سؤال المشارَكة الانتخابية: الفلسطيني في حيرَتِه

لم يفعَل النواب الفلسطينيون أكثر من أن وقفوا في أماكنهم ورفعوا لافتات كتب عليها: «القدس عاصمة فلسطين». لم يخطبوا، ولم يقتحموا المنصّة؛ مع ذلك، في غضون ثوانٍ، تحوّلت قاعة الكنيست إلى مشهد من الترهيب السياسي: صراخ من المقاعد، حراس يندفعون نحوهم، أجساد تُمسك وتُسحب بالقوة إلى الخارج، وتصفيق مرتفع يرافق إخراجهم واحدًا تلو الآخر. كان ذلك في كانون الثاني/ يناير 2018، خلال خطاب مايك بنس، بعد أسابيع من اعتراف الإدارة الأميركية بالقدس عاصمة لإسرائيل.[1]  لم تكن الحادثة استثناءً؛ فالكنيست شهد مرارًا مواجهات واحتكاكات حادّة مع النواب الفلسطينيين حين حملوا خطابًا أو موقفًا يصطدم بالرواية الإسرائيلية السائدة. لكن في هذا المشهد تحديدًا لم يحتج الأمر حتى إلى الكلام: كان مجرّد الحضور الفلسطيني، بهويته وموقفه السياسي، كافيًا لاستدعاء كل ذلك الغضب. هذه هي المفارقة التي تفتح السؤال: ماذا يعني أن يكون الفلسطيني حاضرًا داخل مؤسسة تقرر بشأنه، حين يبدو أن حضوره نفسه يصبح موضِع مقاومة؟

مع اقتراب انتخابات الكنيست، يعود النقاش الفلسطيني المألوف: هل يشارك فلسطينيو الداخل في الانتخابات الإسرائيلية أم يقاطعونها؟ وتتكرر معه الأسئلة ذاتها: ماذا حقّق النواب الفلسطينيون؟ كم قانونًا استطاعوا إيقافه؟ ما حجم تأثيرهم في الميزانيات والسياسات والحكومات؟ وهل يستطيع التمثيل البرلماني الفلسطيني أن يغيّر شيئًا جوهريًا في بنية الدولة ومشروعها تجاه الفلسطينيين؟

في الواقع، قدرة النواب الفلسطينيين على تغيير موازين القوة داخل الكنيست محدودة، ويمكننا نقل النقاش إلى مستوى آخر: ماذا يفعل الفلسطيني داخل المؤسسة نفسها، وماذا يكشف ردّ الفعل الإسرائيلي على هذا الوجود؟ إن الفلسطيني الموجود داخل المؤسسة يمنعها، ولو للحظات، من الحديث عنه في غيابه. يسمع، ويردّ، ويعترض، ويسمّي ما يحدث بلغة لا تملك المؤسسة وحدها حق تحديد مفرداتها. قد يخسر التصويت، وقد لا يملك القوة العددية لإيقاف قانون أو إسقاط حكومة، لكن وجوده يعطّل صورة يكون فيها الفلسطيني موضوعًا للقرار فقط، لا طرفًا يتحدّث عنه. بهذا المعنى، يمكن التفكير في الحضور نفسه كشكل من أشكال الصمود؛ لا الصمود بمعناه الرومانسي الذي يحوّل الفلسطيني إلى كائن مهمته الاحتمال إلى ما لا نهاية، بل بمعناه السياسي والمادي: البقاء، والظهور، ورفض الغياب عن المساحات التي يُعرَّف فيها الفلسطيني وتُتخذ فيها قرارات تمسّ حياته. وقد يكون النائب الفلسطيني، بهذا المعنى، شوكةً في حلق المؤسسة حتى حين لا يستطيع تغيير بنيتها.

إن استخدام كلمة «فلسطيني» هنا، لا «عربي إسرائيلي»، مقصود. فالتسمية ليست تفصيلًا لغويًا. فالفلسطيني الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية ليس مجرّد فرد من أقلية إثنية يسعى إلى تحسين شروط اندماجه في الدولة. لهذا لا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في نموذج حركة حقوق مدنية تطالب بالمساواة داخل إطار سياسي متفق عليه. ليست المسألة نسخة فلسطينية من تجربة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة؛ لا ينتقص ذلك من تاريخ نضال الأميركيين السود أو من إمكان المقارنة بين بعض أشكال التمييز، لكنه لا يعني وضع تجربتين تاريخيتين وسياسيتين مختلفتين داخل الإطار نفسه.

ليست القضية الفلسطينية مجرّد نقص في المساواة المدنية، بل قضية شعب جرى اقتلاعه وتفتيته وتشظيته، ويعيش أفراده اليوم تحت أوضاع قانونية مختلفة. يستطيع الفلسطيني المواطن في إسرائيل، بحكم المواطنة، التصويت والترشح للكنيست، لكن مواطنته لا تلغي هويته الفلسطينية، ولا تختزل حقوقه السياسية والجماعية والوطنية في المساواة الفردية داخل الدولة.[2[

أما الفلسطيني في القدس الشرقية فيعيش وضعًا قانونيًا مختلفا جذريًا. فالقدس الشرقية جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة وفق القانون الدولي، وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 استمرار وضعها كأرض محتلة، وأن إسرائيل لا تكتسب السيادة عليها بفعل الاحتلال أو الضم.[3] يحمل معظم الفلسطينيين المقدسيين وضع الإقامة الدائمة الإسرائيلية، لا المواطنة؛ فيحق لهم المشاركة في الانتخابات البلدية، لكنهم لا ينتخبون الكنيست ما لم يحصلوا على الجنسية الإسرائيلية. والإقامة نفسها ليست وضعًا محصنًا: تشير بيانات وزارة الداخلية الإسرائيلية التي حصل عليها «هموكيد» إلى سحب إقامة نحو 14,929 فلسطينيًا من القدس الشرقية بين 1967 و2024.[4] وهكذا تخضع حياة المقدسيين لقرارات حكومة لا يملك معظمهم صوتًا في انتخابها، من الأرض والتخطيط والإقامة والحركة إلى التعليم والسياسات التي تعيد تشكيل مستقبل المدينة. في القدس تحديدًا، لا تنطلق المطالبة بالحقوق من فكرة استكمال مواطنة ناقصة، بل من واقع احتلال يفرض على القوة القائمة به التزامات قانونية تجاه السكان الواقعين تحت سلطتها.

منذ عام 1967، ارتبطت المقاطعة الفلسطينية الواسعة لانتخابات بلدية القدس برفض الاحتلال والضم. لكن عام 2018 شهد محاولة مثيرة للاهتمام لكسر هذا المسار من موقع فلسطيني معلَن. طرحت قائمة «القدس لنا» المشاركة باعتبارها وسيلة دفاع عن الوجود والهوية الفلسطينية وانتزاع الحقوق البلدية، لا قبولًا بالسيادة الإسرائيلية. لم تصل القائمة إلى يوم الاقتراع؛ فقد انسحبت تحت ضغط سياسي ومجتمعي فلسطيني وصل إلى التهديد  والتخوين والترهيب. في الوقت نفسه، استمرت قائمة فلسطينية أخرى في الانتخابات ولم تحصل على مقعد.[5] لا تحسم التجربة الجدل، لكنها تنقله إلى مساحة أكثر تعقيدًا من ثنائية المشاركة أو التطبيع.

فالفلسطيني المقدسي يدفع الأرنونا، ويعمل ويدرس، ويحتاج إلى مدارس وطرق ورخص بناء وبنية تحتية وتخطيط يسمح له بالسكن والنمو في مدينته. في أحياء فلسطينية من القدس الشرقية، يستمر السكان في دفع الضرائب البلدية مقابل نقص موثق في البنية التحتية والخدمات.[6] وحتى التعليم نفسه لا يقع خارج هذه المعركة. فقد ربطت سياسات إسرائيلية حديثة بناء مدارس وغرف صفية جديدة ضمن الخطط الحكومية باعتماد المسار التعليمي الإسرائيلي، فيما وثّقت أبحاث أكاديمية تعديلات ورقابة على الكتب الفلسطينية تشمل حذف أو تغيير إشارات إلى التاريخ والرموز والسردية الفلسطينية وإحلال أطر سردية إسرائيلية مكانها.[7]

هنا لا تعود المدرسة والطريق والمنهاج ورخصة البناء مسائل خدماتية منفصلة عن السياسة، بل تصبح جزءًا من صراع أوسع على المكان والذاكرة والهوية: كيف يبقى الفلسطيني في المدينة، وبأيّ شروط، وأيّ وعي يُعاد إنتاجه داخلها؟

هنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاوزها، فالفلسطيني ليس خارج هذه المنظومة يختار ويقرر إن كان يريد التعامل معها أم لا؛ فهو واقع داخل نطاق سلطتها أصلًا. يدفع الضرائب، يعمل ويدرس، ويتعامل مع المحاكم والبلديات والوزارات، بل يعمل داخل كثير من هذه المؤسسات، فيما تتقاطع حياته المهنية والاقتصادية اليومية مع المجتمع الإسرائيلي. لم تنشأ هذه العلاقة نتيجة قبول سياسي بها، بل نتيجة واقع مفروض وموازين قوة قائمة. لذلك فإن المطالبة بالحقوق من المؤسسة التي تمارس السلطة الفعلية لا تعني تلقائيًا الاعتراف بشرعية هذه السلطة، كما أن تجاهل المؤسسة لا يبدّد قدرتها على تنظيم تفاصيل الحياة.

هنا يقع الفرق بين التعامل مع الواقع وتطبيعه. يبدأ التطبيع حين يتحوّل الواقع المفروض إلى واقع طبيعي؛ حين تختفي من اللغة علاقة القوة التي أنتجته، فيصبح الاحتلال مجرّد «إدارة»، والتمييز مجرّد «فجوة خدمات»، والفلسطيني مجرّد فرد يريد تحسين ظروف حياته، منزوعًا من التاريخ والسياق والحقوق السياسية والجماعية.

أما استخدام المساحات المتاحة من دون التخلّي عن توصيف علاقة السيطرة كما هي، ومن موقع يعتبر الحقوق التزامًا قانونيًا وسياسيًا لا امتيازًا يمنحه الاحتلال، فيفتح احتمالًا مختلفًا: أن تصبح بعض أشكال المشاركة وسيلة اشتباك مع الواقع القائم من داخله، لا إعلانًا عن قبوله. هذا الاحتمال لا يجعل المشاركة خالية من التناقض، كما لا يجعل المقاطعة خالية منه. فالحضور قد يفتح مساحة للصوت الفلسطيني، لكنه قد يخاطر أيضًا بإعادة إنتاج شرعية المؤسسة؛ والمقاطعة قد تحافظ على وضوح الرفض السياسي، لكنها قد تترك المؤسسة تتّخذ قراراتها عن الفلسطيني في غيابه.

يمتد هذا التوتر، بأشكال مختلفة، إلى القدس والنقب وقضايا الأرض والتخطيط وهدم المنازل، وإلى البلدات الفلسطينية التي تواجه العنف والجريمة والإهمال المؤسسي. فإضعاف الوجود لا يحتاج دائمًا إلى طرد مباشر؛ قد يعمل عبر تراكُم سياسات تجعل البقاء أكثر هشاشة وكلفة واستنزافًا، وتدفع الفلسطيني تدريجيًا نحو الترحيل الصامت.

عندها يصبح السؤال التقليدي: ماذا يستطيع الصوت الفلسطيني أن يغيّر؟ سؤالًا غير كافٍ بمفرده. يقابله سؤال آخر: ماذا يُنتج غيابه؟ المقلق هو احتمال أن يصبح الفلسطيني حاضرًا في كلّ تفاصيل الواقع وغائبًا فقط عن تعريفه: يدفع، ويعمل، وينتج، ويتعامل مع المؤسسات، بينما تُتخذ القرارات المتعلقة به ويُعاد صياغة شروط حياته من دون صوته. هنا تحضر مفارقة فلسطينية أقدم: «الحاضر الغائب». ليس بالمعنى القانوني التاريخي الدقيق للمصطلح المرتبط بقانون أملاك الغائبين، الذي سمح بتصنيف فلسطينيين بقوا داخل حدود الدولة الجديدة كـ«غائبين» عن ممتلكاتهم،[8]  بل كصورة سياسية معاصرة: أن يكون الفلسطيني موجودًا ماديًا في المكان، لكنه غائب حين يتعلّق الأمر بتعريف نفسه، والمطالبة بحقوقه، وتسمية الواقع المفروض عليه.

لا يستطيع مقعد في الكنيست إنهاء المشروع الاستعماري، كما لا يستطيع مقعد في بلدية القدس إنهاء الاحتلال. والحضور المؤسسي، إن اختير، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الهدف الأوسع المتمثّل في إنهاء الاحتلال ومواجهة المشروع الاستعماري؛ فمشروع تحرّر لا يمكن اختزاله في أداة واحدة أو شكل واحد من أشكال المقاومة والفعل السياسي. لكن محدودية هذه الأداة لا تجعلها سدى، كما أن رفضها لا يعفي من سؤال ما يتركه الغياب خلفه.

لعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا، إذن، ليس إن كانت المشاركة أو المقاطعة هي الإجابة الصحيحة، بل أين يجب أن يكون الفلسطيني حين تُتخذ القرارات عنه: داخل المكان الذي تُصنع فيه هذه القرارات، حاملًا صوته ورفضه معه، أم خارجه، فيما يستمر الواقع في إعادة تشكيل حياته في غيابه؟ ليس في هذا السؤال إجابة جاهزة. وربما تكمن أهميته تحديدًا في أنه يرفض الإجابة السهلة: أن يكون الحضور اعترافًا بالواقع، أو أن يكون الغياب بالضرورة رفضًا له.


الإحالات:

1.    احتجاج النواب الفلسطينيين خلال خطاب مايك بنس – 2018
https://www.timesofisrael.com/arab-party-lawmakers-kicked-out-of-knesset-for-protesting-pence-speech/

2.    قانون أساس: الكنيست وحق التصويت https://main.knesset.gov.il/EN/activity/documents/BasicLawsPDF/BasicLawTheKnesset.pdf?)

وضع الفلسطينيين في القدس الشرقية
https://jerusaleminstitute.org.il/wp-content/uploads/2021/05/Pub_564_facts_and_trends_2021_eng.pdf

3.    محكمة العدل الدولية – الرأي الاستشاري 2024
https://www.icj-cij.org/case/186/advisory-opinions

https://www.icj-cij.org/node/204176

4.    سحب الإقامة من فلسطينيي القدس الشرقية
https://hamoked.org/document.php?dID=Updates2512&utm

5.    انتخابات بلدية القدس 2018 و"القدس لنا"
https://passia.org/media/filer_public/63/94/6394a50d-ba1b-4d2d-8a59-8332d11757f1/palestinians_and_the_israeli_jerusalem_municipal_elections_2018_1.pdf

https://www.timesofisrael.com/the-rise-fall-and-worsening-plight-of-a-palestinian-would-be-mayor-of-jerusalem/

6.    الضرائب والخدمات البلدية في القدس الشرقية
https://www.ochaopt.org/content/east-jerusalem-palestinian-localities-behind-barrier

7.    التعليم والمناهج في القدس الشرقية
https://ir-amim.org.il/en/report/education-in-east-jerusalem-2025-report/

https://cris.huji.ac.il/en/publications/white-pages-israeli-censorship-of-palestinian-textbooks-in-east-j/

https://cris.huji.ac.il/en/publications/textbooks-as-tools-of-power-israeli-censorship-and-palestinian-cu/?

8.    قانون أملاك الغائبين و"الحاضر الغائب"
https://www.adalah.org/en/law/view/538?

عايدة قليبو

حقوقية وناشطة نسوية تقاطعية وتفكيكية فلسطينية من مدينة القدس. تجمع في مسيرتها بين التخصص الأكاديمي والالتزام الميداني. حاصلة على درجة البكالوريوس في القانون الدولي وحقوق الإنسان من جامعة (القدس - بارد)، وماجستير في إدارة المؤسسات غير الربحية والقيادة من أجل التغيير الاجتماعي من الجامعة العبرية. 

رأيك يهمنا