نبتعد عن الدولة ونقترب من صندوقها.. أيّنا أشدّ تناقضًا؟

كل ما حصل في السنوات الأخيرة كان يُفترضُ أن يُبعدنا، نحن الفلسطينيين في الداخل، عن هذه الدولة، وقد أبعدَنا فعلًا: حرب الإبادة في غزة، وما يجري في الضفة، والتحريض علينا والسياسات ضدّنا وكل ما يحصل في المنطقة، وفوق هذا، الجريمة التي تلتهم مجتمعنا، والتي لا خلاف داخل مجتمعنا على الأقل حول كونها مخططًا سلطويًا. الشرخ اتّسع، وسقطت أشياء كثيرة كان بعضنا يصدّقها عن المواطنة والشراكة. مع ذلك، يبدو أن فئات من مجتمعنا تريد المشاركة في الانتخابات أكثر هذه المرّة. كيف يمكن أن يحصل الأمران معًا؟

قد يحتاج الأمر إلى دراسة موسَّعة لفهم هذا التناقض بشكل كامل. لكن بتحليل أولي، يمكن القول إن الناس لم تنسَ ما حصل، ولم تقتنع فجأة بأن الدولة تغيّرت. الذي تغيّر هو ما تبقى لديها من خيارات. من كان يراهن على الخارج فقد تغيّرت الظروف التي راهن عليها، ومن انتظر أن تتوقف الأمور عند حدّ معين، رأى كيف يزداد الوضع سوءًا مع هذا اليمين المتطرف والمهووس. لهذا، فإن الأسباب التي عمّقت الشرخ هي نفسها التي تدفع البعض إلى الصندوق. يريدون تجربة ما تبقى، حتى لو لم يكونوا مقتنعين بأنه سيغيّر الكثير.

هذا ليس أمرًا بسيطًا: شاب يريد أن يتعلم ويعمل ويبني بيتًا، يخاف في بلدته من المجرمين، وفي الجامعة أو العمل من عواقب كلمة يقولها، ويرى ما يحصل لأبناء شعبه ولا يعرف كيف يعبّر عن وجعه. ثم نأتي لنسأله لماذا يريد التصويت ضمن منظومة هذه الدولة! هو يريد أن يعيش، ويبحث عن وسيلة يخفّف بها ما يحصل له. ليس كل من يتمسّك بالانتخابات يثق بالنظام الذي ينظمها، أحيانًا يتمسك بها لأنه فَقَد ثقته بكل احتمال آخر.

لكن الأخطر من هذا، أن الأمر لا يتوقّف عند المشاركة في الانتخابات. فهذا التعب جعل فئات تتقبل كلامًا ونهجًا سياسيًا كانت ترفضه، مثل خطاب منصور عباس مثلًا، الذي يعرف كيف يستفيد منه ومن التوقيت. صحيح، أختلف كثيرًا مع هذا النهج، لكنني أفهم كيف يصل إنسان خائف على أولاده إلى استعداد لقبول أيّ وعد بتحسين وضعه. لكن ما أخشاه هو أن تتحوّل هذه الحاجة إلى تنازل مستمر. ميزانيات هي أصلًا حقّنا، تقف مقابل صمتٍ عن قضايا شعبنا، وموقفنا الوطني يصبح عبئًا يعطل تحصيل حقوقنا. وبينما يتنافس السياسيون اليهود من اليمين واليسار على إثبات صهيونيتهم، يطلبون من الفلسطيني أن يضع هويته جانبًا كي يصبح مقبولًا. وتحت ضغط الواقع، يجد هذا المنطق من يقبله بيننا.

ثم إن الناس تعرف ماذا يعني فوز اليمين. هذه ليست جماعة لديها مطلب تحقّقه وتتوقف. كل ما تحصل عليه تستخدمه للحصول على المزيد، وعلى حسابنا. "خطة الحسم" لسموتريتش ليست جديدة؛ لكن الجديد أنه بدأ بتنفيذها في الدورة الأخيرة في الضفة الغربية، والآن بدأ بتوجيه سهامه نحو الجليل. لم نعد نحن من يحذر من أن الدور سيصل إلينا، الرجل نفسه يقول هذا ويطلب أصواتًا عليه. لماذا نفترض أنه سيكتفي بما حقّقه حتى الآن؟

والمعضلة، حتى إذا خسر اليمين، فمن جهة سيحاول الطرف الآخر في جزء من القضايا أن يثبت أنه أكثر وطنية "بالمفهوم الإسرائيلي" من اليمين، كما حصل مع حكومة التغيير الماضية، ومن جهة أخرى، لن يجلس اليمين متفرجًا وينتظر الانتخابات القادمة. سيحاول إسقاط الحكومة التي تأتي مكانه، وإذا لزم الأمر لن يتأخر عن استخدام التحريض علينا وإشعال الشارع لتحقيق ذلك، وتكرار أحداث أيار 2021 وارد دائمًا؛ طبعًا، هناك فرق بين أن يملك اليمين أدوات الحكومة وأن يعمل ضدّها من الخارج، لكن خسارته لا تعني انتهاء الخطر، ولا تعفينا من سؤال الذين سيأتون مكانه عمّا سيفعلونه عندما يبدأ الضغط عليهم بسبب اعتمادهم على أصواتنا.

هذه بعض تناقضات واقعنا، وأنا أؤيد التصويت، أرى التناقضات، ولا أملك وصفة تلغيها. لكن ما يزعجني أن ينتهي النقاش الإسرائيلي عندنا: لماذا لا يصوّت العرب أكثر؟ لماذا لا يساعدون على إسقاط اليمين؟ وكأن المطلوب أن نجد نحن حلًا لكل ما صنعوه، بينما لا يحتاجون هم إلى مراجعة شيء. نحن نشرح لماذا نشارك رغم ما تفعله الدولة بنا، فهل يشرحون لنا لماذا يريدون مشاركتنا ويواصلون رفض مطالبنا؟

هنا أصل إلى ما أكرّره في كتاباتي بالعبرية: مشكلة إسرائيل هي إسرائيل نفسها. خذوا مثلًا الهجوم على فيلم "نازا" للزميل يوڤال أبراهام وراحيل شور، وشهادات الضباط عن قتل المدنيين في غزة. أي أنه منذ بداية الحرب يكرّر الإسرائيليون خطابهم بأن لا أبرياء في غزة، ثم يغضبون لأن عرض قتلهم يسيء إلى الجيش والدولة. طيب، إذا كنتم مقتنعين بما تفعلون، لماذا تعتبرون عرضه إساءة إليكم؟ كيف يصبح من يكشف القتل هو المسؤول عن تشويه صورتكم، أكثر ممن ارتكبه؟

لا أعرف تفسيرًا كاملًا لهذه الحالة. ربما يتداخل الشعور بالتهديد مع ذاكرة المحرقة وعمل السياسيين والإعلام. لكن النتيجة أن قطاعات واسعة تفضّل اتهام كل من يخالف روايتها، بدل أن تفحص ما يقوله، حتى حين تأتي الشهادات من إسرائيليين. وهذا ينعكس في الانتخابات أيضًا. كثير من منافسي نتنياهو يريدون إقناع الجمهور بأنهم سينفذون سياسته بنجاح أكبر، ويخشون الاعتراض على السياسة نفسها. يريدون أصواتنا، ويخجلون من الشراكة معنا. فكيف سيضعف خطاب اليمين إذا كان حتى خصومه يردّدونه؟

يحتاج التغيير الذي أتحدّث عنه إلى من يقول إن الاحتلال يجب أن ينتهي، والاستيطان يجب أن يتوقف، وللفلسطينيين حقّ في دولة، وللعرب هنا حقّ في المساواة والشراكة. قد يُخسّر هذا الكلام أصواتًا، لكن الاستمرار في تجنبه يعني إبقاء الاتجاه نفسه، مهما تغيّرت الحكومات. ومن يدفع الثمن هو الفلسطيني، سواء امتلك صوتًا في هذه الانتخابات، أو عاش في غزة والضفة تحت أثر نتائجها دون أن يملك حقّ المشاركة فيها.

لا يعني هذا أنني أراهن على استفاقة المجتمع الإسرائيلي. لا أعرف إن كانوا سيخرجون من فقاعتهم في النهاية أم لا. عليهم أن يغيّروا طريقهم، لكننا لا نستطيع تعليق حياتنا على انتظارهم. شوكنا علينا أن نقلعه بأيدينا، وعصر المعجزات انتهى فعلًا. 

ما أعرفه أن مجتمعنا سيصوّت هذه المرة، رغم كل شكوكه وتناقضاته. سيصوّت ليس حبًا في الدولة ولا حفاظًا على نظامها، بل لسبب واحد فقط: لأنه يرى أن هذا هو الخيار الوحيد الذي بقي أمامه لمحاولة إنقاذ نفسه.

بكر جبر زعبي

كاتب وصحافي في موقِعيّ "سيحا ميكوميت" (Local Call)، و"بكرا".

رأيك يهمنا