الحَقيقَة و"عائِِق" التَّصريح: عَن مَنعِ وُصُول الشُّهود

لم تَكُن واقِعَة مَنعِ الصحافيّة الفرنسيّة أليس فروسار من دخول إسرائيل، مجرّد خِلاف بين دولة وصحافيّة حولَ تصريح سفَر. ما ظهَر في تلك اللحظة هو انتقال السّؤال من المَجال الإداريّ إلى المجال المَعرفيّ. لم تفحَص السّلطات نيّة العمَل الصحافي فحسب، بل استدعَت سِجلَّها اللغوي والسياسي: كيف وصفَت الحرب على غزة؟ هل استخدمَت كلمة مَجزرة؟ هل تحدّثت عن أبارتهايد؟ بهذا المَعنى، لم تكن الحُدود تَفصل بين داخلٍ وخارج فقط، بل بَين رواية مَقبولة ورواية مشبوهَة. تحوّل الصحافي من شاهِد محتمَل إلى مَوضوع فحْص، وتحوَّلت اللغة من أَداة وصفٍ إلى قَرينة أمنيّة.

تكرَّرت الصورة مع صحافيين آخرين. سُئل بعضُهم عن منشوراته في الشّبكات الاجتماعية، وآخرون عن تقارير حول قتلِ الصحافيين في غزة، وبعضٌ آخر عن استعماله مفرداتٍ مثل إبادةٍ أو مَجزَرة أو أبارتهايد. وقد مُنع البعض من الدّخول، وسُحبت من آخرين موافَقات كانت سارية، أو تلقّوا تَبريرات غامِضة مثل تغيّر في الظروف. لا تَكمن أهميّة هذه الحالات في عَدَدها وحده، بل في النّمط الذي تكشفه: لا تَكتفي الدولة بتنظيم دخول الصحافي إلى المكان، بل تفحّص قابليّة روايته للدّخول إلى المَجال العام. هُنا يصبح التّصريح الصحافي جزءًا من سياسةِ معرِفَة، لا مجرّد إجراء إداريّ.

هذا المَدخَل ضَروري لفهمِ منع الصحافيين من الوصول المستقلّ إلى غزة. فالمَنع ليس ابتكارًا نَشَأ في الحرب الأخيرة، ولا يُمكن اختزاله في دوافع أمنيّة طارئة. إنّه يتّصل بمسار أطول سَعَت فيه إسرائيل إلى التّعامل مع الإعلام بوصفه ساحةَ تدخُّل، لا مجرّد ساحة تغطيّة.

 منذ بداية سنوات الألفين، أَخذ الجيش الإسرائيلي يُعيد تَعريف العَلاقة بين الفعل العسكريّ وصورَته. لم تَعُد العمليّة العسكرية تكتمِل في الميدان، لأنّ معناها السياسي والأخلاقي يتشكّل في الإعلام، والمنظمات الحقوقية، ووسط الجمهور الدولي، وفي الذاكرة الرقميّة. لذلك انتقلَت المؤسَّسة العسكريّة من شَرحِ ما تفعله، إلى محاولة إدارة شروط فَهمِه.

قبل ذلك، كان التّمييز أوضح بين الهسبراه، أي الشّرح والدعاية العلنيّة، والحرب النفسيّة المرتبطة بالاستخبارات والعمل العسكريّ. غير أن الانتفاضة الثانية، وتجربة جنوب لبنان، وصعود الفضائيّات والإنترنت، أظهرَت أن الفصْل بين العمليّة وروايتها لم يَعُد ممكنًا. صورة الدّبابة في المدينة، أو الجثمان تحت الرّكام، أو الصحافي عند المعبَر، لا تنتظر البيان الرسميّ كي تكتسبَ مَعنى. بل قد تَفرض معنى مضادًا للغرض العسكريّ نفسه. من هنا ظَهَر مفهوم المعركة على الوعي، لا بوصفه مصطلحًا إعلاميًا، بل بوصفه تحولًا في النظر إلى الجمهور.

يُصبح الجمهور وِفقَ هذا التصوّر هدفًا، لا متلقيًا. والفارق كبير بين الحالتين. يملكُ المتلقيّ حقّ الحكم على المعلومة، أمّا الهدف فيُدرس ويُقسم ويُخاطب برسائل مصمَّمة مسبقًا. حين يستخدم الجهاز العسكري عبارة جمهور الهدَف، فإنّه يَنقل الرأي العام من المجال السياسيّ إلى المجال العمليّاتي. لا يَعود السؤال كيف نَشرح ما حدث؟ بل كيف نؤثّر في إدراك فئات محدَّدة لما حدَث؟ كيف نَخفض أَثَر صورة معينة؟ كيف نَربط الدّمار بمسؤولية الخَصم؟ كيف نحوّل النقد الدوليّ إلى انحياز؟ وكيف نُعيد ترتيب الوقائع بحيث تَخدم مَعنى محددًا؟

إنّ إنشاء "المركز لمهام الوعي" عام 2005 يُعبّر عن هذه النقلة المؤسَّسية. لم يكن مركزًا إعلاميًا بالمعنى التقليدي، بل محاولة لجمع أدوات كانت موزّعة بين الناطق العسكري، والاستخبارات، والجهات العاملة في الأراضي الفلسطينية، والتكنولوجيا والبحث الاجتماعي. تَدُلُّ بنيته الأولى، التي شملت عمليات الوعي، واستخبارات جماهير الهدف، والبحث الاجتماعي والتّدريب، والتكنولوجيا، على تصوّرٍ أَوسَع من الدعاية. المَقصود هو إنتاجُ معرفة بالجمهور، ثم تَحويل هذه المعرفة إلى تدخّل في الوعي. وهنا تَلتقي الاستخبارات بالإعلام: لا لِجَمعِ معلومة عن الخَصم فقط، بل لصوغ إدراكه وإدراك من يراقبُه.

مِن هذه الزاوية يُمكن فهم منع الصحافة الأجنبيّة من دخول غزة. فالشّهادة المستقلّة ليست خطرًا لأنّها تعارِض الرواية الرسميّة بالضرورة، بل لأنّها لا تَخضَع لبُنيَتِها. يُضيف الصحافي الذي يَدخل إلى المكان احتمالًا جديدًا للتّفسير. يَلتقي الناس، يَسمع لغتهم، يَرى التفاصيل غير القابلة للتّلخيص في بيان عسكري، ويُنتج سردًا قد لا يكون قابلًا للاحتواء

لذلك يُصبح الوصول إلى الميدان شرطًا سياسيًا لإنتاج الحقيقة. ومَنعُ الوصول لا يوقِف الحقيقة، لكنّه يغيّر شُروط تداولها: يقلّ عَدد الشهود، وتزداد مركزيّة الرواية الرسميّة، ويصبح الصحافيون المحليّون تحتَ عبء مضاعَف، بوصفهم شهودًا ومنكوبين في الوقت نفسه.

غيرَ أنّ السّيطرة على شروط الرُّؤية لا تَضمَن السّيطرة على المَعنى. هذا ما كَشَفته محطّات متكرّرة: الانسحاب من غزة، حرب لبنان الثانية، "الرصاص المصبوب"، قضيّة السفن المتَّجهة إلى غزة (كسر الحصار)، وجولات القتال اللاحقة. في كلّ مرّة حاولت إسرائيل الجمْع بين القوة العسكرية وإدارة الصورة: مَنشورات، وتحذيرات، ومَقاطع مصوّرة، ورسائل رقميّة، وتقييد لتدفّق الصحافيين. لكنّها واجَهَت حُدود هذا المَسعى. فالصّورة قد تَخرج من السّياق الذي أُعدّ لها. والدّمار، مهما جرى تأطيره، يَحمل فائضًا دلاليًا لا يضبطه الناطق العسكري. والمَشهد الذي يراد له أن يثبّت الرّدع قد يتحوّل إلى دليل على الإفراط في القوة.

هُنا تَظهر ما بعَد الحقيقَة ليس كاختفاء للحقيقة، بل كصراع على شُروط تَصديقها. ليست المسألة أنّ كلَّ الوقائع صارت نسبيّة، المسألة أن مؤسَّسات قوية تَعمل على جعل الوقائع أقل قدرة على إنتاج حُكمٍ عام. يتمّ ذلك عَبر التّأخير، والتّشكيك في الشهود، وإعادة التسمية، وتكثير السّياقات، وربطِ النقد بالعداء، وفتحِ نزاعات لا تنتهي حول المفردات. 

عندئذ قد يَقول الجمهور: لكلّ طَرف روايته. هذه الجملة تَبدو محايدة، لكنّها تُغفِل اختلال القوّة بين رواية تملك الدولة والجيش والحدود والتّصاريح ووحدات التأثير، ورواية تَحتاج إلى صحافي ينجح أولًا في عبور المعبَر.

تَطوُّرُ قِسم التأثير لاحقًا، ودخولُ الشبكات الاجتماعية إلى العمل العسكري، وتدريبُ مختصّين في عمليات التّأثير وجمعِ المعلومات وتأهيل نشطاء شبكة، كلّها مؤشّرات على أن المسألة لم تَعُد ردّ فعل إعلاميًا. نحن أَمام مأسَسة لحقل معرفيّ أمنيّ، يَجمع بين التّسويق والاستخبارات والعمل النفسي. لا يكفي في هذا الحقل إنتاج رسالَة، بل يَجِب قياس أَثَرِها وتَعديلها وتَوجيهها لجمهور بعينه. وإذا كان الإعلام في النظرية الديمقراطية وسيطًا بين السلطة والمجتمَع، فإنه يتحوّل هنا إلى مَجال تنازُع تُحاول السلطة اختراقَه بأدوات لا تُعلِن دائمًا عن نفسها.

تَكشف قضية قناة تلغرام التي نُسب تَشغيلها إلى قسم عسكري بعدًا إضافيًا. فحين تُوجَّه مواد قاسية وتحريضيّة إلى الجمهور الإسرائيلي نفسه من مصدر عسكريّ غير معلن بوضوح، لا يَبقى التأثير موجهًا إلى الخصم أو الخارج. يصبحُ المواطن موضوعًا للتأثير أيضًا. وهذه النّقلة خطيرة لأنّها تمسّ الفصل بين المؤسَّسة العسكرية والمجال المَدني. فالمواطن لا يَعود فقط متلقيًا لبيان يُمكن مساءَلته، بل يصبح جزءًا من تَجربة تأثير لا يَعرفُ شروطَها ولا القائمين عليها.

لا تَعني الموضوعيّة هنا إنكار الاعتبارات الأمنيّة، ولا تجاهُل أنّ للدول حقًا في تنظيم الدّخول. لكنّها تقتضي سؤالًا أدقّ: مَتى يتحوّل الأمن إلى غطاء لإدارة الرّواية؟ ومتى يُصبح الاعتماد الصحافي مشروطًا بالامتثال اللغوي؟ ومتى يَغدو المصطلح المهنيّ أو الحقوقيّ سببًا للمَنع؟ إن فحصَ هذه الأسئلة لا يُساوي بين جميع الروايات، بل يُعيد التّحليل إلى شَرطِه الأساسي: علاقة القوّة بإنتاج المعرفَة.

واللافت أنّ هذا المَسار لا يُلغي الحاجة إلى الصحافة، بل يؤكّدها. فكلّما ازدادت أدوات التأثير تعقيدًا، ازدادت أهميّة العمل الصحافي بوصفه ممارسة تحقّق لا بوصفه رأيًا مضادًا. لا يملك الصحافي عِصمَة، وقد يخطئ ويتحيّز، لكن معالجة ذلك تكون بالتّصحيح والنقد والشفافية، لا بالمنع المسبَق ولا بتحويل المصطلَحات إلى ملفّ أمني. لذلك فإن حرية الوصول ليست امتيازًا مهنيًا للصحافيين وحدهم، بل شرطٌ من شروط المجال العام. فالجمهور لا يَستطيع تكوين حُكم سياسي أو أخلاقي على حرب لا يُسمح له برؤية آثارها إلّا عبر الجهة التي تُديرها وتملك مصلحة مباشرة في تأويلها. وعندئذ تُصبح الرقابة على الصحافة مدخلًا لضبط الذاكرة العامة، لا لضبط المخاطِر الأمنية وحدها في الحرب.

في المحصّلة، لا تبدأ ما بَعد الحقيقة حين تَكذِب السّلطة فقط، بل حين تُنشئ مؤسَّسات تَجعل الوصول إلى الحقيقة مشروطًا بموافقَتها. ومَنعُ الصحافيين من غزة، وفحصُ الصحافيين الأجانب وفق سجلّهم السرديّ، وبناءُ أجهزة للتأثير في الوعي، هي حلقات في مسار واحد: تَحويل الحقيقة من واقعة قابلة للتحقّق إلى مِجالِ ضَبط. لذلك فإنّ السؤال ليس أيّ رواية نصدّق؟ بل مَن يملك القُدرة على مَنع الشُّهود من الوصول، وتَأخير الصورة، وتَحديد الكلمات المقبولة، ثم دعوة الجمهور إلى الشكّ في كلّ ما لا يَصدُر عنه؟

خلود مصالحة

مديرة مركز إعلام – المركز العربي للحريات الإعلامية والتنمية والبحوث.

رأيك يهمنا