المقاطَعة بوصفها مسارًا سياسيًا: لماذا وماذا بَعد؟

من المهم بدايةً وضعُ أمرٍ أساسي في مكانه الصحيح. ليس الخلاف بين المشاركين في انتخابات الكنيست والمقاطعين لها، بمختلف توجّهاتهم، خلافًا وليد اللحظة، ولا نتيجة للظروف السياسية الراهنة، ولا خلافًا بين وطنيين وغير وطنيين، بل هو خلاف سياسي تاريخي مشروع وممتدّ منذ عقود. لكل طرف رأيه ووجهة نظره والزاوية التي ينظُر منها، ومن حق كل طرف أن يشرح اجتهاده وأن يدافع عنه.

فمنذ قيام دولة إسرائيل، اختلف الفلسطينيون في الداخل حول سؤال المشاركة في مؤسّساتها السياسية، وفي مقدمتها الكنيست، وإن لم يكن لهذا الخلاف حضور سياسي وتنظيمي واضح في العقد الأول، في ظلّ ظروف الحكم العسكري والواقع السياسي الذي فرضته عليهم الدولة. ثم أَخذ الموقف الرافض للمشاركة شكلًا أكثر وضوحًا مع تأسيس حركة أبناء البلد عام 1972 وتبنّيها مقاطعة انتخابات الكنيست.

في عام 1996 دخل النقاش منعطفًا مهمًا مع انقسام الحركة الإسلامية حول المشاركة في انتخابات الكنيست، فاختار تيار منها المشاركة، بينما رفَض تيار آخر هذا المسار، وتبنّى العمل السياسي والشعبي خارج الكنيست. في عام 2015 حظرت السلطات الإسرائيلية الحركة الإسلامية، الجناح الشمالي، بقرار حكومي.

على هذا النحو، تبلور أمام الفلسطينيين في الداخل مساران سياسيان: المشاركة باعتبارها إحدى أدوات العمل السياسي، والمقاطعة باعتبارها خيارًا سياسيًا ومبدئيًا يرى أصحابُها أنها أكثر انسجامًا مع رؤيتهم الوطنية، ومع العمل السياسي من خارج إطار الكنيست.

مع ذلك، من المهم أن نكون دقيقين في قراءة التاريخ، فالمشاركة كانت المسار الغالب انتخابيًا لدى العرب الفلسطينيين في الداخل، بينما ظلّت المقاطعة أقلية من حيث حجم المشاركة الانتخابية. هذه الحقيقة لا تحسم الجدل حول جدوى أيّ من المسارين، لكنها تؤكّد أن الخلاف قديم ومتجذّر، وأن المقاطعة ليست موقفًا طارئًا أفرزته الانتخابات الحالية.

لذا، ينبغي أن يبقى هذا الخلاف اختلافًا في المسار لا في الهمّ، وفي الأداة لا في الانتماء. وعلينا جميعًا، مقاطِعين ومصوّتين، أن نحافظ على الودّ والاحترام وحسن الأدب، وأن نعذر بعضنا في اختلاف الاجتهادات السياسية، ما دامت لا تتجاوز الثوابت الوطنية والسياسية المشتركة. فقد نختلف حول الكنيست، لكننا نلتقي في العمل الميداني والشعبي، وحمل هموم أهلنا، والدفاع عن الأرض والمسكن والمقدسات، وقضايا كثيرة تتجاوز صندوق الاقتراع.

أما المقاطعة، فهي ليست موقفًا ضد الأحزاب العربية أو القوائم الانتخابية، ولا حكمًا على الأشخاص الذين اختاروا خوض الانتخابات، وإنما هي موقف سياسي موجّه أساسًا إلى المؤسسة نفسها، وإلى المنظومة السياسية التي تمثل الكنيست أحد أعمدتها الأساسية.

فالكنيست ليست مجرّد منصة محايدة يمكن استخدامها بمعزل عن طبيعة النظام الذي تعمل داخله، وإنما هي المؤسسة التشريعية المركزية التي تُسن فيها القوانين. ولا يمكن فصلها عن منظومة سياسية وقانونية راكمت على مدى عقود سياسات وقوانين أضرت بحقوق الفلسطينيين، ورسخت أشكالًا من التمييز والسيطرة على الأرض والموارد. ومن ثم، فإن السؤال ليس فقط من هو النائب الذي سيدخل الكنيست، بل مدى صلاحية هذه المؤسسة لتكون أداةً للتمثيل السياسي، لا سيّما أنها تقوم على بنية سياسية تضمن للكتلة اليهودية الأغلبية، بما يجعل قدرة الأقلية العربية على إحداث تغيير جوهري من داخلها محدودة. هذه ليست مسألةً نظرية، بل قراءة تستند إلى تجربة أكثر من سبعة عقود. 

من هنا أيضًا، فإن وصف كل انتخابات بأنها "مصيرية" لا يكفي وحده لتغيير هذا الموقف. نعم، المرحلة الراهنة خطيرة، وقد تكون حكومة أكثر تشددًا من أخرى، لكن علينا أن نسأل سياسيًا: هل مشاركة العرب هي العامل الحاسم فعلًا في إسقاط الحكومة أو بقائها؟ وهل مستقبل السياسة الإسرائيلية يتوقّف على الصوت العربي، أم أن الصراعات وموازين القوى داخل المجتمع والأحزاب الإسرائيلية هي العامل الأكبر؟

هذه الأسئلة مهمة، لأن إسقاط حكومة بعينها لا يعني بالضرورة تغيير طبيعة المنظومة نفسها. لذلك فإن الخوف من حكومة أكثر يمينية، على أهميته، لا يكفي وحده لتحويل المشاركة إلى "ضرورة" وإغلاق نقاش سياسي عمره عقود. وخصوصًا أن من يقرأ المشهد الإسرائيلي بتمعن وتروٍّ يلاحظ بوضوح انزياحًا متواصلًا في الساحة السياسية الإسرائيلية نحو اليمين، وأن الحكومة الحالية، بتركيبتها وسياساتها، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن هذا التحوّل الأوسع، بل يمكن أن تكون تعبيرًا عن اتّجاه سياسي يتجاوز عمر هذه الحكومة.

لكن المقاطعة، في المقابل، ليست بلا كلفة، ولا ينبغي أن نهرب من الأسئلة الصعبة. هل نخسر أدوات كان يمكن استخدامها؟ هل نترُك مقاعد ومواقع يمكن توظيفها لخدمة الناس؟ نعم، هذه أسئلة مشروعة، ويجب أن نجيب عنها بجدّية لا بالشعارات. لكن للمشاركة أيضًا حدودها وأكلافها، ولا يجوز افتراض أن وجود ممثلين داخل الكنيست يعني تلقائيًا امتلاك القدرة على تغيير السياسات أو التحكم في القرار.

هنا أصل إلى السؤال الأهم: ماذا بعد المقاطعة؟

المقاطعة لا تعني الانسحاب من السياسة، وإنما تعني توسيع أدوات العمل والتأثير خارج الكنيست، من خلال العمل الشعبي والميداني، وبناء المؤسسات والأطر المجتمعية، والعمل القانوني والحقوقي، والإعلام، والدفاع عن الأرض والمسكن والمقدسات، وتنظيم المجتمع، وبناء قدرة شعبية مستمرة على الضغط والتأثير. هذه الأدوات موجودة أصلًا في مجتمعنا، لكنها تحتاج إلى تعزيز وتطوير وتقوية، وإلى الانتقال بها من الجهود المتفرقة إلى عمل أكثر تنظيمًا واستدامة.

لكن بناء البديل ليس مسؤولية المقاطِعين وحدهم. نعم، تقع على المقاطِعين مسؤولية أكبر في بناء أدوات بديلة ما داموا يرفضون أداة المشاركة البرلمانية، لكن بناء مشروع وطني جامع هو مسؤولية جميع التيارات والحركات، داخل الكنيست وخارجها. فنحن، حتى اليوم، لم ننجح في بناء مشروع وطني جامع قادر على تنظيم طاقات شعبنا وحماية وجوده وحقوقه، ولا يمكن للكنيست أن تقوم بهذه المهمة. وما أصاب بعض أطرنا الوطنية، وفي مقدمتها لجنة المتابعة، من ضعف وترهل، هو جزء من هذه الأزمة الأوسع.

لذلك، لا أعتقد أن المعادلة هي إما الكنيست وإما العزلة. السياسة أوسَع من الكنيست، والتأثير أوسَع من صندوق الاقتراع، وبناء القوة المجتمعية والوطنية لا ينبغي أن يرتبط بمسار انتخابي واحد.

في النهاية، سيبقى الخلاف حول المشاركة والمقاطعة خلافًا سياسيًا مشروعًا امتد عقودًا. من حقي أن أختار المقاطعة وأن أدافع عنها، كما من حق غيري أن يختار المشاركة وأن يدافع عنها. المهم ألا يتحوّل اختلافنا في الأداة إلى خصومة بين أبناء الشعب الواحد، وأن يبقى السؤال الأهم حاضرًا: كيف نبني قدرة وطنية حقيقية تحمي شعبنا وهويته وحقوقه وثوابته، وتمنحه أدوات فعل وتأثير تتجاوز حدود الكنيست وصندوق الاقتراع؟

ساهر غزاوي

كاتب وباحث أكاديمي في مجالات السياسة، والشأن الإسرائيلي والفلسطيني، والمجتمع العربي. مسؤول الملفين الإعلامي والتوثيقي في مؤسسة "ميزان" لحقوق الإنسان في الناصرة.

رأيك يهمنا