صُورَة فِلِسطين في الذّهن العَرَبي: بَينَ هَندَسَة الخِطاب وحَصانَة الذّاكِرة الجَمعيّة

لم يَعد من التجنّي القول إنّ هناك محاولات جادّة لإعادة بناء صورة فلسطين في الوعي العربي، بحيث تتحوّل من كونها قضية مركزية، تتشارك الدول العربية في حلّها، بما قد يَقود إلى انفراجة كاملة في المنطقة برمّتها، إلى قضية تمثّل عبئًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا على تلك الدول. 

وُجدت بذور تلك المحاوَلات على شكلِ خطاب سياسي هامشي، بل منبوذ عربيًا، منذ بدايات القضية الفلسطينية، لكن التحوّلات التي حصلت في آخر عقدين، وتحديدًا ما بعد الثورات العربية، جَعلته خطابًا متداولًا في العديد من الأوساط الإعلامية، وأصبح أكثر انتشارًا في ظلّ طفرة شبكات التواصل الاجتماعي. لم يأتِ هذا النوع من الخطاب تحت عنوان مهاجمة فلسطين، بل إعادَة  ترتيب الأولويّات وفق ما يمكن اختصاره بكلمتين (القُطر أولًا). 

دونَ مسوّغات منطقية أو عقلانية، بدأ الترويج لكون قضية فلسطين عنصرَ تَوتير للمنطقة، وأنّ الدول العربية غير ملزَمة بربط استقرارها بحلّ القضية الفلسطينية. اعتمد الخطاب بشكل أساسي على اللعب على وتَر (التعصّب الوطني)، بحيث يقدّم فهمًا جديدًا للوطنية في بعض الأقطار العربية مفاده أن الاهتمام بأيّ قضية خارج حدودها -بما فيها القضية الفلسطينية- فيه خدش لوطنية المهتَم، على اعتبار أنّ الأولى هو الانشغال بهموم الداخل، واحتاج هذا الخطاب في بعض الأحيان إلى الاستثمار في حالة الانقسام الفلسطيني والقول إنّ المشكلة في الفلسطيني وحركاته وأحزابه وقياداته. 

كانت مثل هذه المحاولات تَظهر على السطح كلّما اشتد الخَطب على الفلسطيني، وكلّما مضت إسرائيل في تنفيذ سياساتها دون التفاتٍ إلى اتفاقيات سابقة مع منظمة التحرير، ولسان حال المحاوِلين هنا يعبّر عن سعي لتسويغ الصّمت على ما يجري في فلسطين وشرعنته، وتحويل سياسة الحِياد إلى سياسة وطنية مقبولة مجتمعيًا. 

لم يبقَ هذا الأمر خطابًا إعلاميًا تبريريًا لفترة طويلة، بل تحوّل في بعض البلدان إلى سلوك سياسي عبر الذهاب إلى اتفاقيات مع إسرائيل، كما هو الحال في الاتفاقيات الإبراهيمية، دون المرور على حلّ القضية الفلسطينية، وهو تحوّل لافت يتجاوز المبدأ الذي اتّفقت عليه الأنظمة العربية في بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية والمعلَن في المبادرة العربية للسلام، التي ربطَت أيّ سلام في المنطقة مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة على حدود الرابع من حزيران. 

وما من شكّ أن هذه المحاولات حقّقت تأثيرًا ما على شكلِ التّفاعل العربي مع القضية الفلسطينية، بيد أنّ هذه المقالة تُجادل باصطدام المحاولات بحقيقة بقاء القضية الفلسطينية قضيّة مركزية في الوجدان العربي العميق، وأنّ سلوك الشعوب العربية خلال الحرب الأخيرة قد يكون تأثّر جزئيًا بتلك المحاولات، لكنّه لا يعني بأي حالٍ نجاحًا لها. 

تقوم هذه المجادلة على فكرة واحدة وهي أنّ تداول القضية الفلسطينية كعبء على الأمة العربية هو تَداول في سياق (إعادة التأطير). والقضية الفلسطينية، شأنُها شأن القضايا الكُبرى يمكن أن تصنع صورتها من جديد عبر وسائل الإعلام والخطاب السياسي والتعليم ووسائل التواصل الاجتماعي. ويحتاج سياق التأطير هذا إلى تغيير طريقة فَهم القضية لا إلى تغيير وقائعها؛ فمن يعملون على إعادة فَهم القضية لا يُنكرون واقع الفلسطينيين، إذ إن مبتغاهم هو الفَهم الجديد الذي يحرّر الدول العربية من مسؤولية حلّ القضية. 

وعلى الرغم من أنّ الدول التي خرجت منها هذه المحاولات -بشكل غير مباشر في كثير من الأحيان- تمتلك الإعلام والمنابر والمؤسّسات التعليمية فقد تجاهلَت حقيقة لا فرار منها، وهي أنّ فاعلية هذه الأدوات مرتبطة بإحساس المواطن أنّ القائم عليها يمثّله في بيئة ديمقراطية حرّة، وهو أمر تفتقده هذه البلدان، فخطابها الإعلامي الرّسمي في أيّ قضية، لا في ما يخصّ فلسطين فحسب، يحول بينه وبين المواطن حاجزُ السلطوية. 

مضافًا إلى ذلك، فإنّ تأثير تلك الأدوات، وخصوصًا الإعلام، تأثير محدود ومؤقت جدًا إذا ما قورن بمسارات تشكيل الوجدان العربي العميق الذي ما زال يستدعي فلسطين باعتبارها قضية عدالة وهويّة أكثر من كونها قضية مصالح.  

ركّزت بعض وسائل الإعلام والخطابات الرسميّة جهودها على تحويل ثلاثة أسئلة إلى أسئلة تُطرح بجرأة في الأوساط العربية، وهي: لماذا يجب أن ندفَع ثمن فلسطين؟ ولماذا تتأخّر التنمية بسببها؟ ولماذا ندخُل في الحروب من أجلها؟ وهي أسئلة يُراد منها إعادة تعريف القضية الفلسطينية بحيث تصبح (المشكلة المُزمنة) بعد أن كانت القضية المركزية، ويُعاد تعريف الفلسطيني بتحميله وِزرَ اندلاع الحروب وعرقلة الاستقرار، وهو تعريف مهمّ لإحداث انتقال نفسي خطير يتمثّل في لوم الضحيّة لا الجاني.  

ظنّ الكثير من الفلسطينيين أنّ المحاولات قد نجحت، وهذا سبب كتابة هذه المقالة، والحقيقة أنّها محاولات أفضَت إلى نتائج ملحوظة لكنّها لم تُفلح في تحقيق نتائجها، وما هذا الظنّ إلا نتاجًا لمؤشرات مضلّلة، مثل: كثافة الخطاب الإعلامي، وانتشار بعض الوسوم، ونشاط الحسابات الإلكترونية، وتغير مواقف بعض النّخب، والاتفاقيات السياسية الجديدة؛ إذ سادَ الاعتقاد بأن الرأي العام العربي قد تغيّر فعلًا، فيما هذه المؤشرات يمكن أن تدلّل على الضجيج المرافق لتلك المحاولات لا على تبدّل القناعات. 

بالعودة إلى فلسطين كقضية مركزية في الوجدان العربي، فهي قضيّة لم تأخذ مكانتها نتاجًا لجهد إعلامي وخطاب سياسي فحسب، وإنما نتاجًا لكونها قضية دينية وأخلاقية وتاريخية وحضارية لا يمكن تفكيكها بخطاب إعلامي؛ فالمواجهة هنا ليست مع الرأي والموقف السياسي حتى يتم تبديله، بل مع الهوية الدينية والقومية ومع الذاكرة الجمعيّة للعرب، والهوية والذاكرة تحتاجان إلى ما هو أكثر من جهد إعلامي ووسائل تنشئة سطحيّة حتى تتشكلا، وهو أمر متعذّر حتى اللحظة. 

ليس هذا فحسب؛ بل هناك جملة من العوامل الأخرى التي ستُبقي القضية الفلسطينية حاضرة في الوجدان العربي، وتَظهر لنا في التفاعلات العَفوية للعرب مع رموز فلسطين، التي ما زال الاحتفاء بها يَظهر دون تخطيط مسبَق بالضرورة، كما حصل في المحافل الرياضية الدولية من فرقٍ عربية عدّة، وعلى الرغم من بساطة الفعل فإنّه يحمل دلالات مهمّة على مركزية فلسطين في الوجدان العربي، وصحيح أنّ هناك من يجادل بأنّه تفاعل في المساحات الآمنة دون الوصول إلى تفاعل يسهم في خلق واقع سياسي جديد، بيدَ أنّ التفاعل يشير إلى أن خطابات التنصّل من القضية الفلسطينية لم تحقّق مبتغاها

ليست هذه العوامل بقوة عوامل تشكّل الذاكرة الجمعية الفلسطينية، لكنّها مهمّة للتخفيف من آثار محاولات إعادة تعريف فلسطين، وتتمثّل في: أولًا، لا يمكن وضع كلّ الدول العربية في الخانة نفسها، فما زالت بعض الدول حذرة جدًا في كيفية التعامل مع هذه القضية. ثانيًا، يُعيد الاحتلال إنتاج صور تشكّل الوعي الجمعي العربي من حروب ودمار وتهجير، وهو أمر يجعل الوقائع على الأرض أقوى من أيّ ضجيج إعلامي مضلّل وثالثًا، في ظلّ طفرة الإعلام الاجتماعي فإن الصوت الذي يُحاول تعريف فلسطين من جديد خافت جدًا مقارنة بالصوت المتعاطف الدّاعم ولو بلسانه، وهنا تَجدر الإشارة إلى أنّ هناك من تسرّع وخلط بين الرأي العام والخطاب العام، فالأخير قد ظهرت فيه تغييرات ملحوظة جدًا على منابر بعض القنوات والمؤثّرين والنّخب، لكن الرأي العام الذي نراه من خلال التفاعل الشعبي والمحافل المتحرّرة من قيود الرقيب الرسمي ما زال منسجمًا مع ذاكرة الشعوب الجَمعية.

د. بلال الشوبكي

رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل.

رأيك يهمنا