يُخطئ من يظنّ أنّ تحرير الوطن يبدأ من ساحة المعركة فقط، أو أنّ استعادة الأرض تتحقّق بمجرّد امتلاك القوة العسكرية.

فالتاريخ يعلّمنا أن أعظم الانتصارات لم تبدأ بالسلاح، بل بدأت بالفكرة، وأنّ أخطر الهزائم لم تقع يوم سقطَت المدن والقرى، بل يوم استسلمَت العقول.  إنّ العقل هو القائد الأول لكلّ مشروع نهضوي نسعى له ما بَعد حرب الإبادة الجماعية، وهو الذي يرسم طريق المستقبل. فإذا كان العقل حرًا، ناقدًا، قادرًا على التمييز بين الحقيقة والخيال، استطاع أن يَصنع حضارة وأن يحمي استقلالها. أمّا إذا أُسر بالخرافة والوهْم، أو استسلم للتعصّب، أو انشغل بالصراعات الحزبية والتنظيمية، فإنه يصبح عبئًا على الوطن والمواطن، مهما حمل من شعارات وطنية أو ادّعى من انتصارات. 

لقد شهد التاريخ أممًا كثيرة فقدت حريتها ثم استعادت مكانتها؛ لأنها لم تفقد عقلها، ولعلّ تجربة اليابان وألمانيا خير دليل. في المقابل، هناك أمم امتلكَت الثروات والجيوش، لكنها خسرت مستقبَلها عندما انتشر فيها الجهل، وغاب قانون الحقّ، وتغوّل قانون القوة، وتحوّل الولاء من الوطن إلى الأحزاب أو المصالح الضيقة. إن الاحتلال يدرك هذه الحقيقة أكثر مما يدركها كثيرون؛ لذلك لا يكتفي بالسيطرة على ٦٠ أو ٧٠ ٪ من قطاع غزة أو يبني مستوطنات في الضفة الغربية، بل يسعى إلى السيطرة على الوعي، وتشويه الهوية، وإضعاف الثقة بالحقّ، وإشغال المجتمع بالخلافات الداخلية. فهو يعلم أن شعبًا يمتلك عقلًا حرًا لا يمكن أن يَبقى خاضعًا له طويلًا، حتى لو تأخّر التحرير سنوات وسنوات. أمّا إذا نجح في احتلال العقل، فإن بقاءَه يصبح أقلّ كلفة من بقاء جيشه.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الوعي كان دائمًا مقدّمة للتحرر، فالثورة الجزائرية لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية ضد الاحتلال الفرنسي، بل كانت معركة للدفاع عن اللسان العربي، والهوية الوطنية، والانتماء الحضاري، في مواجهة محاولات الطّمس والاستيعاب. وقد أدرك الجزائريون أن تحرير الأرض يبدأ بالحفاظ على شخصية الأمة، لذلك خرجت الجزائر من احتلال دام أكثر من قرن وهي أكثر تمسكًا بهويتها. وفي جنوب أفريقيا، لم يكن سقوط نظام الفصل العنصري نتيجة الضغوط السياسية وحدها، بل جاء بعد عقود من بناء الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم المساواة، والعدالة، واحترام الإنسان.

وعندما انتصرت إرادة الشعب، لم تنتصر بروح الانتقام، بل بروح المصالَحة وبناء الدولة وسيادة القانون، وهو ما جعل التجربة الجنوب أفريقية واحدة من أهم تجارب الانتقال السياسي في العصر الحديث. أمّا الهند، فقد أثبتت أنّ الوعي الشعبي يمكن أن يتحوّل إلى قوة هائلة قادرة على تغيير التاريخ. فقد نجح (المهاتما غاندي) في تحويل فكرة الحرية إلى ثقافة عامة، وجَعَل من مقاومة الاحتلال مشروعًا مجتمعيًا يقوم على الانضباط والإيمان بالكرامة الوطنية، فكان الوعي الشعبي أحدَ أهم عوامل استقلال الهند. وبعد الحرب العالمية الثانية، كانت ألمانيا واليابان مدمرتين بصورة شبه كاملة، لكنّهما لم تُعيدا بناء نفسيهما بإعمار الأعيان وحدها، بل بدأتا بإصلاح التعليم، وتشجيع البحث العلمي، وبناء مؤسّسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، والاستثمار في الإنسان. وخلال عقود قليلة تحوّل الدمار إلى نهضة، والهزيمة إلى قصّة نجاح عالمية، لأن بناء عقل الإنسان سبق بناء العمران.

من هنا، فإن معركة الوعي ليست معركة ثقافية هامشية، بل هي معركة وطنية بامتياز؛ تبدأ من المدرسة التي يجب أن تَعتمد على التعلّم لا التعليم، فتعلّم الطالب كيف يفكر، لا ماذا يحفظ، ومن الجامعة التي تنتج المعرفة بدلًا من تكرارها، ومن الإعلام الذي يبني الوعي بدلًا من أن يصنع الانقسام، ومن الأسرة التي تغرس قيم الحوار والاحترام والانتماء. إن تحرير العقل يعني أيضًا تحريره من الخوف، فالخائف لا يبدع، ولا ينتقد، ولا يقترح، ولا يتحمّل المسئولية. والمجتمع الذي يخشى السؤال أو يعتبر النقد خيانة، يحكُم على نفسه بالعيش ميتًا. أمّا المجتمع الذي يحترم الرأي الآخر، ويؤمن بأن الحقيقة تتجلّى بالحوار، فإنه يمتلك القدرة على تصحيح أخطائه قبل أن تتحوّل إلى أزمات.

 ولا يقل خطرًا عن ذلك تحرير العقل من الفساد، فالفساد ليس مجرّد جريمة، بل هو أكثر الظواهر الاجتماعية خطورة على مسيرة التنمية المستديمة، فإن العلاقة بينهما عكسية؛ بمعنى أنه كلما استطاع المجتمع الصمود خلال فترات التحوّل وتصدى بكل حسم لأوجه مظاهر الفساد المتنوعة، فإن حدوث التنمية لشيء واقع، وجني ثمارها سيحد في المستقبل القريب من شرور الفساد والمفسدين. وفي المجتمع الفاسد تختلط الأمور، ويلتبس الفهم على الجميع وتستطيل المسافات بين السلطة والمسؤولية، وتتشابك الأيادي الملوثة بصناعة الفساد لتوقع الجميع في جُب مليء بالإحباط والتشاؤم.

إن تحرير الوطن لا يتحقّق بمجرد إزالة الخط الأصفر أو الأخضر، ولا ينتهي بانسحاب المحتل، بل يكتمل حين يتحرّر الإنسان من الجهل، والخوف، والتعصب، والفساد. فالوطن الذي يمتلك عقلًا حرًا، ومؤسسات عادلة، وتعليمًا منتجًا للمعرفة، وقانونًا يسود الجميع، هو وطن يصعب إخضاعه أو كسر إرادته. 

واليوم، ونحن نقف أمام حرب الإبادة في غزة، فإنّ مسؤوليتنا الوطنية لا تقتصر على إزالة الركام، أو إعادة بناء المنازل والطُرق، بل تمتد إلى إعادة بناء الإنسان الفلسطيني. فنحن بحاجة إلى مشروع وطني شامل يجعل من التعليم أولوية، ومن العدالة أساسًا، ومن النّزاهة ثقافة، ومن البحث العلمي استثمارًا، ومن الوحدة الوطنية خيارًا لا رجعة عنه. فإعادة إعمار الحجر مهمة ضرورية، لكنّها لن تكون كافية إذا لم يصاحبها إعمار لعقل البشر وضميرهم. 

إن الوطن الذي يمتلك عقلًا حرًا، وإنسانًا واعيًا، ومؤسّسات قوية، هو وطن يصعب إخضاعه، ويستطيع أن يحوّل المحنة إلى منحة، والدمار إلى عمار، والألم إلى أمل ومستقبل أكثر أمنًا وعدلًا وكرامة.

لقد علمتنا التجارب أن الأوطان قد تُحتل، لكنّها لا تموت ما دام وعي أولادها حيًا، وما دامت ذاكرتها حاضرة، وما دام إيمانها بحقها ثابتًا؛ لذلك فإنّ الطريق إلى تحرير الأرض يبدأ دائمًا بتحرير العقل، والطريق إلى بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، والطريق إلى المستقبل يبدأ بفكرة حرّة، وعقل مستنير، وإرادة وطنية تؤمن بأن الأوطان العظيمة لا يصنعها السلاح وحده، بل يصنعها الإنسان الحرّ. 

د. عبد القادر صابر جرادة

أستاذ القانون الجنائي المشارك في جامعات فلسطينية عدة، ورئيس المركز العربي للعلوم الجنائية، خبير في إصلاح وتطوير منظومة العدالة، ومستشار استراتيجي في بناء المؤسسات القضائية، وتطوير التشريعات والسياسات الجنائية.

رأيك يهمنا