهّب، من خلال الانتخابات المقبلة، لاستلام زمام الحكم لتنهي ما بدأت بتنفيذه في دورة الحكومة الحالية؟  

يمكننا تحديد أربع جهات رئيسة تطالب بمقاطعة الانتخابات. أولها أصحاب مشروع دولة الخلافة الإسلامية؛ فعقيدة هذا التيار لا تجيز لهم الاعتراف بالمؤسسة السياسية الأم، ولا إضفاء الشرعية عليها بما يتجاوز معنى المشاركة الإجرائية، مثل مشاركتهم في السلطات المحلية مثلًا. هذا موقف فكري نحترمه لكننا نختلف معه ونناقش تداعياته وإسقاطاته، لا على من يؤمنون به وحسب، إنما على جميع أبناء المجتمع ومن هم خارجه ويتأثرون بتبعاته.

أما التيارات التي ترى في المقاطعة تعبيرًا عن موقف وطني وقومي، فالنقاش معهم كان وما زال حول طبيعة الدولة وحدود المشاركة والانخراط في مؤسساتها؛ وهو خلاف سياسي وفكري قديم ومشروع. لكن السؤال العملي الموجه له يبقى: هل أدت في الماضي أو ستؤدي المقاطعة في الظرف السياسي الحالي إلى تحقيق الأهداف التي ينشدونها؟  وما هي هذه الأهداف فعلًا؟ أم أن المقاطعة تركت وستترك الساحة للقوى السياسية الأخطر علينا وعليهم، فالساحات لا تعرف الفراغ ولا السياسة تقبل من يجعلها عاقرًا. 

وهناك من يطالبون بالمقاطعة من يأسهم، بسبب تراجع دور الأحزاب والحركات السياسية وغياب دور المؤسسات القيادية واختلال عمل مؤسسات المجتمع المدني؛ وهي الفئة التي أنهكتها الخيبات. لا تضمن السياسة النتائج التي يريدها المواطن، كما لا يوجد حزب يستحق ثقة المواطن المطلقة، لكن الفرق بين الناخب الذي يصوت ثم يبقي لنفسه الحق كي يحاسب من انتخبه، والمواطن الذي ينسحب ويقاطع، أن الأول يحتفظ بأداة التأثير وقدرته على المساءلة، بينما يتنازل الثاني عنها ويتخلى عن دوره كعضو حيوي ومؤثّر في مجتمع مهدد ومحاصر.

أما الفئة الرابعة، وقد تكون أخطر الفئات جميعها، فهي فئة المزايدين والمحرضين والمدسوسين الذين يقومون بنشر مسببات التيئيس المغرض والتشهير والدعوة إلى اعتماد هويات متشظية ووهمية، والتحريض على جميع الأحزاب العربية والقيادات العربية، وعلى جميع المؤسسات، بهدف تقويض شرعيتها. ومن خلال تقويض شرعياتهم ينتقلون للهجوم على شرعية العمل السياسي الوطني بهدف إخلاء الساحات لعملاء ووكلاء سياسات القمع والعنصرية والاضطهاد والطائفية؛ وهؤلاء يجب فضحهم والتصدّي لهم.  

يخطئ من لا يرى أن الانتخابات المقبلة هي معركة على إنتاج القوة السياسية التي ستضع حدود الشرعية في كلّ التقاطعات التي سنواجهها، نحن المواطنين العرب، في علاقاتنا مع مؤسسات الدولة؛ وفي هذا السياق يصبح التصويت فعلًا من أفعال المواطنة الفاعلة والمشتبكة، لا فعلًا من أفعال الولاء. قد نختلف على تقييم دور الأحزاب، وجدوى العمل البرلماني وحدود المشاركة في نظام سياسي لا نتفق معه، قد نختلف على كل ذلك، لكن يجب ألّا يتحول هذا الاختلاف إلى صراع بين "المخلصين" و"الخونة"  أو بين المشاركين والمقاطعين، بل يجب أن يبقى نقاشًا مسؤولًا حول أيّ الخيارات يمنح مجتمعنا قدرة أكبر على الصمود وحماية وجوده ومصالحه وصيانة حرياته ومحاسبة ممثليه والتأثير على القرارات التي ستحدد مستقبل ومساحات وجوده في الدولة.

إنها معركة على المصير.    


عن "القدس العربي".

المحامي جواد بولس

محام وكاتب فلسطيني

رأيك يهمنا