حين تتخفّى الهيمنة خلف النصيحة: العنف الرمزي في حياة النساء في لبنان

وجدتُ في البودكاست مساحةً أرحَب للحديث عن قضايا النساء، ونافذة لطرح أسئلة اجتماعية وصحية لا تزال تُناقش أحيانًا بأحكام جاهزة. لكن متابعتي بعضَ البرامج جعلتني أراجع انطباعي الأول. ففي الحديث عن انقطاع الطمث مثلًا، قد يتحول شرح مرحلة طبيعية من الحياة إلى تهويل يدفع المرأة إلى القلق قبل أوانه، كما قد تُربط قيمة المرأة بنجاحها المهني أو زواجها. عندها، لا تعود التوعية مساحة للمعرفة والاختيار، بل قد تصبح مصدرًا آخر للضغط. والمفارقة أن خطابًا يريد مساعدة النساء قد يعيد، من دون قصد أحيانًا، إنتاج المعايير التي تقيّدهن.
لا يظهر العنف ضد النساء دائمًا في صورة اعتداء جسدي أو تهديد واضح. فقد يتسلل إلى أسئلة متكرّرة عن الزواج، وتعليقات على العمر والمَظهر، والتشكيك في الكفاءة المهنية، أو وصم المرأة بسبب حضورها على المنصات الرقمية. وغالبًا ما تُقدَّم هذه الممارسات بوصفها مزاحًا أو نصيحة أو حرصًا على المصلحة. لكن النية الحسنة لا تلغي أثر الكلام، كما أن كلّ تعليق مزعج لا يُعدّ تلقائيًا عنفًا. المهم أن نسأل: هل يفرض الخطاب معيارًا واحدًا للحياة المقبولة؟ وهل تتحمل المرأة تبعات اجتماعية أو مهنية لأنها اختارت خلافه؟ عندما يصبح الاختلاف سببًا للانتقاص أو الإقصاء، يتجاوز الأمر حدود الرأي الشخصي.
يساعد مفهوم العنف الرمزي لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو على فهم ما يحدث. فالهيمنة لا تحتاج دائمًا إلى أوامر أو إكراه مباشر، إذ قد تستمد قوتها من أفكار تترسّخ حتى تبدو طبيعية وبديهية.
حين يُعامل الزواج بوصفه شرطًا لاكتمال المرأة، أو يُنظر إلى تقدمها في العمر كأنه انتقاص من قيمتها، تتحوّل أحكام اجتماعية إلى مقاييس لتقييمها. وقد تتسلل هذه المقاييس إلى نظرتها إلى نفسها، لا لأنها اقتنعت بها بالضرورة، بل لأنها تسمعها باستمرار وتعرف ما قد يترتب على مخالفتها. هنا تكمن قوة العنف الرمزي: علاقات القوة تختبئ خلف أعراف مألوفة، فيبدو الامتثال أسهل من الاعتراض.
لكن الوعي بالظلم لا يمنح المرأة تلقائيًا القدرة على مقاومته. فقد ترفض داخليًا معيارًا اجتماعيًا، ثم تجد أن مخالفته قد تعرّضها لخسارة الدعم الأسري، أو العمل، أو الاستقرار المادي. لهذا لا يكفي تفسير استمرار الهيمنة بضعف الوعي أو التمسّك بالتقاليد. فالقدرة على الاختيار تتأثر بالدخل، والسكن، وفرص العمل، وشبكات الدعم، وإمكانية الوصول إلى الحماية. قد تتمكن امرأة مستقلة اقتصاديًا من اتخاذ قرار لا يُرضي محيطها، فيما تجد أخرى أن القرار نفسه يهدد احتياجاتها الأساسية. الاختلاف هنا ليس بالضرورة في الشجاعة أو القناعة، بل في كلفة الرفض والبدائل المتاحة.
من هذه الزاوية، تصبح العلاقات الاقتصادية جزءًا من تفسير العنف الرمزي، لا مجرد خلفية له. فعندما تُعامل رعاية الأطفال والعمل المنزلي باعتبارهما مسؤولية طبيعية للمرأة، تتحمل أعباء إضافية قد تحدّ من فرصها المهنية واستقلالها. ثم يُقدَّم التوفيق بين العمل والأسرة بوصفه اختبارًا لقدرتها الشخصية، بدلًا من مساءلة كيفية توزيع الرعاية أو مدى توافر الخدمات الداعمة. وهكذا، تنتقل كلفة التفاوت إلى المرأة نفسها: يُطلب منها أن تتكيف مع شروط لم تضعها، ثم تُلام إذا لم تنجح في تحقيق جميع التوقعات.
في لبنان، لا يمكن الحديث عن تجربة واحدة لجميع النساء. فالأوضاع تختلف باختلاف الدخل، ومكان الإقامة، وطبيعة العمل، والمسؤوليات الأسرية، وشبكات الدعم. كما أن الاعتراف بالحقوق لا يضمن القدرة على ممارستها إذا كانت الحماية غير متاحة أو كانت البدائل الاقتصادية محدودة. لذلك، لا تكفي الدعوة إلى تغيير الأفكار ما لم تترافق مع شروط عملية توسّع حرية الاختيار، مثل فرص العمل اللائق، والحماية من التمييز، وتوزيع أكثر عدلًا لمسؤوليات الرعاية. ولا يعني ذلك أن الثقافة وحدها مسؤولة عن التفاوت، بل إن الأعراف والمؤسسات والموارد تتفاعل، وقد تجعل مقاومة الضغط ممكنة لبعض النساء وأكثر كلفة على أخريات.
يكشف الفضاء الرقمي هذه الازدواجية بوضوح. فقد منح النساء فرصة لسرد تجاربهن ومناقشة قضايا بقيت طويلًا داخل المجال الخاص، لكنه أتاح أيضًا التشهير والوصم والتدخّل في تفاصيل الحياة الشخصية. وليست المنصات محرِّرة بطبيعتها أو قمعية بالضرورة، فالأمر يتوقف على الخطاب المتداول، وطريقة انتشاره، ومدى احترام أصوات النساء. وينطبق ذلك على التوعية الصحية أيضًا. فالمحتوى المسؤول يشرح المخاطر والاحتمالات بلغة دقيقة، من دون تهويل أو وعود زائفة، ويترك للمرأة مساحة لاتخاذ قرار مستنير. أما الخطاب الذي يصوّر التغيرات الجسدية كتهديد حتمي، أو يقدّم نموذجًا واحدًا للنجاح، فقد يزيد القلق ويحوّل التوعية إلى مراقبة مستمرة للذات.
لهذا، لا ينبغي أن ينصبّ النقد على النيّات وحدها، بل على مضمون الخطاب وآثاره والسياق الذي يعمل فيه. فليست كل نصيحة ممارسة للهيمنة، وليس كل امتثال دليلًا على الاقتناع. لكن الخطاب يعيد إنتاج التفاوت حين يطبع معيارًا غير متكافئ، أو يحمّل المرأة وحدها مسؤولية التعامل مع نتائجه، بينما يترك الشروط الاقتصادية والاجتماعية خارج النقاش. ومواجهة ذلك لا تتحقق بمطالبة النساء بأن يكنّ أكثر صلابة فحسب، بل بمساءلة المؤسسات والخطابات، وتوفير الموارد والحماية التي تجعل الرفض خيارًا ممكنًا. ولا بد من الإصغاء إلى تجارب النساء أنفسهن، بدلًا من افتراض احتياجاتهن أو التحدث نيابة عنهن في كل مرة.
ربما يبدأ التغيير حين نتوقف عن سؤال المرأة كيف تتكيف مع التوقعات المفروضة عليها، ونسأل بدلًا من ذلك: مَن وضع هذه التوقعات، ولماذا اكتسبت كل هذه السلطة، ومن يتحمل كلفة مخالفتها؟ عندها تصبح التوعية أداة توسّع الخيارات، لا قائمة جديدة من الواجبات، ويغدو الحديث عن استقلال النساء مرتبطًا بقدرتهن الفعلية على اتخاذ قراراتهن، لا بمجرد مطالبتهن بالقيام بذلك.

أماني فارس
طالبة دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال في السنة الثالثة، تحمل شهادة في العلوم السياسة. عملت ٩ سنوات في الصحافة العلمية والاجتماعية والثقافية.



