الصّوت الذي يَتجاوَز الصّندوق

أفكّر في الانتخابات القادمة، ولا أريد أن أبدأ بالسؤال التقليدي الذي يتردّد في كلّ دورة انتخابية: من سيحصل على عدد أكبر من المقاعد؟ بل أجد نفسي مشغولةً بما يحدث بعد أن ينتهي عدّ الأصوات، وما يتركه هذا الفعل في واقعنا اليومي.
كتب جون ديوي أن الديمقراطية ليست مجرّد شكل من أشكال الحكم أو آلية اقتراع إجرائية، وإنما هي «طريقة للعيش المشترك». أما باولو فريري، الذي جعل من التربية مجالًا رئيسًا للتحرّر، فقد ربَط المعرفة بالحوار والقدرة على قراءة الواقع والمشاركة في تغييره. بالنسبة لي، هاتان الفكرتان تلتقيان في سؤال جوهري واحد: ماذا نفعل بالصوت الذي نملكه حين يُفتح الصندوق؟
إن الانتخابات الإسرائيلية ليست شأنًا داخليًا محضًا ينتهي أثره عند حدود شبكة الاقتراع. فالناخب الذي يملك حق التصويت يختار ممثلين في دولة تمتد قرارات حكومتها وسياساتها إلى مناطق وعوالم يعيش فيها ملايين الفلسطينيين الذين لا يشاركون في هذا الاختيار، ولا يملكون أيّ قدرة على التأثير فيه عبر الصندوق. لذلك فإن مسؤولية الناخب لا تتوقف عند حدود مواطنته أو حقوقه المدنية المباشرة، لأن نتائج قراره تمسّ حياة ومصير إنسان ينزف أو يُحاصر أو يُمنع من الحركة في جهة أخرى. هنا تتجاوز المسألة بعدها السياسي لتصبح مسألة أخلاقية وإنسانية بالدرجة الأولى.
حين نختار، على سبيل المثال، الاستثمار في التعليم، فنحن لا نبني فقط جدرانًا لمدارس أفضل، بل نفتح أمام جيل كامل إمكانات للتفكير والتساؤل لم تكن متاحة له. وحين ننادي بتنمية متساوية وبنية تحتية وفرص عمل حقيقية للشباب والنساء في المجتمع العربي، فإننا لا نتحدث عن «خدمات» أو معونات تُقدم لجمهور محدد، بل عن كسر آليات التمييز البنيوي، وتقليص فجوات أعمق تؤثر في صحة المجتمع برمتها.
في الواقع الراهن، حيث يزداد الخوف وتضيق المساحات، تبرز أهمية حماية حرية التعبير والبحث الأكاديمي. إننا حين ندفع باتجاه صيانة هذه الحريات، لا نحمي فقط أستاذًا في جامعة أو طالبًا يعبّر عن رأي غير مريح للتيار السائد، بل نحمي قدرة المجتمع بأكمله على التفكير في أخطائه ومراجعة ذاته. إن المدرسة التي يخشى فيها الطالب أن يَسأل، والجامعة التي يتردد فيها الأكاديمي في البحث أو النقد، تفقد جوهر وظيفتها. فالتربية، كما فهمها فريري، لا ينبغي أن تكون تدريبًا على الصمت والامتثال، بل مساحة حيّة للحوار والتفكير والتغيير.
ينقلنا هذا إلى مسألة الشراكة والعمل المشترك بين العرب واليهود.
الشراكة بالنسبة لي ليست صياغة بيانات إنشائية، ولا صورة مشتركة في التقاطة إعلامية، ولا مجرّد اتفاق على أن نختلف بأدب. الشراكة الحقيقية هي القدرة على التواجد والعمل معًا في الأماكن التي تتشكّل فيها الحياة اليومية وتُتخذ فيها القرارات: في الفصول الدراسية والجامعات، في البلديات والمؤسسات، في الاقتصاد والمجتمع المدني، وفي الشارع السياسي.
تحدث الفيلسوف مارتن بوبر عن علاقة «أنا وأنت»؛ ذلك اللقاء الإنساني الذي لا يحوّل الآخر إلى موضوع أو إلى تصنيف جامد، بل يراه إنسانًا كاملًا ومستقلًا. وربما نكون اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذه النظرة، في وقت أصبح فيه من السهل والمريح تسكين الآخر ضمن تصنيفات حادّة: عربي أو يهودي، فلسطيني أو إسرائيلي، مؤيّد أو معارض. لكن الآخر ليس مجرّد خانة أو تصنيف.
خلال سنوات عملي في التعليم والنشاط الاجتماعي والسياسي، ولمسي المباشر تفاصيلَ التحديات الميدانية، تعلّمت أن التغيير الحقيقي والعميق لا يحدث عندما نتفق على كل شيء، بل عندما نملك الشجاعة والقدرة على أن نختلف ونبقى قادرين على بناء حراك يحمي كرامة الإنسان وعدالته. إن الحراك المدني والسياسي المشترك قد لا يغيّر الخريطة البرلمانية بين ليلة وضحاها، لكنّه يبني شبكات أمان مجتمعية وأخلاقية، ويُبقي على إمكانية التغيير قادمة من الأسفل إلى الأعلى.
لهذا السبب، أرى أن كل صوت يحمل مسؤولية تتجاوز صاحبه. صوت المواطن العربي في الجليل أو المثلث لا يبقى في الجليل أو المثلث، وصوت المواطن في القدس أو يافا لا يتوقف عند حدود مدينته. إن القرار الذي يتخذه الناخب يترجم إلى سياسات تطال بشكل مباشر أو غير مباشر أهلنا في الضفة وغزة، وتنعكس على مستقبل العلاقات بين جميع سكان هذه البلاد. بل إن ما يجري هنا يتجاوز الحدود الإقليمية؛ فهذه الحرب، وهذا الوجَع الممتد، أصبحت آثاره جرحًا حاضرًا في ذاكرة ومشاعر ملايين البشر حول العالم.
بناءً على ذلك، لا أرى أن المشاركة أو الفعل السياسي هما مجرّد حق، بل هما مسؤولية مزدوجة تجاه من يستطيع التصويت ومن يُسلب هذا الحق، تجاه من يعيش معنا وتجاه من يعيش خلف الحواجز، وتجاه الأجيال القادمة التي ستتحمل تبعات القرارات التي تُتخذ اليوم.
أنا لا أبحث عن انتخابات مثالية، ولا أتوهّم أن صندوق الاقتراع قادر بمفرده على صناعة سلام عادل وشامل. لكنني أؤمن بأن الصوت، والعمل الذي يرافقه، يمكن أن يفتحا مساحة؛ مساحة تدفع باتجاه سياسات تختار التنمية بدل الإهمال، والتمكين والحوار بدل التحريض، والمساواة بدل التمييز، والتعليم الحرّ بدل الجهل والخوف، والشراكة الفاعلة بدل العزلة والإقصاء.
تبقى بعد ذلك المسؤولية الأساسية المُلقاة على عاتقنا: ماذا نفعل بهذه المساحة؟
فالانتخابات تبدأ وتنتهي في يوم واحد، أما المجتمع الذي نصنعه بأصواتنا وأفعالنا ومواقفنا اليومية فيبقى معنا سنوات. ربما لهذا السبب أعود دائمًا إلى فريري: إن التغيير ليس حلمًا هاربًا أو منفصلًا عن الواقع؛ بل يصبح الحلم ذا معنى حين يتحوّل إلى ممارسة واعية ومستمرة.
أريد لصوتي، وصوت كل من يسعى للتغيير، أن يكون بداية لهذه الممارسة؛ لا نهاية لها.

د. وردة سعدة
ناشطة ورائدة في مجالات التربية والتعليم والعمل الاجتماعي والسياسي. تنشط في مبادرات وحراكات الشراكة والعمل المشترك الداعية إلى العدالة والمساواة والتغيير المجتمعي.



