حول جاهزيّة مصر والمنطقة لمحصّلة الانتخابات الإسرائيلية

سيكون للانتخابات الإسرائيلية المرتقَبة دور كبير في إعادة صياغة المشهد الإقليمي جذريًا بكلّ أبعاده، حيث تجاوزت كونها منافسة حزبية تقليدية لتصبح تفكيكًا لهيكل الحكم في إسرائيل ونمط إدارتها الصراع.

الملف المصري في الصدارة، كلّ الزوايا

الثابت والمتحوّل

تحتفظ مصر برؤية استراتيجية صلبة تحكمها معاهدة السلام، واتفاقيات أمنية واقتصادية ممتدة، بالذات الغازِيّة المثيرة للجدل، لكن نوعية الشخصية الجالسة في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تفرض شكل التعاطي الميداني، بالذات في حالة التجاوب مع ترتيبات غزة، التي تتعنّت فيها حكومة نتنياهو الائتلافية.

لن تذهب مصر إلى حرب - السيناريو مستبعد من الطرفين، رغم ترديده بين حين وآخر خاصة في فترة التوترات الأخيرة، والحديث الإسرائيلي المتكرر عن المناورات العسكرية على الحدود، والتعاظم العسكري المصري، والتقارب الكبير مع الأتراك، وحتى المقاتلات الشبحية الصينية التي حلقت لأسابيع في السماء المصرية ترقبًا لصفقة جديدة، بخلاف صفقة الرافال المثيرة لقلق الإسرائيليين لما تمتلكه من إمكانيات تتفوق في بعضها على مقاتلات الإف35. 

عمومًا، المدى المستقبلي يتأرجح بين مستويين

في حال بقاء نتنياهو أو خطه اليميني المتطرف: تستمر حالة "التبريد الحذر والشدّ السياسي المكتوم". يعتمد نتنياهو الاستفزاز الميداني بوصفه أداة بقاء - والأمثلة كثيرة، من ملف محور صلاح الدين/ فيلادلفيا، إلى إدارة المعابر، وحتى التهديد العلني بالتهجير الفردي أو الجماعي تحت غطاء التضييق المعيشي.

وبالتالي، تبقى العلاقات في أدنى مستوياتها الدبلوماسية والاقتصادية، مع الاقتصار على التنسيق العسكري.

في حال صعود غادي آيزنكوت وحزب "يشار" المتصدر حتى الآن، على الرغم من الارتباك، تنفتح القنوات نحو "تسخين إيجابي وعقلاني". آيزنكوت بوصفه رئيس أركان سابقًا هو من صاغ مع مصر العديد من التفاهمات الأمنية، ويرى في المؤسسة الأمنية المصرية شريكًا لا غنى عنه. 

هذا لا يعني تنازل إسرائيل عن غاياتها، بل انتقالها من "الشعبوية السياسية" إلى "العقلانية المؤسسية".

ستحصل القاهرة على مساحة أكبر لإلغاء هواجس التهجير تمامًا، وتنظيم الملفات الحدودية، وأخذ دور أكبر في خطة ترامب لليوم التالي: قوة دولية، وشرطة فلسطينية جديدة، وهوية رقمية.

هل مصر جاهزة؟

نعم وبشكل استباقي. تواصلت القاهرة مع واشنطن وفريق آيزنكوت منذ شهرين. تُبلغ مصر واشنطن بضرورة وضع حدّ لقفزات نتنياهو وحلفائه العشوائية. هي تستعد لسيناريو "ما بعد نتنياهو" حتى لا تتكرر مفاجأة بينيت 2021.

الزاوية الاقتصادية والأمنية

اقتصاديًا: 98% من واردات إسرائيل تأتي عبر البحر، والبحرية الإسرائيلية ترفع حالة التأهب في البحر الأحمر بسبب الحوثيين وباب المندب. أيّ تهديد للاستيراد يجعل مصر وقناة السويس أكثر أهمية لإسرائيل.

أمنيًا: أيّ حكومة تعتمد على إيتمار بن غفير (الذي هبط إلى 6) وبتسلئيل سموتريتش (صعد إلى 7) ستدفع نحو تصعيد في الأقصى وغزة والضفة وسيناء، وهذا ما تخشاه القاهرة.

صورة إسرائيل بعد الانتخابات - دولة بلا حاكم مخضرم ولا سياسة واضحة

السيناريو الأول - حكومة وحدة نتنياهو-آيزنكوت، وهو أمر تتزايد واقعيته مع الوقت، وتدرسه إدارة ترامب نفسها، بخلاف ترويج الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لهذا السيناريو، بحجة استقرار البلاد، وعدم السير في طريق الانقسام وموجات الانتخابات المبكرة.

السيناريو الثاني - حكومة أقلية بيد العرب: لو رفضت الكتلتان التحالف، سنرى حكومة آيزنكوت + بينيت + الديمقراطيون + ليبرمان، لن يكملوا الأغلبية، وبالتالي ستضطر لاعتماد على دعم من حزب القائمة العربية الموحدة، 5 مقاعد، لذلك ذهب آيزنكوت لبدو النقب، وسط هجوم نتنياهو أو أبو يائير. وهذا سيناريو 2021 مكرّر لكن على نحو أسوأ. 

بقاء نتنياهو عبر التناوب - احتمال غير مستبعد

كان عنوان اجتماع نتنياهو السرّي الشهير مع بن غفير وسموتريتش توحيد الجهود لمنع الخطر، ويقصد المنشق عوفر فينتر الذي يحرق أصوات اليمين. نتنياهو قال: "حتى لو نجح بطريقة أو بأخرى، فإنه سيأخذ أصواتًا من الكتلة وينقلها إلى الكتلة المضادة لتنصيب ليبرمان".

سيناريو التناوب: آيزنكوت أولًا سنتين، نتنياهو ثانيًا. يُمنح نتنياهو خروجًا آمنًا عبر قانون فرنسي موسع وعفو رئاسي مقابل الاعتزال. لكنه لن يكون نتنياهو القديم - سيكون مقيدًا بأمريكا ومصر وبلا بن غفير وسموتريتش. نتنياهو 2026 يدير حرب بقائه الشخصي، لا مشروعًا أيديولوجيًا.

انتخابات مبكرة حتمية

تقول المؤشرات إنها حتمية خلال 12-18 شهرًا حتى لو تشكّلت حكومة. 

آيزنكوت - هل سيكون أكثر دموية؟

آيزنكوت ليس حمامة سلام، هو صاحب "عقيدة الضاحية"، وهو والد وعمّ جنود قتلى خلال حرب إبادة غزة.

الأشهر الأولى: سيكون أقل دموية من نتنياهو بغرض كسب الوقت والشرعية الدولية وتمرير خطة ترامب.

المدى المتوسط: سيكون أكثر دموية لإثبات القوة؛ جنرال بلا خبرة سياسية يحتاج لإظهار أنه ليس ضعيفًا أمام اتهام اليمين له أنه ليس منهم. سيضرب في لبنان وغزة بشكل أوسع، ومن الممكن في إيران.

الملف الفلسطيني - التكتيك متغيّر والمضمون ثابت

تخطئ التقديرات التي تراهن على تحوّل جذري. الثوابت الصهيونية: القدس، ورفض دولة كاملة السيادة، والسيطرة الأمنية المطلقة تحظى بإجماع واسع.

الخلاف في الأدوات

نتنياهو: إدارة الصراع.

آيزنكوت: تقليص الصراع + دعم السلطة الفلسطينية لتولي غزة والضفة بترتيبات أمنية مشدّدة، بمنطق التخطيط المؤسّسي الحذر مع القاهرة وواشنطن، وليس مزايدات الشارع.

بن غفير وسموتريتش: حسم وضم وإعدام.

خطة ترامب هي الحل المفروض: نزع سلاح حماس + حكومة تكنوقراط + قوة دولية + اقتصاد جديد. لا أحد يتحدّث عن الضفة.

 فلسطينيو الداخل والعودة الرقمية وفتنة الإخوان

الوصول لواقع شطب أبو شحادة سلاح ذو حدّين. لو انسحب، سيُظهر "التجمع الوطني الديمقراطي" بوصفه ضحيةَ الكتل الصهيونية المعادية، ويزيد التحشيد، والقائمة المشتركة قد ترتفع من 7 إلى 9. "العودة الرقمية" حقيقية لكنّها منقسمة:

تيار عزمي بشارة/ التجمع الوطني الديمقراطي.

تيار منصور عباس/ القائمة العربية الموحدة - 5 مقاعد - تريد أن تكون بيضة القبان مرة أخرى كما في 2021.

انتخابات تدمير نتنياهو على يد اليمين الصغير

نعم، هذه انتخابات انتقام تلاميذ الليكود: فينتر، بن غفير، سموتريتش؛ خرجوا من عباءة الليكود ويدمرون الليكود من الداخل بحرق الأصوات. النهاية لنتنياهو: إما عفو مقابل تناوب وخروج آمن، أو السجن السياسي والجنائي معًا.

التأثير الإقليمي والثابت الإسرائيلي

السياسة الإسرائيلية ثابتة مهما تغير الاسم:

أمنيًا: لا انسحاب من الضفة، لا عودة للسلطة في غزة، غواصة "التنين" السادسة وصلت والهدف 8 غواصات.

إقليميًا: التطبيع مستمر.

الذي يتغير هو الأسلوب: نتنياهو يتصادم، آيزنكوت ينسق.

سيعطل الشلل السياسي المرتقب أيّ قفزات توسعيّة غير محسوبة، ويجبر القيادة الجديدة على خفض التوتر لإعادة بناء الجاهزية، وهو ما يخدم الرؤية المصرية لتخفيض التصعيد الشامل.

الموقف الأمريكي

واشنطن ضاقت ذرعًا بمناورات نتنياهو. تتواصل مباشرة مع كتلة آيزنكوت، وتريد:

حكومة وحدة تمرّر خطة غزة بمليارات الدولارات.

إنهاء قضية نتنياهو لتثبيت الاستقرار.

إبعاد بن غفير عن وزارة الأمن.

بناء أرضية مشتركة مع القاهرة لإدارة الإقليم برؤية أمنية متماسكة.

انهيار كتلة التغيير والليكود

كتلة التغيير: انهارت لأنها بلا أيديولوجيا - كانت فقط "ليس نتنياهو". بينيت وليبرمان يتراجعان، والناخب اكتشف أن آيزنكوت هو غانتس 2.

الليكود: ينهار لصالح اليمين الصغير لأن ناخب اليمين يريد يمينًا أكثر تطرفًا ووضوحًا، وليس ليكودًا براغماتيًا. 

الانتخابات الفلسطينية بعد شهر من الإسرائيلية؟

مستحيل في ظلّ الحكومة الحالية إجراء الانتخابات الفلسطينية. حتى ولو توصلت لحكومة وحدة ستشترط وقتها:

انتخابات بلا حماس.

انتخابات بلا القدس الشرقية.

انتخابات بعد نزع السلاح في غزة، وتطبيق نظام الهوية الرقمية.

إسرائيل ستؤجلها بحجة "الظروف الأمنية" حتى تضمن أن النتيجة هي حكومة تكنوقراط موالية لخطة ترامب، وليست حماس جديدة. السلطة تريدها، لكن القرار في تل أبيب وواشنطن والقاهرة.

إسرائيل ذاهبة لحكومة وحدة هشّة برئاسة آيزنكوت ونتنياهو بالتناوب، تحكم بدعم أمريكي وترقّب مصري، تنفذ خطة ترامب في غزة، وتحقق تسخينًا إيجابيًا مع القاهرة بعد مرحلة التبريد، لكنّها ستسقط خلال سنة وتعيد الإقليم للدوامة نفسها- مع فارق أن فلسطينيي الداخل هذه المرة سيكونون هم من يملكون مفتاح الحكومة، ومصر ستكون هي الضامن الحقيقي لعدم انفجار الإقليم، وسيناريو الانتخابات الفلسطينية يبتعد بشكل كبير، إلا بشروط ما.

د. إسلام كمال

خبير مصري في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية.

رأيك يهمنا