الانتخابات الإسرائيليّة: ثلاثة أسئلة على المحكّ

تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 في ظروف استثنائية. فهي تُجرى بعد حرب الإبادة المستمرة على غزة منذ عام 2023، وفي ظلّ تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، وتوسّع المشروع الاستيطاني على الأرض، واستمرار هيمنة اليمين الإسرائيلي على الحياة السياسية منذ ما يقارب عقدين.

وتأتي أيضًا على خلفية حالة من التّشرذم والانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي؛ انقسام سياسي وقيمي بين اليمين واليسار، والعلمانيين والمتدينين، والشرقيين والأشكناز، والتيارات الليبرالية والمحافظة. وقد أصبحت هذه الصراعات الداخلية في صلب النقاش العام الإسرائيلي، في وقت تبدو فيه معظم هذه الخلافات وكأنها وصلت إلى طريق مسدود. ولا يبالغ بعض المحللين حين يصفون الحالة بأنها أشبه بـ«حرب بين الإخوة»، في إشارة إلى صراعات تتجاوز التنافس الحزبي لتطال أسئلة الهوية والدولة والمجتمع. كما تعكس هذه التحوّلات توترات تاريخية متراكمة، من بينها شعور قطاعات من اليهود الشرقيين بالتهميش التاريخي على يد النُخب الأشكنازية، فضلًا عمّا يكشفه المشروع الاستيطاني من نزعات متزايدة نحو التطرف، خصوصًا حين يتداخل الاستعمار الاستيطاني مع الخطاب الديني والقومي، بما يقود إلى مظاهر فاشية باتت أكثر حضورًا في المشهد السياسي الإسرائيلي.

في خضم هذه التحولات، تبرز ثلاثة أسئلة أساسية بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل وموقفهم من الانتخابات المقبلة.

السؤال الأول: عن المسؤولية السياسية

يبرز هنا سؤال مركزي: ما هي مسؤولية الفلسطينيين في الداخل في خضم هذه التحوّلات، خصوصًا أنهم المجموعة الفلسطينية الوحيدة التي تمتلك حق المشاركة السياسية المباشرة بحكم حملها المواطنة الإسرائيلية؟

منذ عام 1949، رأى الفلسطينيون الذين بقوا في وطنهم أن المشاركة في الانتخابات تمثّل إحدى أدوات ضمان البقاء ضمن معادلة المواطنة. وقد نجحت هذه المشاركة، إلى حدّ ما، في حماية وجودهم السياسي والمدني، لكن هذا البقاء كان مشروطًا منذ البداية.

فحتى عام 1966، عاش الفلسطينيون داخل إسرائيل تحت الحكم العسكري، وهي تجربة شكّلت، برأيي، أساس العلاقة الأولى مع الدولة المتّسمة بالكثير من محطات المواجهة، أكثر مما فعلت تجربة المواطنة نفسها. من هنا ظلّ النقاش قائمًا حول ما إذا كانت المشاركة السياسية تمنح شرعية لإسرائيل أم أنّها تمثل وسيلة تأثير في موازين القوى القائمة. وقد نشطت، على مدار سنوات طويلة، مجموعات دعت إلى مقاطعة الانتخابات انطلاقًا من هذا المنطلق.

في المقابل، يتجدّد اليوم الحديث عن ضرورة المشاركة والتصويت، خصوصًا في ظل مرحلة تُعدّ مفصلية. يأتي هذا النقاش في ظل حكومة تطلق العنان للمستوطنين واعتداءاتهم في الضفة الغربية، وتواصل الحرب على غزة، وتتبنى سياسات تمسّ أيضًا الفلسطينيين في الداخل.

يعكس الخطاب الانتخابي الحالي للقائمة المشتركة، التي أطلقت حملتها الانتخابية في أيلول/ سبتمبر 2026، هذا الفهم؛ إذ يربط بين العنف والجريمة وهدم البيوت داخل المجتمع العربي، وبين توحّش الاستيطان في الضفة الغربية، وحرب الإبادة على غزة. ويقوم هذا الربط على رؤية الفلسطينيين بوصفهم جماعة سياسية واحدة تواجه أشكالًا مختلفة من الإقصاء والتمييز والعنف عبر كامل الجغرافيا الفلسطينية.

من هنا يكتسب حق الاقتراع معنىً يتجاوز كونه حقًا ديمقراطيًا فرديًا، ليصبح أداة ضغط وتأثير ومساءَلة سياسية. ويحمل الفلسطينيون في إسرائيل اليوم مسؤولية خاصة، ليس فقط لأنهم يمارسون حقهم السياسي، بل لأنهم يمتلكون مساحة تأثير قد لا تكون متاحة لغيرهم من الفلسطينيين.

من هنا يشعر كثير من الفلسطينيين في إسرائيل بأنهم يمثّلون صوتًا سياسيًا لفئات فلسطينية أوسع لا تمتلك أدوات التأثير ذاتها داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وأن المسؤولية التاريخية تفرض عليهم محاولة الحدّ من نفوذ التيار الاستيطاني وتأثيره في صناعة السياسات التي تستهدف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الوجود الفلسطيني في مختلف أماكن توزُّعه.

لكن السؤال لا يقف عند حدود المشاركة أو المقاطعة، بل أصبح أيضًا: ما حجم التأثير الممكن؟

السؤال الثاني: عن معنى التأثير

قبل الحديث عن حجم التأثير، لا بد من التوقّف عند معناه. تاريخيًا، انحصر مفهوم التأثير في السعي إلى تغيير السياسات العامة، وتحصيل الميزانيات والحقوق المدنية، وتقليص الفجوات بين المجتمعين العربي واليهودي داخل إسرائيل.

هذه أهداف تقليدية ومهمة، لكن الظروف الحالية تفرض سؤالًا إضافيًا: هل يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل، ضمن قواعد اللعبة الانتخابية القائمة، التأثير في مستقبل حكومة يقودها اليمين واليمين الاستيطاني؟

التأثير بين وهم الشراكة وقدرة العرقلة

عند النظر إلى التجارب السابقة، يمكن التمييز بين نموذجين رئيسين.

الأول هو نموذج «بيضة القبان» في تسعينيات القرن الماضي، حين وفّرت الأحزاب العربية شبكة دعم لحكومة إسحاق رابين، ما ساهم في دفع مسار المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وأتاح في الوقت نفسه تحقيق بعض المكاسب المدنية والاقتصادية للمجتمع العربي.

أما النموذج الثاني فهو تجربة المشارَكة في الائتلاف الحكومي عام 2022، التي منحت انطباعًا بأن العرب باتوا في موقع قوة غير مسبوق. إلا أن التجربة أظهرَت أيضًا حدود هذا الخيار، خصوصًا في ظل أزمات سياسية وأمنية متلاحقة، فالحزب المشارك في الحكومة، «القائمة العربية الموحدة»، وجب عليه التماهي مع قرارات حكومية، للحفاظ على تماسك الائتلاف، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة داخل المجتمع العربي.

لذلك يبدو أن معنى التأثير يتغير بتغيُّر السياق السياسي. في الظروف الحالية، قد يكون خيار العرقلة السياسية أكثر واقعية من خيار الاندماج الكامل في الائتلافات الحكومية؛ أي الحفاظ على استقلالية القرار السياسي العربي، وعدم التحوّل إلى جزء تلقائي من الحكومة أو المعارضة، بل استخدام الوزن البرلماني للتفاوض والضغط وفق المصالح الوطنية والمدنية.

لفهم ذلك، لا بد من التذكير بأن النظام السياسي الإسرائيلي يقوم على برلمان يضم 120 عضوًا، وأن أي حكومة تحتاج إلى دعم أغلبية لا تقل عن 61 عضوًا. وبسبب طبيعة النظام الحزبي، تُبنى الحكومات عادة عبر ائتلافات معقدة، ما يمنح الكتل البرلمانية المؤثرة قدرة على التأثير في عملية تشكيل الحكومات واستقرارها. وبما أن الاستطلاعات الحالية تميل إلى عدم حسم أي كتلة- وهو سيناريو غير سيئ بالنسبة للعرب- فإن العرقلة والضغط من أجل المحافظة على "عدم استقرار وثبات الحكومة" هو ضرورة من أجل عرقلة عمل هذه الحكومات. 

من هنا تبرز أهمية الصوت العربي. فكلما ارتفع حجم التمثيل العربي، ازدادت قدرة الأحزاب العربية على التأثير في موازين القوى السياسية، وعلى التأثير في استقرار الحكومات أو عرقلة استقرارها عند الضرورة، وعرقلة تمرير القوانين بشكل فعلي. 

لذلك فإن النقاش حول المشاركة السياسية لا ينبغي أن يُختزل في سؤال أخلاقي أو رمزي فحسب، بل يجب أن يُنظر إليه أيضًا من زاوية عملية: كيف يمكن تحويل القوة العددية إلى قوة سياسية ملموسة؟

السؤال الثالث: إلى أين يتّجه المستقبل؟

ربما يكون هذا السؤال هو الأكثر إلحاحًا اليوم. ماذا سيحدث إذا استمرت قوى اليمين الاستيطاني في تعزيز سيطرتها على النظام السياسي؟ وماذا سيحدث حتى لو نجحت الانتخابات الحالية في تقليص نفوذها؟

تشير الاتجاهات السياسية والديموغرافية إلى أن قوة اليمين الديني والقومي مرشحة للاستمرار على المدى الطويل. ولا يرتبط ذلك فقط بنتائج استطلاعات الرأي، بل أيضًا بعوامل بنيوية تتعلّق بالتركيبة السكانية، وأنماط التصويت داخل المجتمع الإسرائيلي.

فالأبحاث الديموغرافية تشير إلى النمو المتواصل في أعداد المتدينين اليهود والحريديم مقارنة بمجموعات أخرى. كما أن أنماط التصويت في إسرائيل ما زالت ترتبط بدرجة كبيرة بالهويات الاجتماعية والثقافية والقومية، رغم وجود تحوّلات محدودة بين دورة انتخابية وأخرى.

لذلك فإن سؤال المستقبل لا يخصّ فقط الفلسطينيين القادرين على المشاركة في الانتخابات، بل يتجاوز ذلك إلى مجمل مستقبل الفلسطينيين في فلسطين التاريخية. فنتائج هذه الانتخابات قد لا تغيّر الواقع جذريًا، لكنها ستؤثّر في طبيعة التحدّيات المقبلة، وفي هامش الحراك السياسي المتاح خلال السنوات القادمة.

من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التموضُع السياسي والتفكير الاستراتيجي طويل المدى، والاستعداد لسيناريوهات أكثر تعقيدًا، بدل الاكتفاء بالتعامل مع كل انتخابات باعتبارها معركة منفصلة عن المسار التاريخي الأوسع.

في النهاية، لا يتعلّق النقاش بالانتخابات وحدها، بل بالسؤال الأعمق: كيف يمكن للفلسطينيين تحويل ما يملكونه من أدوات سياسية محدودة إلى قدرة فعلية على التأثير في واقع يتّجه نحو مزيد من الاستقطاب والتطرّف وتصاعد النزعات الفاشية؟

د. نجمة علي

أكاديمية متخصصة في العلوم السياسية، وهي زميلة في الأكاديمية العالمية التابعة لجمعية دراسات الشرق الأوسط (MESA)، ومحللة سياساتية في شبكة السياسات الفلسطينية،

رأيك يهمنا