بين نظريّة «السلام» وأسطورة «متسادا»: لبناني بانتظار الانتخابات الإسرائيليّة

من مفارقات هذا الشرق الحزين أن تنتظر القوى السياسية اللبنانية، ولو ببرودة وخوف، مسار الانتخابات الإسرائيلية المقبلة واتجاهاتها، كما هي حال باقي دول المنطقة.
هذه الحالة ليست جديدة، إذ إن الرهان العربي واللبناني، منذ عقود النصف الثاني من القرن الماضي، قام على التمايز بين الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة: بين اليسار واليمين، ودعاة السلام والحوار والمتشددين، والداعين إلى التفاوض وإيجاد حلّ للصراع والرافضين له بشكل مطلق، وانتظار انعكاس انتصار أيّ فريق على القضية المركزية في الصراع.
لكن المحطة الأبرز بالنسبة إلى لبنان كانت في العام 2000، بعدما تعهّد إيهود باراك لناخبيه، في العام 1999، بالانسحاب نهائيًا من لبنان. وسرعان ما ربط الرأي العام اللبناني بين إعلان باراك الانتخابي وتنفيذ وعده بالانسحاب فعليًا، ما يعني تأثيرًا مباشرًا للانتخابات الإسرائيلية على لبنان.
ومنذ العام 2006 حتى العام 2023، كانت سنوات الهدنة و«الحرب من خلف الأسوار» منضبطة على إيقاع الحدود الدولية، لنصل إلى لحظة فاصلة خرجت فيها الاستراتيجية الإسرائيلية من سابق عهدها، نحو نظرية جديدة مختلفة عن تاريخ الصراع.
انتخابات 2026: تحت تأثير 7 أكتوبر
في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، أيّ إسرائيل قد تخرج من الصندوق؟ وأيّ واقع فلسطيني ولبناني وسوري قد تكرّسه نتائجها أو تغيّره؟ وهل ما سيتغيّر هو الحكومة فقط، أم اللغة والسياسات وحدود الممكن؟ وهل ما زالت الانتخابات تدور حول الاختلاف بين الأحزاب، أم أن ثمة توجهات أيديولوجية وسياسية باتت أعمق من التنافس الحزبي نفسه؟
بالفعل، فإن السؤال حول الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن يكون من زاوية السؤال التقليدي: من سيفوز؟ بل من زاوية أوسع: ماذا سيفوز؟
يبدو جليًا، وفق ما تطرحه الدراسات والمراجع والخبراء، أن إسرائيل بعد 7 أكتوبر ليست هي إسرائيل التي عرفها الناس من قبل. فالتحوّل الجذري في العمق النفسي والسياسي والرؤيوي بات مختلفًا، وأصبحت أكثر ميلًا إلى استخدام القوة والتوسّع في مختلف الساحات. ويبدو الأمر جليًا في غزة ولبنان وسوريا، وفي التعامل مع مختلف خصومها في المنطقة. فقد سقطت نظرية الاختباء خلف الأسوار، وأصبحت العودة إلى القتال في ساحات الآخرين هي السائدة.
لبنان بالانتظار
بالطبع، سيكون لبنان بانتظار نتائج هذه الانتخابات، ولو أن السائد هو اعتقاد راسخ بأن فوز أيّ اسم أو قوة إسرائيلية سيُبقي الاستراتيجية تجاه لبنان واحدة. فتغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغييرًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان.
سقطت نظرية «العام 2000» الإسرائيلية، التي قادها إلى حدّ كبير باراك واليسار الإسرائيلي، والتي كانت تقوم على الخروج من الساحات الخارجية والعودة إلى الحصن للدفاع عنه. وهذا ما تجلّى في الانسحاب من قطاع غزة في العام 2005 والتراجع عن التدخل في الساحات الأخرى.
ودفعت أحداث 7 أكتوبر بنظرية العودة إلى التوسع والتدخل في مختلف الساحات إلى حيّز التطبيق المباشر. فحروب غزة ولبنان مستمرة، والتوسع في الجنوب السوري، والمشاركة في الحرب على إيران واليمن والعراق، تسير على قدم وساق. وبالتالي، فإن العقل الجمعي الإسرائيلي قد ذهب في اتجاه آخر، ولم يَعُد كما كان عليه في العقدين الماضيين.
من هنا، ومن موقع لبناني مراقب لسيرورة الصراع وواقع تحت تأثير نتائجه، يمكن تلخيص بعض العِبر على الشكل التالي:
- هامشية تأثير الانتخابات الإسرائيلية في إحداث تغيّرات جذرية تجاه لبنان، فالتوجهات العامة واضحة وتنحصر بين اليمين ويمين اليمين وأقصى اليمين، وكلّها متوافقة على التشدد تجاه حزب الله ولبنان.
- بعد العام 2023، سقطت نظرية عملية السلام، ونحن اليوم في مواجهة حروب مفتوحة على كلّ الاحتمالات، ولم يَعُد الرهان على تسويات ثابتة وجذرية أمرًا واقعيًا.
- سقطت نظرية «إسرائيل لا تحتمل حربًا طويلة»، وبات الواقع يقول إن الدولة قد أعدّت العدة لحروب طويلة الأمد وفق قواعد اشتباك مستمرة.
- سقطت نظرية «إسرائيل لا تحتمل خسائر بشرية»، وعلى ما يبدو أن العقل الجمعي الإسرائيلي قد ذهب باتجاه كلّ الخيارات، بما فيها الخسائر البشرية الكبيرة، بل أعاد إلى الأذهان أسطورة «حصن متسادا» في رفض الاستسلام أو الخضوع، وهذا مؤشر جديد في الصراع.
- الصراع بين كتابَي «الشرق الأوسط الجديد» و«مكان تحت الشمس»، حيث انتهت نظرية إسحاق رابين وشمعون بيريس ومعسكر السلام القائمة على التوجه نحو التنمية الاقتصادية. وقد عبّر كتاب شمعون بيريس عن ذلك بوضوح، وأصبحنا في المقلب الآخر أمام تطبيق لنظرية كتاب بنيامين نتنياهو، القائمة على فرض الأمر الواقع بالقوة.
على ما يبدو، فإن انتظار الانتخابات الإسرائيلية من أجل إحداث تغيير تجاه لبنان ليس واقعيًا. فكلا المتصارعين داخليًا متفقان على سياسة القوة تجاه حزب الله، وعلى فرض المنطقة الأمنية العازلة في الجنوب، فيما تعطي موازين القوى الإقليمية هذه النظرية إكسير حياة للسنوات المقبلة.

عامر ملاعب
كاتب وصحافي لبناني، يحمل شهادة الدبلوم في التاريخ من الجامعة اللبنانية، عمل في صحيفتي الأخبار والحياة. أعد وقدم برامج في قناة الثبات الفضائية، وإذاعة صوت الشعب. رئيس تحرير موقع "radarlb".



