حَينَ لا يَعودُ المَكانُ بيتًا: تَجرِبَة النّزوح مِن مَنظُورٍ نَفْسيّ

ليسَت كلّ الكلَمَات تُسمَع بالمَعنى نفسه لدى الجَميع. هناك كلمات، بمجرّد أن تُنطَق، تُحدِث ارتجافَة خَفيّة في الدّاخل، كأنّها تفتَح بابًا في الذاكرة لم يكُن مُرادًا فتحُه. كلمة واحدة فقط "نزوح" قد تكون كفيلةً بأن تَستدعي طيفًا واسعًا من الصوَر والمَشاهد: حقائب تُحمل على عَجَل، أبواب تُغلق دون يقين بأنّها ستُفتح مرّة أخرى، ووجوه تبحَث عن ملامح أمان في عالَم فقد استقراره فجأة.
لكنّ النّزوح، في جوهرِه النفسيّ، لا يبدَأ عندَ لحظَة المغادَرَة. إنّه يبدأ قبْل ذلك بكثير... في تلك اللحظة التي يتسلّل فيها الشكّ إلى الإحساس بالأمان، حين يتحوّل المَكان المألوف إلى مساحَة لخطرٍ محتمَل، وحين يَبدأ الإنسان -دون وعي- بإعادَة تَرتيب داخله على أَساس فكرَة الرّحيل، حتى قَبل أن يُطلب منه ذلك.
هناكَ مرحلةٌ صامتة تسبِق النزوح، مرحلة لا تُرى في الأخبار ولا تُوثَّق في الصوَر، لكنّها من أكثر المَراحل قسوَة على النفس. يَعيش فيها الإنسان حالةً من القَلَق المُعَلّق، حالةَ انتظار مستمر، كأنّ الحَياة نفسها أصبحت مؤقَّتة. يبدأ بتخزين الضّروريات في ذهنه قَبل أن يُخزّنها في حقيبته، ويصبح التّفكير في "ماذا لو اضطررت للمغادرة؟" جزءًا من روتين داخليّ يوميّ.
في هذه اللحظات، يَبدأ أوّل تصدّع نفسي خفيّ في الإحساس بالأمان. الإحساس بالأمان -الذي يُفترض أن يكون بديهيًا - يتحوّل إلى شعور هشّ، قابل للانكسار في أيّ وقت. المكان الذي كان يُشعِر الإنسان بالاستقرار يصبح مصدَرَ تساؤُل، والعلاقة بالمكان تتحوّل من علاقَة انتماء إلى علاقَة حَذَر. هُنا، يَظهَر ما يمكن تسميتُه "النزوح النفسيّ المبكّر"، حيث يَبقى الإنسان في مكانه جسديًا، لكنّه يبدأ بالابتعاد عنه نفسيًا.
وعندما تأتي لحظَة النزوح الفعليّة، لا تكون مجرّد انتقال جغرافي، بل انفصالًا نفسيًا عَن جزء مِن الذّات.
فالبيت، في معناه النفسيّ، ليس مجرّد جُدران وسَقف، بل هو امتداد للهويّة، ومستودَع للذكريات، ومكان تتشكّل فيه الإحساسات الأولى بالأمان والانتماء. وعندما يُجبَر الإنسان على مغادَرَته، لا يَفقِد مكانًا فحسب، بل يفقد استمراريّةً داخليّة كانت تمنحه شعورًا بأنّ العالَم يُمكن الوثوق به.
في لحظَة النزوح نفسها، يتكثّف الزّمن بطريقة غَريبة. كلّ شيء يَحدُث بسرعَة أكبرَ مما تستطيع النّفس استيعابه. تتزاحَم الأفكار، وتُصبح القَرارات فوريّة، وكأنّ الإنسان يُجبر على إعادَة ترتيب حياته في دقائق معدودة. ما الذي يُؤخَذ؟ ما الذي يُترك؟ كيف يمكن اختيار ما يَستحقّ أن يُحمل عندما يكون كلّ شيء جزءًا من الذاكرة؟
هُنا يَظهر الإِحساسُ بالانفصال الداخليّ كإحدى آليات الدّفاع النفسيّة. في هذه اللحظة، لا يتحرّك الجسَد وحدَه، بل تتحرّك النفس أيضًا في اتّجاهات متعدّدة. يركض جزء منها مع الخُطُوات، وجزء آخر يَبقى خلفَه، عالقًا في المكان الذي لم يكُن مستعدًا لوداعه. يَشعر الإنسان وكأنّه حاضر بِجَسده وغائبٌ بذاتِه في الوقت نفسه.
هذا الإحساس بالانفصال ليس ضعفًا، بل محاولة من النفسِ لحماية ذاتها من الانهيار الكامل. عندَما يكون الحَدَث أكبرَ من قدرة العقل على الاستيعاب، تلجأ النفس إلى تقليل الإحساس بالواقع، إلى نوع من "التّخدير النفسي" المؤقَّت، يسمَح للإنسان بأن يستمر في الحركة رغم شدّة الألم.
مَع استمرار الرّحلة، يبدأ الجَسَد بإظهار ما لم تستطِع الكلمات قوله. تسارعٌ في ضربات القلب، شدّ في العضلات، تنفسٌ سريع، وعيون تبحث باستمرار عن مخرَج. إنّها استجابة بدائيّة للبقاء، حيث يَعمل الجهاز العصبي وكأنّه في حالة طوارئ دائمة. لكنّ المشكلة لا تَكمن في هذه الاستجابة نفسها، بل في استمرارها حتى بعد انتهاء الخَطَر المباشر.
مرحلة ما بَعد النزوح لا تقلّ عمقًا عن لحظَة الرحيل نفسها. في الظاهر، يبدو أنّ الرحلة انتهت، لكن في الداخل، ما زال الكثير غيرَ محسوم. المكان الجديد قد يوفّر سقفًا أو جدرانًا، لكنّه لا يَمنح فورًا الإحساس بالانتماء. يَبقى الإنسان في حالة من الترقّب، كأنّه ينتظر حدثًا آخر، وكأنّ الأمان لا يزال مؤقتًا.
في هذه المرحلة، يَظهَر القَلَق بأَشكال متعدّدة: صعوبة في النوم، حساسيّة مفرِطة للأصوات، شعور دائم بالحذَر، أو عجزٌ عن التّخطيط للمستقبل كما كان من قَبل. يصبح التفكير في الغد أمرًا معقدًا، لأنّ التجربة السابقة كسَرَت الإحساس بالاستمرارية.
مع مرور الوقت، قد يَظهر شكل آخر من المعاناة النفسية: الإحساس بالغُربة حتى داخل المكان الجديد.
فالمكان، في معناه النفسيّ، لا يصبح "بيتًا" بمجرد الإقامَة فيه، بل يحتاج إلى زمن طويل من التّفاعل والذكريات والاطمئنان. وحتى يتحققّ ذلك، يعيش الإنسان في مساحة بينيّة، لا ينتمي بالكامل إلى الماضي ولا يَشعر بالاستقرار الكامل في الحاضر. إنّها حالة من التّعليق النّفسيّ، حيث يُصبح الانتماء تجربّة مؤجَّلة.
بعدَ تجربة النّزوح، لا يَعود الأمان شعورًا تلقائيًا، بل تجربة تُختبر باستمرار. يبدأ الإنسان بمراقبة التفاصيل الصغيرة، وبالاستعداد لأسوَأ الاحتمالات حتى في أوقات الهدوء، كأنّ النفس تتعلّم ألّا تثق بالكامل. مع ذلك، تَبقى النّفس البشريّة قادرة على التكيّف، حتى في أقسى الظروف. إعادة بناء الإحساس بالأمان لا تحدُث فجأة، بل تبدأ بخطوات صَغيرة، قد تَبدو بسيطة لكنّها تَحمل مَعنى عميقًا. التّعافي لا يَعني محوَ التّجربة، بل إعادَة إِدماجِها في الذّاكرة بطريقة أقلّ إيلامًا. يحتاج الإنسان إلى مساحة يُسمح له فيها أن يتحدّث، ويُعبر، ويَعترف بخوفِه دون أن يشعُر بالضّعف.
في النهاية، لا يكون التحدّي الأكبر هو الرحيل ذاته، بل ما يتركُه الرّحيل في داخلنا. فالأمان ليس جدرانًا ولا حدودًا، بل إحساس داخليّ بأن العالَم يمكن احتماله، وأن المستقبَل -رغم غموضه - ليس تهديدًا دائمًا. النزوح لا يَسرق المكان فقط، بل يهزّ العَلاقة الأَكثر عمقًا بين الإنسان والعالَم: علاقته بالأمان. لهذا، قد لا يكون السّؤال الأهم هو: إلى أين نذهَب بعد النزوح؟ بل: كيف نُعيد بناءَ داخِلِنا بيتًا نفسيًا، عندما يُصبِح الَبيت الخارجيّ مجرّد ذكرى؟

عبد الله حاتم ريّان
أخصائي نَفسي ذو خبرة في التّشخيص والعلاج النفسي للأطفال والمراهقين وإرشاد الأهالي، مُدير وحدة علاجيّة لأطفال على طيف التوحّد، ومن مؤسسي جمعية "تاج الحياة لتطوير الصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي في المجتمع العربي". حاصل على درجة الماجستير في علم النفس- تخصص علم نفس تربوي وعلم نفس نمائي.



