لاجِئَة دونَ تَهجير: حينَ يَتَحَوَّل الوَطَن إلى مَعبَر

لم أُهجَّر من أرضي، لَم أَحمل حقيبةً على عَجَل، ولم أُغلق باب بيتٍ خلفي ظنًا بأنّني سأعود يومًا ما. لم أنَم في خيمة، لم أَقف في طابور مَعونات، ولم أضَع مفتاحًا قديمًا في جيبي باعتباره الوَعد الوحيد بالعودة، لكنّني رغم هذا كلّه.. أعيش اللجوء بمعانيه كلّها.
في القاموس، اللاجئ هو مَن لا أرضَ له، مَن اقتُلع مِن جذوره وأُلقي به في العراء، أمّا في فلسطين، فاللاجئ قد يكون مَن يعيش فَوق أرضِه، ويَستَنشق هَواء قريته، لكنّه يُجبَر يوميًا على إِثبات أنّ هذه الأرضَ له. يُسأَل باستمرار: مَن أنت؟ مِن أين أتَيت؟ ولماذا تمرّ مِن هنا؟ وكأنّ الوجود ذاته يحتاج إلى إذن عُبور، وكأنّ الانتماء وثيقة قابلة للطعن بأيّ لحظة.
لَم يَعُد اللجوء في فلسطين مرتبطًا بالخُروج من الوطن، بل بالبقاء فيه تحتَ القَيد. نحنُ لا نَعيش كالبقيّة في وطن طبيعي نَسير في طُرُقه بلا حواجز. نعيش في مساحَة مَشروطَة، جغرافيا مُجزَّأة، وحياة تحتاج إلى تصريح غير مَكتوب.
أَنْ تكون ابن هذه الأرض لم يعُد كافيًا؛ عليك أن تُقنع غيرَك بذلك كلّ يوم، على كلّ حاجز، وأمام كلّ بندقية.
في كلّ مرّة أتَّجه فيها من رام الله إلى الخليل لا أقطَع مسافة جغرافية فحسب، بل أخوض اختبارًا طويلًا للكرامة؛ حواجز عسكرية توقفُك بلا سبَب، أسئلة لا تَبحث عن إجابة بقدْر ما تَبحث عن خُضوع.
تُبرز هويّتك، فيُنظر إليها طويلًا كأنّ اسمك مشكوكٌ فيه، وكأنّ مكانَ ولادتك يحتاج إلى مراجَعَة.
تُفتَّش السيارة يُبعثَر ما فيها، ويُكسَر ما يمكِن كسرُه بداخِلِها، لا لشيء إلّا لأنهم يستطيعون فِعل ذلك. وبعدَ ذلك كلّه يُسمَح لكَ بالمرور .. تُكمِل طريقَك هامِسًا: "الحمد لله ... عَبَرت". كأنّ السَّلامة أصبَحَت امتيازًا، والوُصول دون أذى إنجازًا شخصيًا لا حقًا بديهيًا.
أحيانًا أضّطر إلى سُلوك طُرق لا أعرفُها؛ طُرق لأوّل مرّة أَعبُر منها، ليس حُبًا بالمغامَرَة بل هربًا من الحواجز. أَضيع، أتوتّر، لأصل بعد ساعات مُنهَكة، غاضبة، مكسورة من الدّاخل.. هذا ليس استثناء بل روتين يوميّ يتكرّر بصمت. صار القلَقُ رفيقَ الطريق، والخَوف جزءًا مِن خَريطة البلاد.
أمّا الطَّريق منَ الشمال إلى الوَسَط، فهي حكاية أُخرى.
توجَّهت يومًا ما من رام الله إلى سلفيت، لأجِدَ نفسي في طَريق لا يرَفرِف فيه إلّا الأعلام الإسرائيلية، ولا تسير فيه إلّا سيارات بنمرة صفراء يستقلّها مستوطنون.
لا أُنكر كمية الخوف التي كانت داخِلي، والغُربة التي شَعَرتُها وأنا في وطني، أتساءَل في نفسي: متى تغيّر هذا الطريق؟! وكيف صارَ مألوف الأمس غريبًا إلى هذا الحدّ؟!
ذهبتُ إلى هناك سابقًا، لكنّني هذه المرّة وجدتُ نفسي في مكان مختلِف.. مكان يُشبه التّحذير.
كنت أبحَث في لوحات السيارات عن نُمرة بيضاء فلسطينية، علَّ قلبي يطمئن قليلًا. كأنّ اللون وحده صار علامَة أمان، وكأن ّالطمأنينة تُختصر في تفصيل صغير على لوحَة معدنية.
حينَها ضَلَلْت طريقي، وجدتُ نفسي مُتجهة نحو حاجز، لأكتشف أنّه يقود إلى مستوطنة!
أَبحثُ من حولي عن إشارة إلى أيّ شيء يُخرجني من هذه الطريق، لأجد شابًا يستقلّ سيارة بنمرة بيضاء أشارَ لي بيده أن أتّجِه يمينًا، وكأنّ مصيري كان معروفًا لو واصلتُ السير نحو الحاجز.
ذلك المَشهَد، تلك الأَعلام والصّمت الثّقيل في الطريق، رسّخَ في داخِلي حقيقةً واحِدة: أنّني لاجئة.. في وطني.
يُقال لَنا أنّ هذا "وضعٌ أمنيّ".
لكن أيّ أَمن يُبنى على إذلال الناس؟
أيّ وطن تتحوّل طُرُقُه إلى مصائد؟
كيف أكون مواطنة في بلَدي وأَعيش هذا القَهر اليوميّ؟
وكيف يكون الوطن وطنًا إذا كان التنقّل فيه مغامرةً غَير مضمونَة العواقِب؟
أُميّ لاجئة ... خَرَج والدها عام 1948 من قرية النّعامة جنوب فلسطين (قضاء بئر السبع) إلى مخيّم العروب، تاركًا البيت، والقمح، والزيتون، والبرتقال.
خَرَجوا وهم يظنّون أنّ الغياب مؤقَّت، فصار دائمًا.
كبرتُ على حكايات الفقْد، على تفاصيل البيوت التي لم أَرَها، وعلى أسماء القرى التي بقِيَت في الذاكرة أكثر مما بَقِيت على الخرائط.
لكنّ أمي كانت تروي لي أيضًا عن الحياة الطبيعيّة التي عاشوها قَبل التّهجير.
يذهبون إلى غزة صباحًا، يسهَرون على شواطئ حيفا ويافا ليلًا دونَ أن يسأَلَهم أحد مَن هُم، دون أن يُبرزوا هويّة، لم يكن أحد يحتاج لإثبات أنّه في بلده.
اليوم، أنا لم أُهجّر كما هُجّرت أُمي، لكنني ورثتُ عنها اللجوء بصيغة أخرى. لجوءٌ بلا خيام، ولا طوابير مساعَدات، لكن بالحواجز والأسئلة والخَوف الدائم.
نحنُ جيل لم يُخرَج من الوطن، بل أُبقي فيه مُقيَّدًا.
جيل يَعيش في بلده، لكنّه لا يتحرّك فيه بِحُرّية.
يحمل هويّة، لكنّها لا تحميه.
يسكًن أرضه، لكنّه يُعامَل كأنّه عابرُ سبيل.
ليس اللجوء فقط لجوء مَن هُجر عام 1948 ولا مَن يسكن المخيمات فقد، اللجوء أن تُسلب حريّتك وأنت في بيتك، أن تُختَصَر حياتك في نقاط تفتيش وحواجز، وأن يُختزل وطنك في تصريح، أن تُصبح كرامتك مرتبطَة بمزاج جُندي.
لهذا، نعَم ... أنا لاجئة.
لاجئة لأنّني أحتاج إلى إثبات وجودي في كلّ مرّة أتحرّك فيها.
لاجئة لأنّ الوطن تحوّل إلى معبَر، والكَرامَة إلى احتمال.
سأبقى لاجئة، إلى أن يأتي يوم لا أُسال فيه من أنت؟ من أين أتيت؟ ولا إلى أين أذهب؟
يوم يكون الطريق لي، الأرض لي والوطن ... وطني فعلًا.
لا بالهويّة ..... بل بالحريّة.




